مشروع قانون فصل الإخوان... مخاوف من تفريغ مؤسسات الدولة من القيادات النقابية

الثلاثاء 11 مايو 202111:46 ص

يستعد النائب عبد الفتاح محمد يحيى، أحد نواب حزب مستقبل وطن، أكبر الأحزاب التي تأسست بعد ثورة يناير 2011، لتقديم مشروع قانون لمجلس النواب بعد إجازة عيد الفطر، ينصّ على فصل أي موظف يعمل في الحكومة من منصبه إذا ثبت انتماؤه إلى جماعة الإخوان المسلمين، باعتبارها جماعة إرهابية.

تضمن مشروع القانون سبع مواد، من بينها مادة أقرّت فصل كل موظف أو عامل في الجهاز الإداري للدولة، إذا ثبت باليقين أنه يقوم بإنشاء صفحات على وسائل التواصل الاجتماعي تحرّض على الدولة ومؤسساتها أو القيادة السياسية أو يقوم بنشر أكاذيب تحرض على أجهزة الدولة.

وتبدأ إجراءات الفصل، وفق المشروع، بمجرد الشك في انتماء أي موظف إلى جماعة الإخوان المسلمين، فيتم وقفه عن العمل مؤقتاً إلى حين الانتهاء من التحقيق معه، وإجراء التحريات الأمنية اللازمة للتأكد من انتمائه السياسي.

ونص المشروع في المادة الخامسة منه على معاقبة أي مسؤول على علم بوجود عناصر إخوانية داخل مؤسسات الدولة ولم يقم بالإبلاغ عنهم.

كما تضمّن منع أي من الموظفين العاملين في الحكومة من العودة إلى العمل، بعد انتهاء فترة عقوبته في هذا النوع من القضايا.

ويستجيب المشروع لمطالبات مثل طلب وزير النقل اللواء كامل الوزيري، في نيسان/ أبريل الماضي، أمام البرلمان، بإجراء تعديل تشريعي على قانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016، وهو القانون المختص بتنظيم علاقات العمل للعاملين في الدولة، ليتمكن من فصل ما يقرب من 162 عاملاً، ما بين سائق وموظف، في هيئة السكك الحديدية، ثبت انتماؤهم للإخوان، وذلك أثناء طلبات الإحاطة والاستجوابات التي قُدّمت أمام البرلمان بعد وقوع حادثين لقطارات راح ضحيتهما عشرات المصريين.

"المسمار الأخير في نعش مكافحة الفساد"

يقول منسق مجموعة عمال من أجل التغيير والنقابي السابق محمد حسن لرصيف22 إن مشروع القانون "هو حق يراد به باطل، لا سيما وأن هنالك الكثير من القوانين التي يمكنها أن تنظم تلك المسألة مثل قانون الإجراءات الجنائية وقانون العقوبات وقبلهما قانون الإرهاب الذي منح الجهات التنفيذية صلاحيات وسلطات واسعة في التحقيق مع أي شخص وتوجيه الاتهام له والتحقق منها".

ويشير إلى أن اللجوء لمثل هذه النوعية من القوانين "يؤكد النية في تحميل العاملين في الدولة مسؤولية الفشل الذريع وحالة الترهل التي تعاني منها أغلب المؤسسات الحكومية، كما هو الحال في وزارة النقل، وإنكار الإهمال"، مذكراً بالحديث عن وجود عناصر تنتمي إلى جماعات إرهابية في الوزارة وتحميلهم المسؤولية عن مقتل ما لا يقل عن 60 مواطناً مصرياً في حوادث قطارات وقعت في أقل من شهر واحد.

ويلفت حسن إلى أن تمرير المشروع المذكور سيكون بمثابة "المسمار الأخير في نعش أي محاولات لمواجهة فساد في هيئات حكومية، أو الاعتراض على ممارسات ضد العمال"، متوقعاً "توجيه اتهامات لكل القيادات النقابية المحسوبة على العمال وليس الحكومة بالانتماء إلى جماعة الإخوان إذا مرّ".

"هو حق يراد به باطل... ويؤكد النية في تحميل العاملين في الدولة مسؤولية الفشل الذريع وحالة الترهل التي تعاني منها أغلب المؤسسات الحكومية، كما هو الحال في وزارة النقل، وإنكار الإهمال"

ويتساءل حسن عن الجهة التي سيكون من حقها تقرير ما إذا كان الموظف ينتمي إلى جماعة الإخوان أم لا؟ وهل ستكون تلك الجهة محايدة أم لا؟ وما مصير حقوق العاملين في الدولة في حال إثبات عدم تورطهم؟

ويثير مراقبون مخاوف أخرى من المشروع، ربطاً بتصريح للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في مطلع عام 2020، ذكر فيه أن هنالك ما يزيد عن ستة ملايين موظف في الحكومة المصرية، و"لسنا بحاجة إلا لمليون موظف فقط"، وهو ما ردده أكثر من مرة في أكثر من مناسبة، كما ردده كثيرون من المسؤولين.

وقامت وزارة التربية والتعليم في شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2019 بفصل 1070 معلماً قيل إنهم من أصحاب الأفكار المتطرفة، كما فصلت العديد من الجامعات أعضاء هيئة تدريس بادّعاء تورطهم في أعمال عنف، أو بتهمة الانتماء إلى جماعة إرهابية.

"زوجي فُصل بحجة الغياب عن العمل بالرغم من اعتقاله"

تقول زوجة أحد المعتقلين على ذمة القضية 588 لسنة 2020، إن زوجها اعتُقل من منزله في شهر أيلول/ سبتمبر 2020، وأخفي قسراً لفترة طويلة لم تكن تعرف خلالها مكان احتجازه، ثم ظهر في نيابة أمن الدولة وتم تجديد حبسه بعد أن وُجهت إليه اتهامات الانتماء إلى جماعة إرهابية والمشاركة في تظاهرات لإسقاط الحكم.

وتضيف أنها فوجئت بعدها بخطاب من مكان عمله "يبلغنا بفصل زوجي عن العمل بسبب تغيّبه، بالرغم من إبلاغ زملائه لرئيسهم بأنه ألقي القبض عليه من منزله وقت التظاهرات التي اندلعت في أيلول/ سبتمبر الماضي، وتأكد رئيسه في العمل من أنه لا علاقة له بالسياسة لا من قريب ولا من بعيد".

"تمرير المشروع سيكون بمثابة المسمار الأخير في نعش أي محاولات لمواجهة فساد في هيئات حكومية، أو الاعتراض على ممارسات ضد العمال"

وتتابع: "حاول المحامون بشتى الطرق التواصل مع المسؤولين في الهيئة الحكومية التي يعمل فيها زوجي دون جدوى، فلم يكن أمامي سوى اللجوء إلى المحكمة للمطالبة بوقف قرار فصله وصرف راتبه، لأنه قيد الحجز الاحتياطي ولم يصدر ضده أي قرارات حتى الآن، إلا أن المحكمة لم تنظر في القضية حتى الآن، وأبلغني المحاميون أنه في الأغلب لن يعود زوجي إلى العمل، وأن أقصي تقدير هو صرف تعويض ضئيل له".

وفي تقرير صادر عن مؤسسة حرية الفكر والتعبير، إحدى المؤسسات الأهلية المهتمة بالحريات الفردية والشخصية، تواجه السلطات المصرية قضية تعبير العاملين لديها بحساسية شديدة، وهو ما يجعلها تتعامل في هذا الأمر بتعسف مُفرط ، من خلال اتّخاذ إجراءات وتوقيع عقوبات على العاملين في الدولة بدواعي الخوف على سير العمل داخل المرفق.

ويلفت التقرير إلى أن ما يؤكد على ذلك هو حالة التنوع في الأحكام الصادرة عن المحاكم التأديبية والمحكمة الإدارية العليا، والتي بحثت أموراً عديدة تتعلق بتفسير نصوص الدستور والقوانين واللوائح المنظمة المتعلقة بحدود حرية التعبير داخل المرفق العام.

وازدادت القضايا المنظورة أمام المحاكم التأديبية منذ 30 حزيران/ يونيو 2013، نتيجة لحالة الاستقطاب الشديدة حينذاك، والتي انتقلت إلى الجهاز الإداري للدولة. واتخذت الجهات الإدارية، بمستوياتها المختلفة، إجراءات استثنائية تجاه العاملين في الدولة، من خلال مراقبة حساباتهم الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، وتتبع آراءهم المُعلنة خارج نطاق العمل.

وتبع ذلك توقيع جزاءات وعقوبات شديدة تجاه بعض العاملين. ونظراً إلى اعتبار قضايا حرية التعبير في المرفق العام من المستجدات التي طرأت على الحياة الوظيفية، ما زالت أحكام المحاكم المصرية المختلفة غير مستقرة على رؤية الخط الفاصل بين الحياة الوظيفية والتعبير الحر عن الآراء خارج نطاق العمل.

اشتباه في الموظفين

يتفق المحامي الحقوقي محسن البهنسي مع ما جاء في تقرير مؤسسة حرية الفكر والتعبير. يشير، في حديثه لرصيف22، إلى أن هنالك اتجاهاً لمزيد من القوانين الاستثنائية خلال الفترة الراهنة، ويُعِدّ أخطرها مشروع قانون فصل الموظفين من وظائفهم لمجرد الشك في تعاطفهم أو انتمائهم لجماعة سياسية، لافتاً إلى أن المشروع يتعامل مع كل العاملين في الدولة، ويزيد عددهم عن الستة ملايين مواطن مصري، على أنهم مشتبه فيهم.

ويلفت البهنسي إلى أن إصرار السلطة التشريعية والتنفيذية على المضي قدماً في إقرار المزيد من القوانين الاستثنائية والتي تسير جميعها على نهج الطوارئ، لن يأتي إلا بمزيد من الأزمات السياسية، إذ سيؤدي إلى تصفية ما تبقّى من الحركة النقابية التي تلعب دوراً فارقاً في التفاوض والتوسط بين العمال والإدارة، ولن يتبقى إلا حديث العنف بين كافة الأطراف، إضافة إلى الأضرار الاقتصادية التي ستلحق بمصر والتي يمكن تلخيصها في هروب المستثمرين الأجانب لعدم صلاحية بيئة العمل لبدء مشاريع جديدة.

ويحذّر من أن الإصرار على مشروع القانون سيزيد من الملاحظات التي تبديها الأمم المتحدة ومنظمة العمل الدولية التي وضعت مصر على القائمة السوداء في ما خص انتهاكات حقوق العمال، وبالتالي سينعكس ذلك سلباً على مصر.

وعن اتهام العديد من المسؤولين والبرلمانيين للإخوان بأنهم خلال فترة حكمهم لمصر قاموا بتمكين أعضاء الجماعة في كافة المؤسسات الحكومية وتعيين الآلاف منهم في وظائف مختلفة، قال البهنسي إن هذا أمر صحيح، إذ ساد مبدأ المغالبة لدى الإخوان وحاولوا السيطرة على كافة الإدارات في مصر، لكن ذلك ليس مبرراً لأن يكون هناك تشريع لمعاقبة كل العاملين في الدولة، خاصة الرافضين للفساد، أو الذين لديهم رؤية نقابية، لأن هذا الاتجاه يخالف الدستور والقانون والاتفاقيات الدولية التي وقّعت عليها مصر، ويفتح الباب أمام تصفية الحسابات بين فاسدين ورافضين للفساد.

ويطالب البهنسي بضرورة التوقف عن المضي قدماً في مشروع قانون الفصل، مع ضرورة الاعتماد على الكفاءة والانتظام في تقييم العاملين في الدولة بدلاً من تشريع قوانين لن تأتي إلا بمزيد من الفرقة بين المصريين، بل ستزيد من الإرهاب والعنف وتجعله الباب الوحيد المفتوح.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard