فلسطين في الذهنية العراقية... تشذيب القضية من المتاجرين والطغاة

الأربعاء 19 مايو 202112:23 م

كنّا أطفالاً، يقتادوننا إلى الساحات لنهتف، لم نكن نعرف معنى الذي نقوله. بالإضافة إلى أناشيد تمجيد صدام حسين والبعث، كانت هتافات نُصرة فلسطين ولعن "الكيان الصهيوني" مفروضةً على طفولتنا، وحين نهتدي إلى الصفوف المتهالكة في المدارس المحاصرة بصور صدام ومقولاته، كانت فلسطين ترافقنا، تجالسنا على رحلاتنا القاسية.

في البيت، كانت تتسرب من أفواه الآباء والأجداد عبارات السُباب لِما نهتف به صباح كلّ يوم في المدارس، لكن في الغالب، كان اللعب يسرقنا من الالتفات إلى هذه التناقضات.

قضية فلسطين أيام صدّام

كان ذلك خلال فترة الحصار الاقتصادي الذي فُرض على العراق منذ عام 1990 وتناوب، مع سلطة صدام وأجهزته الأمنية، على خنق الناس وقتلهم حتى كفروا بكلّ شيء. على هذا الإيقاع، كانت القضية الفلسطينية في ذهنية المجتمع العراقي متخمةً بالتشوّه والتعقيد، لكنها لم تَغِب أبداً.

منذ تأسيسها عام 1948، أعلن العراق الحرب على إسرائيل ولم تتكوّن بينهما علاقات دبلوماسية رسمية حتى يومنا هذا. قاتل الجيش العراقي في المنطقة الممتدة من حيفا إلى جنين أثناء حرب 1948 – 1949 . وعند انسحابه، اصطحب معه عدداً من اللاجئين الفلسطينيين، ومنذ ذلك الحين ظلت العلاقات بين الدولتين عدائية في أحسن الأحوال. كما شاركت القوات العراقية في الحروب اللاحقة ضد إسرائيل في عامي 1967 و1973.

مبكّراً، فضّل العراق معالجة احتياجات اللاجئين الفلسطينيين بنفسه، وفتح مصاريع أبوابه لهم: لا توجد إحصائيات دقيقة لعدد اللاجئين الفلسطينيين في العراق، لكن معظم المصادر، بما فيها مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين والسلطات العراقية، تقدّر عددهم قبل الاحتلال الأمريكي للعراق، عام 2003، بـ34 ألفاً.

قبل هذا التاريخ، كانت للفلسطينيين داخل العراق مكانةٌ خاصّة، إذ قدَّم العراق منحاً دراسية كاملة للطلبة الفلسطينيين الذين كانوا يرغبون بالدراسة في الجامعات العراقية، وتكفّل بتوفير نسبة كبيرة من بدلات السكن للاجئين، حتى أن السلطة العراقية آنذاك قررت معاملة الفلسطيني كالعراقي، إلّا في الجنسية، وقدّم العراق بأوامر من صدام حسين دعماً من نوعٍ خاص للشهداء والضحايا الفلسطينيين: في انتفاضة الأقصى، تقرّر تكريم أسرة كل شهيد بمبلغ عشرة آلاف دولار، وأسرة كل مصاب بجراح طفيفة بمبلغ 500 دولار، وأسرة كل مصاب بجراح خلّفت إعاقة بمبلغ 1000 دولار، يُضاف إليها تقديمُ منح عاجلة مقدارها 25 ألف دولار لكل مَن فقد منزله في اجتياح مخيم جنين، وفي اجتياحات قطاع غزة.

كانت القضية الفلسطينية لا تغيب عن لسان صدام حسين وسلطته، حتى أنّه، في عام 2001، شكّل جيشاً من المتطوعين لتحرير القدس وفلسطين وأطلق عليه اسم "جيش القدس"، في حين كان العراقيون يعانون أطواراً من الموت. وسبق ذلك إطلاق العراق عام 1991، بأمر مباشرٍ من صدام حسين، 39 صاروخاً نحو إسرائيل، كُشِفَ بعد ثلاثين عاماً، عن تسبُّبِها بمقتل 14 إسرائيلياً وجرح العشرات. سبقت ذلك بعقد من الزمن، في السابع من حزيران/ يونيو 1981، غارة اسرائيلية أسفرت عن تدمير مفاعل نووي عراقي قيد الإنشاء، جنوبي بغداد.

خلال فترة حكم صدام حسين وحزب البعث، حُكِم العراقيون بالقوة، وخَبِروا أشكالاً لا حصر لها من الموت، حتى وصل الحال إلى تصديقهم أنّ للجدران آذاناً تلتقطُ شكواهم وغضبَهم وتحوّلها إلى تقارير لأجهزة أمن صدام حسين القاتلة، ووصلوا إلى ذروة ضيق الحال والسُبل خلال السنوات الـ13 الأخيرة من حكمه، حين حوصروا بالجوع والأمراض مع ما عهدوه من ممارسات طغيانية.

"على الرغم من العناء والموت المُمتدّين، خلق المجتمعُ العراقيُّ فسحةً لتخليص القضية الفلسطينية من تشوّهاتها في ذهنه، وتشذيبها، وما زال، من متاجراتِ الطُغاة، موجّهاً سُبابه ولعناته نحوَ هذه التجارة وقادتها"

هذا القليل، وأكثر، أسبابٌ اجتمعت في ذهنِ المجتمع العراقيّ ليتجرأ على سؤالين: 1- هل يُعقل أن صدام الذي يتفنّن بظلمنا، سيحرر القدس وينصر القضية العادلة؟ 2- هل الفلسطيني أحسن منّا منزلةً ليحظى بكل هذا الدلال الصدّامي بينما نموت ثم نموت؟

سؤالان، وأسئلة أخرى، لم يجرؤ العراقيُّ على الإجابة عنها، فاختار أن يلعن كلّ ما تبنّاه صدام، وتسرّب سُباب الآباء للأبناء غير مكترثين بمسامع الجدران.

قضية فلسطين بعد عام 2003

بعد الاحتلال الأمريكي لبغداد عام 2003، ومع حُزمةٍ من الخراب والفوضى وتحديثات في طرائق الموت، شهد الوضع الأمني للفلسطينيين في العراق تدهوراً حاداً بعد سنوات قليلة: قامت جماعات مسلحة، جلّها شيعية، وفي مقدمتها ميليشيا جيش المهدي التابعة لمقتدى الصدر مع مليشيات أخرى مرتبطة بإيران، باستهداف هذه الأقلية التي یغلبُ عليها الطابع السُنّي. هاجموا مساكنهم واستحوذوا على بعضها، وقتلوا عشراتٍ منهم، وتوعدوهم بالأذى إنْ لم یغادروا العراق فوراً، وتلقت "هيومن رایتس ووتش" إفاداتٍ متطابقة من فلسطينيين عراقيين تتحدث عن قيام جهاتٍ تابعة لوزارة الداخلية بمضایقتهم وممارسة التمييز بحقهم واستهدافهم بالاعتقال واتهامهم بالإرهاب.

تسببت الحقبة الجديدة بتشرید الآلاف من الفلسطينيين داخلياً، إضافةً إلى فرار المئات إلى دولٍ أخرى منها الأردن الذي أغلق حدوده في البدایة، ثم سمح بدخول عدة مئات منهم إلى مخيم "الرویشد" المعزول القاحل الذي یقع على مسافة 85 كيلومتراً داخل الحدود الأردنية. أما بقية الفلسطينيين العراقيين فظلوا أكثر من سنتين في مخيم الكرامة، الذي لا یقلُّ قسوةً، والواقع داخل المنطقة العازلة على الحدود العراقية الأردنية، إلى أن قامت السلطات الأردنية بإغلاقه عام 2005 ونقلهم إلى مخيم الرویشد.

"أحداث السنوات الأخيرة أثارت أسئلة جديدة بين العراقيين، أبرزها: كيف تقتل الفصائل التي تدّعي أنها تشكّلت لتحرير القدس، أبناءَ القدس وتهجّرهم؟"

عام 2017، أصدرت الحكومة العراقية قراراً يحمل الرقم 76، ألغت بموجبه جملةً من القرارات التي يُعنى بها الأجانب المقيمون في العراق، ومن بينها القرار 202 لعام 2001 والذي ينصُّ على معاملة اللاجئ الفلسطيني مثل المواطن العراقي باستثناء الجنسية وخدمة العلم والحقوق السياسية.

حرمَ القرار الجديد مَنْ بقي مِن فلسطينيي العراق العلاجَ المجاني في المستشفيات العراقية الحكومية، وقبل ذلك أوقفت الحكومة العراقية، بعد الاحتلال الأمريكي، المساعدات المالية لهم.

مطلع عام 2019، أماطت وزارة الخارجية الإسرائيلية اللثام عن زياراتٍ سرّية قامت بها ثلاثة وفود عراقية إلى تل أبيب، وأعلن وزير المالية الإسرائيلي موشيه كحلون عن شطب العراق من قائمة "دول العدو" (التي تشمل لبنان وسوريا والسعودية واليمن وإيران).

قبل ذلك، أطلقت وزارة الخارجية الإسرائيلية، مطلع أيار/ مايو 2018، صفحةً على فيسبوك باسم "إسرائيل باللهجة العراقية". وقالت في تغريدة على تويتر إن "هذه الخطوة تهدف لخلق تواصل وحوار مثمر بين الشعبين الإسرائيلي والعراقي وإظهار الوجه الحقيقي لإسرائيل"، لكنّ التفاعل الأكبر معها من قبل العراقيين كان، وما زال، رافضاً لخطابها ومآربها.

أسئلة جديدة

كلُّ ما تقدّم، وأكثر، أثار أسئلة جديدة بين العراقيين: 1- كيف تقتل الفصائل التي تدّعي أنها تشكّلت لتحرير القدس، أبناءَ القدس وتهجّرهم؟ 2ـ كيف تجرؤ السلطة، التي تسيطر على قرارها قوى تجهر بانتمائها لمحور المقاومة وترفض إسرائيل، على فتح نوافذ علاقات مع تل أبيب؟ 3- هل الفصائل التي تسرقنا وتقتل أبناءنا وتقمع كلّ صوتٍ حُر وتسيطر على مناطق شاسعة وتحرم أهلها من العودة إليها، جادّة بمشروعها لتحرير القدس؟

هذه المرّة خلق العراقيون فسحتهم للإجابة، رغم معرفتهم بأن فوهات بنادق هذه الفصائل موجّهة إلى رؤوسهم، وأن سياسييها مستعدون لغض الطرف عن دمائهم، ولم يترددوا بمواجهة إعلام وخطاب هذه الجماعات المدّعية، بحقيقة إجرامها، ولم يتردّدوا بوضع هذه الجماعات في نفس خانة صدام حسين.

تجلّى ذلك خلال الانتفاضة الفلسطينية التي نعيشها الآن، إثر محاولة تل أبيب تهجير بعض أبناء حي الشيخ جرّاح في القدس. ردّ العراقيون على تغريدات سياسيي "محور المقاومة" وأصدقائهم المناصرة للقضية الفلسطينية، بالسخرية واستعراض فشل أحزابهم وإجرام فصائلهم، وحين تظاهر أنصارُ "المحور" والتيار الصدري في ساحة التحرير وسط العاصمة بغداد، بدعوة من زعمائهم، كان تفاعلُ العراقيين مع الحدث يقول شيئاً واحداً: طريق القدس لا يمرُّ بساحة التحرير.

في المقابل، قاد ناشطون عراقيون حملات تضامنية مع الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة وضدّ المتاجرين بها وبمعاناته.

على الرغم من العناء والموت المُمتدّين، خلق المجتمعُ العراقيُّ فسحةً لتخليص القضية الفلسطينية من تشوّهاتها في ذهنه، وتشذيبها، وما زال، من متاجراتِ الطُغاة، موجّهاً سُبابه ولعناته نحوَ هذه التجارة وقادتها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard