بين السياسي والساحر والشاعر... جو بايدن يصحِّح التاريخ ويسحر الحاضر

الأربعاء 19 مايو 202110:04 ص

العمل في السياسة هو كالعمل في سيرك، كالرقص على الحبال، كالتسلية بجمع قطة وحمامة في قبّعة واحدة. كيف يجمع السياسي الساحر بين المفترس والفريسة في قبّعة؟ وكيف تحكي كلٌّ من القطّة والحمامة عن سكن القبّعة وعن علاقتيهما بالساحر وبالمشاهد المسحور؟

كذلك جمع الرئيس الأميركي جو بايدن بين القطة والحمامة في قبعة واحدة ليعترف بالإبادة الأرمنية في أوائل القرن العشرين، وليتزامن اعترافه مع تجدّد اقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلي لباحات المسجد الأقصى ومحاولاتها المستمرة للاستيلاء على الأحياء المقدسية وحي الشيخ جراح مؤخَّرًا. يعترف بإبادة من الماضي ويشيح بوجهه عن إبادات ومجازر تحدث يوميًّا. لا يسعى إلى إيقافها وإنّما يكتب إلى رئيس أمريكي ما بعد مئة سنة أخرى (جو بايدن الحادي عشر) يحكي له عن ضرورة الاعتراف بمجازر القرن الحادي والعشرين فهو حضرها وعايشها وهذه شهادة حيّة.

العمل في السياسة هو كالعمل في سيرك، كالتسلية بجمع قطة وحمامة في قبّعة واحدة... كذلك جمع الرئيس الأميركي جو بايدن بين القطة والحمامة في قبعة واحدة ليعترف بالإبادة الأرمنية، وليتزامن اعترافه مع تجدّد اقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلي لباحات المسجد الأقصى ومحاولاتها المستمرة للاستيلاء على الأحياء المقدسية وحي الشيخ جراح مؤخَّرًا

"كسرتلي لعبتي، رح اكسرلك لعبتك"

جاء ردّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على غرار ردود الأطفال ليلوّح أنّه قد يعترف هو بدوره بالإبادة الجماعية للهنود الحمر على أيدي المستعمر الأميركي (بمنطق: كسرتلي لعبتي، رح اكسرلك لعبتك). كلُّ الألعاب المـُعترَف بها من الماضي، وتؤجّل ألعاب الحاضر لمستقبل بعيد بين لاعبين جدد. يعترف قائد العالم بمجازر الماضي ويترك مجازر الحاضر في سوريا واليمن والعراق وليبيا والروهينغا والإيغور وغيرها، لا يتركها بل يسحر عيوننا عنها: "موتوا دون خوف على مستقبلكم، سيأتي رئيس بعدي ليسترجع قضاياكم ويعترف بموتاكم".

سيكون موتنا بعد مئة سنة ورقة استفزازية يرفعها نظام عالمي جديد ضدّ نظام عالمي آخر، فهذه الأوراق تلعب دورها كفيتامينات للأنظمة وبهلوانات السياسة. قد يكون الساسة أكثر الناس ذكاءً لأنّهم يعرفون كيف يحتفظون بأوراقهم وكيف يقلِّبونها ومتى يرفعون إحداها بطاقة صفراء أو حمراء، لكن السياسة أكثر الأعمال سخافة لأنّ الانتصار هو هدفها الوحيد.

سيكون موتنا بعد مئة سنة ورقة استفزازية يرفعها نظام عالمي جديد ضدّ نظام عالمي آخر، فهذه الأوراق تلعب دورها كفيتامينات للأنظمة وبهلوانات السياسة

يقترب السياسي من الساحر في عدم مقدرتنا (نحن المشاهدين) من سؤال كليهما عن الكيفية أو عن السبب وراء أيّ فعل بهلوانيٍّ أو قرار سياسيّ. في بلادنا فكاهة تقول بأنّ القرارات السياسية والإدارية والتنظيمية تصدر عن سيكولوجية السياسي وتقلُّب حالاته النفسية. إما أن يكون (متخانق مع مرته، أو فاق الصبح شايف كابوس وطالع الكابوس فينا، فقرر قطع التيار الكهربائي مثلًا أو إغلاق الأفران ليومين أو تقنين بيع السكر والملح). من تراثنا الشعبي أيضًا أننا نضحك دائمًا على فكرة الخطط الخمسية أو حتى العشرية في بعض الدول، فالقيادة تدير البلاد (كل يوم بيومه وسيري والرب راعيكي).

السياسة كالسحر 

السياسة كالسحر من باب عدم قدرة المواطن العادي- كما الإنسان العادي غير العارف بخفايا السحر- على معرفة الأسباب أو الطريقة أو الهدف وراء أيّ قرار فجائي، كإغلاق المدارس مثلًا قبل شهرين من الانتخابات الرئاسية! يقدّم كلاهما خدعة، المواطن مخدوع بسياسيات القيادة العليا، ومُشاهِد السيرك مخدوع باجتماع القطة والحمامة في ذات القبّعة. لكن يبقى فرق العلاقة الشعورية: فعلاقة المواطن (غير الصالح طبعًا) مع السلطة السياسية مُلتبسة بين خوف وشتيمة، بينما يقف مشاهد السيرك ويصفِّق ويصفِّر للساحر ويبتهج لتحقِّق الخدعة وانخداعه بها.

يحضر محمود درويش في هذا السياق لأنّه عرف الساحر وعرف القطة والحمامة وعرف القبَّعة والمشاهِد المسحور، واستطاع أنْ يُلخِّص المشاهد جميعها: مشهد الاعتراف بالهزيمة ومشهد المجزرة، مشهد التناحر بين الرئيسين القائدين ومشهد الجنديّ المقاتل منتظرًا موته وعينه على القائد الذي يُشعل رأس جنوده ليتدفّأ في ليلة باردة.

تأتي المشاهد في ثلاث قصائد للشاعر. أوّلها "أحد عشر كوكبًا على آخر المشهد الأندلسي". يقابل الشاعر بين اتّفاقية أوسلو وسقوط الأندلس قبل خمسمئة عام وخروج آدم من جنّته. أعلن درويش في هذه القصيدة خروجه عن أيّ مظلّة حزبية أو سياسية بعد اتِّصاله بحركة فتح وبأيقونتها أبو عمار. قد يكون السحر وظيفة من وظائف الشعر، لكنّ محمود درويش هنا -وبخروجه على الساسة- يكتب ليمحي تعويذة السحر ويُبطل ذكاء السياسي ويجعل الرؤية مليَّة على الرغم من تكدّس الغيم والضباب لتصبح الحقيقة مرئية قابلة للكتابة:

"كلُّ شيءٍ يظلُّ على حاله، فالمكان يبدِّل أحلامنا

ويبدِّل زوَّاره. فجأةً لم نعد قادرين على السخرية

فالمكانُ مُعدٌّ لكي يستضيف الهباء.. ههنا في المساء الأخير

نتملَّى الجبالَ المحيطة بالغيم: فتحٌ.. وفتحٌ مضاد

وزمانٌ قديم يُسلِّم هذا الزمان الجديد مفاتيح أبوابنا

فادخلوا، أيُّها الفاتحون منازلنا واشربوا خمرنا

من موشَّحنا السَّهل. فالليل نحن إذا انتصف الليلُ

لا فجر يحمله فارسٌ قادمٌ من نواحي الأذان الأخير".

القصيدة الثانية هي "خطبة الهندي الأحمر ما قبل الأخيرة"، وكان لا بدّ من استحضارها في سياق رفع الرئيس التركي للبطاقة الصفراء بوجه جو بايدن وتهديده بالاعتراف بمجازر الاحتلال الأمريكي بحقّ الهنود الحمر قبل خمسمئة سنة أيضًا. يُقدّم الشاعر لهذه القصيدة في إحدى أمسياته الشعرية مازحًا:

"في عام ١٩٩٢ مرّت الذكرى الخمسمئة على أكبر وأشهر خطأ في التاريخ البشري. لقد أبحر كريستوفر كولومبوس من ميناء برشلونة في رحلة البحث عن الهند فاكتشف أميركا خطأً. كتبت هذه القصيدة في هذه الذكرى وهي مبنية على أساس تقليد لدى زعماء الهنود الحمر، إذ كانوا حين يُهزمون ويستسلمون يلقون خطبة بليغة عن فلسفتهم في الطبيعة والحياة أمام الرجل الأبيض". لم ينطلق الشاعر في استحضاره لهذه الإبادة من منطلق المنتقم من عدوّه وإنّما استحضرها ليستقرئ الماضي عن المستقبل. يقول في قصيدته:
"فمن حقّ كولومبوس الحُرّ أن يَجدَ الهنْد في أيّ بحرٍ،

ومَنْ حقّه أن يُسمّي أشباحَنا فُلفُلاً أو هُنودا،

وفي وُسْعهِ أَنْ يكسّر بوْصلةَ البحر كي تستقيمَ

وَأخطاءَ ريح الشمال، ولكنّه لا يصدّق أنّ الْبَشَر

سواسيّةٌ كالهواء وكالماء خارج مملكة الخارطة!"

الهنود الحمر ليسوا في الحقيقة هنودًا حمرًا، هم في الحقيقة أنفسُهم. غير أنّ أسماء الشعوب يكتبها المنتصرون. وفلسطين كذلك شعبها هو شعبها، لكنّ القوي هو القادر على إعادة ابتكار الأسماء والصفات وتكريس دور المفترِس ودور الفريسة. من هنا يأتي الشعر ليتنبَّأ بالماضي ويعيد صياغته ويستشرف المستقبل لكن دون القدرة على صياغته أو تشكيله.

يوصِّف درويش في "لاعب النرد" موقف الجندي وموقف القتيل مقابل اعترافات القادة المتبادلة بمجازرهم المشتركة. تكتمل في هذه القصيدة صيغة درويش الشعرية والإنسانية بعد انسلاخه عن ذكاء الساسة وسخف الانتصار. يظهر في هذه القصيدة الجندي المقاتل من خلال علاقته بالمعركة وبقائده وبالمجزرة، وبالانتصار وبالهزيمة، وبالرواة وبالشاعر نفسه. يكتشف الجندي وجهه ويرى موته كرمية نرد بين لاعبين:

فكرة أن نعيش كل يوم بيومه كافية لجعل حاضرنا شظايا مشوّهة تحتاج لعبقري (لا ديكتاتور عادل، بل فيزيائي شاعر) يعرف كيف يجمعها

"مَن أنا لأقول لكم ما أقول لكم، عند باب الكنيسةْ، ولستُ سوى رميةِ النرد، ما بين مُفْتَرِس ٍ وفريسةْ، ربحت مزيداً من الصحو، لا لأكون سعيداً بليلتيَ المقمرةْ، بل لكي أَشهد المجزرةْ [...] ومصادفةً، صار منحدر الحقل في بَلَدٍ، متحفاً للهباء، لأنّ ألوفاً من الجند ماتت هناك من الجانبين، دفاعًا عن القائِدَين اللذين يقولان: هيّا. وينتظران الغنائمَ في خيمتين حريريّتَين من الجهتين، يموت الجنود مرارًا ولا يعلمون إلى الآن من كان منتصرًا! ومصادفةً، عاش بعض الرواة وقالوا: لو انتصر الآخرون على الآخرين لكانت لتاريخنا البشريّ عناوينُ أُخرى".

يُخرج درويش نفسه عن سلطة الزمان ليخبرنا بأنّ الفريسة الوحيدة هي الجنديّ القتيل. ذلك الجندي الذي كرَّمته أنظمة العالم بتشييد صرح باسمه يحمل مُسمّى "الجندي المجهول". وتبقى مجهوليّته قابلة للكشف عنها وللاعتراف بها في مستقبل ما وعلى يدّ قائد جديد. قد يحنّ قلب القائد بعد مئة سنة جديدة ليعترف بموتانا وبمجازرنا اليومية. مزعجة مقولة سعد الله ونوس بالرغم مما فيها من نبرة تفاؤلية: "إننا محكومون بالأمل، وما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ". ما يحدث اليوم قد لا يكون نهاية التاريخ فعلًا، لكننا ننتهي كل يوم فعليًّا وكلّ مساء هو بالنسبة لنا مساءٌ أخير. وفكرة أن نعيش كل يوم بيومه كافية لجعل حاضرنا شظايا مشوّهة تحتاج لعبقري (لا ديكتاتور عادل، بل فيزيائي شاعر) يعرف كيف يجمعها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard