مقهى قصيدة نثر في اللاذقية... المزاح الذي أصبح حقيقة

السبت 8 مايو 202110:45 ص

لمدن العالم قمرٌ ولمدينة اللاذقية قمرٌ يخصها، ولو سألتموني أين يقع البحر الأبيض المتوسط لقلت: البحر الأبيض المتوسط بحرٌ يقع في مدينة اللاذقية يحده الأفق من جهة والمدينة من باقي الجهات، ولاستفضت وقلت إن جبل الأقرع هو نهد اللاذقية الأيسر، وإن الجزء الأهم والأجمل في تاريخ هذه المدينة الحديث هو العدد الهائل من النساء الجميلات الأنيقات فيها.

اللاذقية مدينتي. في أحد أزقتها يوجد مقهى قصيدة نثر الذي أسسته أنا وصديقي في نهاية عام 2007.

 في إحدى السهرات، بعد أن تناولنا عشاءً مكوّناً من الزعتر والشاي وشاهدنا فيلماً سينمائياً ونحن نشرب المتة وتبادلنا الأحاديث المضحكة والنقاشات الجادة حول قضايا وجودية، قلت لصديقي: "لازم نعمل شي بهالحياة، مو ضروري يكون عظيم ومهم بس يكون ممتع ومسلي، برأيك شو ممكن يكون هيدا الشي؟" فرد مازحاً: "أكتر شي ممتع ومسلي تقوم تسخن إبريق المتة"، أجبته: "ما إلي مروة قوم إنت"، فقال ضاحكاً: "لو كنت عم تشتغل غرسون (نادل) بشي مقهى، هيك رح ترد ع الزبون؟". لحظتها ومن باب المزاح قلت: "شو رأيك نفتح مقهى منشان الغرسون يسخن الإبريق؟". بحماس أجابني: "فكرة حلوة.؟. اليوم إنت الغرسون قوم سخن الإبريق وتعال نحكي".

قمتُ بتسخين إبريق المتة وضعت موسيقى لـ"ريتشارد كلايدرمان" وأشعل كلٌّ منّا سيجارة، وبعد أن افترضنا أننا نملك المال الكافي لفتح المقهى، بدأنا نناقش الفكرة بجدية وشغف.

بالطبع، كان الجزء الأصعب هو إيجاد اسم للمقهى يكون لافتاً ومميزاً. وبعد عدة ساعات من العصف الذهني ومئات الاقتراحات قال لي صديقي: "مقهى قصيدة نثر" قلت له: "اسم رائع! كيف خطر ببالك؟". أجاب: "ألست القائل: أمي أجمل من قصيدة النثر في الثمانينيات، أمي لم تنصفها الحياة كما لم ينصف النقاد قصيدة النثر في الثمانينيات؟"، فقلت له بلسانٍ عربي فصيح : "بلى".

في اليوم التالي، بل في اليوم نفسه الذي استيقظنا فيه بعد الظهر، تابعنا نقاشنا حول المقهى. أحضرت ورقة وقلماً وبعد ساعات طويلة من النقاش الممتع أصبح المقهى جاهزاً بكل تفاصيله. الطاولات ستكون خشبية مربّعة وسنطلب من بعض الفنانين رسم لوحات عليها من وحي المكان، قسم من الكراسي سيكون لونه أحمر والقسم الآخر أزرق. طلاء الجدران أصفر، أحمر، أزرق والسقف أبيض، سنعلّق على أحد الجدران لوحاً خشبياً كبيراً ليكتب رواد المقهى أي شيء يريدونه على ورقة ويعلقوه عليه.

"كتبتُ على فيسبوك: نساء اللاذقية أجمل نساء العالم ولهنَّ مزاجية شتاء هذه المدينة: ليالٍ ماطرة وبحر عالي الموج وصباحات دافئة، وفي كل شهر حركة المد والجزر في المتوسط مرتبطة بقمر يخصهنّ"

وكنوع من الدعم البسيط لحالة الجندر سيكون التواليت مشتركاً بين النساء والرجال، وعلى جدرانه سنعلق أوراقاً عليها معلومات طريفة، إضافة إلى مكبر صوت صغير من أجل سماع الموسيقى، وأيضاً سنقوم بكتابة قصائد على أوراق كبيرة ووضعها في إطارات خشبية على الجدران بحيث يتم تغيير هذه القصائد كل شهر.

وعند مدخل الباب ستكون هنالك طاولة صغيرة نضع عليها الجرائد اليومية، وسنعلق صوراً للعديد من الشعراء العرب والأجانب على أحد الجدران، وسنشتري كاميرا لتصوير رواد المقهى وتعليق صورهم من أجل خلق علاقة دافئة بين المقهى ورواده. أما النشاطات الثقافية، فسيكون لدينا كل أسبوع "أمسية شعرية، موسيقية، قصصية، حفلات توقيع كتب، معارض فنية...".

أحد جدران المقهى - تصوير أشرف زينة

وبما أن اسم المقهى "قصيدة نثر"، فلا بد من وجود مكتبة ضمنه نضع فيها كل ما نملكه من كتب على أن يتم في مرحلة قادمة شراء كتب جديدة من مدخول المقهى وإعارتها مجاناً لمَن يريد من أجل التشجيع على القراءة. وبالطبع تمت مناقشة كل التفاصيل المتعلقة بنوعية الموسيقى وشكل الأكواب ونوعية المشروبات... وما شابه.

بعد أن انتهينا من ترتيب كل شيء قلت لصديقي: "كنت أتمنى أن يكون رياض الصالح الحسين على قيد الحياة لنقيم له أمسية شعرية"، فقال: "أنسي الحاج على قيد الحياة. سندعوه لإقامة أمسية شعرية وربما يسمع باسم المقهى ويأتي من تلقاء نفسه".

"في هذا المقهى، التقيتُ بأشخاص يروون الحكايات عن الأمواج العالية والرياح القوية والأسماك النادرة التي علقت بالشِباك وأعادوها إلى البحر، هؤلاء كانوا يصطادون الحكايات الجميلة"

المقهى أصبح جاهزاً لينفَّذ على أرض الواقع، وتنفيذه يحتاج إلى المال الذي لا نمتلكه، المال الذي لو لم نستثنِه منذ البداية لما استطعنا أن نحلم ونستمتع. درسنا التكلفة المالية وكانت باهظة جداً جداً بالنسبة إلينا، فسألت صديقي: كم تملك من المال؟ قال: "ما يكفيني لمدة أسبوع وأنت؟"، فقلت: "كنتُ أفكر أن أقترض منك لشراء علبة تبغ".

من أين سنحصل على المال؟ بأقل من خمس دقائق وجدنا الحل السحري وهو الاقتراض! إذ لم يكن هناك مجال للتفكير في أي حل آخر، وخلال أقل من شهر استطعنا اقتراض المبلغ المطلوب.

بدأ العمل بمساعدة العديد من الأصدقاء، وبعد ثلاثة أشهر تقريباً تحوّل المزاح إلى مقهى يقع في زقاق يصل بين ساحة الشيخ ضاهر وشارع 8 آذار في مدينة اللاذقية، ويرتفع عن سطح البحر ثمانين متراً بحسب نظام الملاحة عبر الأقمار الصناعية GPS. وخلال وقت قصير، ذاع صيت المقهى بين الأوساط الثقافية وكل ما فكرنا فيه تحقق باستثناء أن أنسي الحاج لم يأتِ.

مقهى قصيدة نثر - تصوير أشرف زينة

الحكايات التي حدثت في المقهى جعلتني أعرف الكثير عن سكان مدينة اللاذقية. فعلى سبيل المثال، في أول يوم من شهر رمضان، كنتُ أعلن أن هذا الشهر لا يدخل إلى المقهى، وكنتُ أرى على طاولة واحدة شخصين يتبادلان الكلام ويضحكان، أحدهما يشرب كأساً من النبيذ والآخر صائم.

في كل يوم جمعة، كان هناك شخص يأتي عند المساء مع حبيبته. ذات مرة تحدثت إليهما فأخبرني أنه عامل بناء وأن الجمعة يوم استراحته الوحيد الذي يمكن فيه أن يخرج برفقة حبيبته، فقلت لهما: عشاق اللاذقية الفقراء يشبهون مراكب الصيادين تبقى مضاءة في الليل وسط البحر رغم تعب النهار.

بعد عام واحد من افتتاح المقهى، كتبتُ على فيسبوك: نساء اللاذقية أجمل نساء العالم ولهنَّ مزاجية شتاء هذه المدينة: ليالٍ ماطرة وبحر عالي الموج وصباحات دافئة، وفي كل شهر حركة المد والجزر في المتوسط مرتبطة بقمر يخصهنّ.

في هذا المقهى، التقيتُ بأشخاص يحبّون إحساس صياد السمك ولا يهتمون بالصيد الوفير وشِباكهم تعبرها الأسماك ضاحكة، وعند المساء يروون الحكايات عن الأمواج العالية والرياح القوية والأسماك النادرة التي علقت بالشِباك وأعادوها إلى البحر، هؤلاء كانوا يصطادون الحكايات الجميلة.

حين سنحت لي الفرصة للهجرة أكثر من مرة قبل وبعد الحرب لم أستطع أن أهاجر لأسباب كثيرة منها العلاقة والذاكرة التي تربطني بمدينة اللاذقية ومقهى قصيدة نثر.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard