في خزانة أمي فستان وكنوز علي بابا

السبت 16 يناير 202111:56 ص

في طفولتي، كنت أسمع إخوتي يقولون لأمي: "افتحي البنك المركزي وأعطينا بعض النقود"، وكانوا يقصدون بالبنك القميص الذي ترتديه تحت فستانها، وهو عبارةٌ عن ثوبٍ بأكمامٍ قصيرةٍ يشبه الفستان، لكنه أقصر منه، وفيه عند الخصر جيبٌ صغيرٌ مع سحاب.

هذا البنك قامت أختي جهينة، خيّاطة العائلة، بصنعه بناءً على طلبٍ من أمي لتضع فيه حاجتها من النقود ومفتاح خزانتها الصغيرة، "مغارة علي بابا" التي تحوي كل الأسرار والكنوز، والتي لا تفتحها إلا بعد أن تقفل باب الغرفة عليها، فربما دخل شخصٌ ما فجأةً ورأى كنزها الثمين ثم أشاع الخبر بين أفراد العائلة.

يقول أخي الكبير إنه في حياته لم يرَ ماذا يوجد داخل هذه الخزانة، وأنا أيضاً لم يحدث أن رأيت ما في داخلها طوال حياتي، وأيضاً باقي أفراد العائلة بمَن فيهم أبي.

منذ أيام، كنت أبحث، أنا وأخي، في أحد الأدراج التي تحوي على الكثير من الأوراق والمستندات عن عقد بيعٍ يثبت ملكيتنا لأحد العقارات، لكننا لم نجده، ما جعلنا نقوم بحملة بحثٍ شاملةٍ في كل أرجاء المنزل، ابتداءً من غرفتي وانتهاءً بالمطبخ، نعم المطبخ، فأحياناً نجد الأشياء الضائعة في أماكن من المستحيل أن تخطر على البال...

في إحدى المرات، أضعت هاتفي الجوال في البراد. يومها كانت الكهرباء مقطوعةً فاستعملته كمصباحٍ لإخراج بعض الطعام، ثم أغلقت البراد عليه!

بعد الانتهاء من حملة البحث عن الورقة الضائعة في كل أرجاء المنزل دون جدوى توجهنا إلى خزانة أمي، فهي المكان الوحيد الذي لم يخضع للتفتيش، وطلبنا منها المفتاح بعد أن شرحت لها أن هذه الورقة لها أهمية بالغة وتخصّ عقاراً يُقدَّر ثمنه بالملايين، وفي حال لم نجدها ربما نخسر ملكيتنا له...

وبعد شرحٍ طويلٍ، قالت أمي ببساطة شديدة: "أنا نعسانة وتعبة، ولا أملك طاقة للنهوض وفتح الخزانة، ‘عَ كتر مو تعبانة حاسي جسمي متل الخيال’". نسيت أمر المفتاح للحظات وقلت لها: "يا إلهي ما أجمل تعبيرك! ما تقولينه شعر صافٍ فيه الكثير من الإيجاز والتكثيف والدهشة. أنت شاعرة بالفطرة. والآن ما رأيك أن تعطيني المفتاح وأنا سأقوم بفتح الخزانة؟". نظرت إلي قائلةً: "ما في مغز إبرة بجسمي إلا وعم يوجعني، يمكن ما يطلع الصبح قبل ما تاخدوني عالمشفى". أضحكني أسلوبها الطفولي في التهرب من إعطائي المفتاح، وقلت لها: "حسناً، نامي الآن ولكن في الصباح ستفتحين خزانتك"، هزت برأسها قائلةً: "إذا ما متت بفتحا".

"في طفولتي، كنت أسمع إخوتي يقولون لأمي: ‘افتحي البنك المركزي وأعطينا بعض النقود’، وكانوا يقصدون بالبنك القميص الذي ترتديه تحت فستانها، وهو عبارةٌ عن ثوبٍ بأكمامٍ قصيرةٍ يشبه الفستان، لكنه أقصر منه، وفيه عند الخصر جيبٌ صغيرٌ مع سحاب"

 في الصباح، حاولَت التهرب، ودار للمرة الثانية نقاشٌ وشرحٌ مفصلٌ عن الورقة وأهميتها، وعلى مضض قامت بفتحها. كان فضولي لمعرفة ما يوجد في هذه الخزانة كبيراً بالنسبة إليّ. ما الذي يمكن أن تحتفظ به عجوزٌ تجاوزت الثمانين في خزانتها، ولا تريد لأحد أن يراه؟ ما السر الذي لا تريده أن يذاع!!

بمجرد أن فُتِح باب مغارة علي بابا، قمت بعملية مسحٍ سريعةٍ للمحتويات: كيسان واحد أبيض والآخر أسود، وعلبةٌ معدنيةٌ مغلقةٌ، وفستانٌ ملونٌ مطويٌّ بعنايةٍ فائقةٍ، والقليل من النقود من فئة الألفي ليرة. مددت يدي نحو الداخل لأفتش عن الورقة الضائعة، فقامت على الفور بإمساك الكيس الأسود ووضعته تحت إبطها. فتحت الكيس الأبيض وفوجئتُ بوجود عشرات السكاكين والملاعق والشوك الجديدة. سألتها متعجباً: لماذا لا تضعين هذه الأشياء في المطبخ؟ فقالت: "هذه الأشياء احتياطي يسمح باستعماله عند الحاجة".

فتحت العلبة المعدنية وكان فيها العشرات من إبر الخياطة والأزرار وبكرات الخيوط الملونة، وبالقرب من العلبة توجد بعض الصور الفوتوغرافية القديمة لأفرادٍ من عائلتها توفوا منذ زمن...

أما فستانها، فأنا أعرف قصته منذ عشرين سنة حين فصلته لها أختي وقالت إنها لن ترتديه ليبقى جديداً. طلبت يومها أن نلبسها إياه حين تموت، ونقوم بتوزيع فساتينها القديمة على الفقراء والمحتاجين، وكأن الموت شخصية هامة وذات شأن ومن غير اللائق أن تذهب إليه بثياب قديمة!

"أمي ترى أن المال الذي جمعَته في خزانتها هو ثروتها الحقيقية، وقيمة هذه الثروة تأتي من الأسلوب والهدف والوقت الطويل الذي جُمعت فيه، وليس من قوتها الشرائية، ففي ظل هذا الغلاء هي تعلم أن المبلغ الذي تملكه زهيد"

بحثت في كل خزانتها ولم يبقَ سوى الكيس الذي تضعه تحت إبطها فقلت لها أن تعطيني إياه، لكنها رفضت بشدةٍ، فقمت بوضع يدي عليه وتحسسته بالضغط وتبين لي أن فيه رزمةً كبيرةً من النقود. فعل أخي الشيء ذاته وتم تخمين المبلغ إن كان من فئة الألفي ليرة بحدود مئة وخمسين ألف ليرةٍ سوريةٍ.

قلت لها: "من أين لك كل هذا المال؟". عبست في وجهي وقامت بسرعةٍ بوضع الكيس في الخزانة وإقفالها ووضعت المفتاح في جيبها، وبعد أن شعرت بالطمأنينة على ثروتها قالت: "منذ عشرين عاماً قررت أن أجمع المال لأستفيد منه في آخر عمري، وهذه النقود هي حصيلة تلك السنوات، وقد جمعتها من المبالغ المالية التي كان إخوتك يعطوني إياها في عيد الأم، وحين كان والدك يعطيني نقوداً لأشتري الخبز والخضار ومسحوق الغسيل وسائل الجلي كان يبقى القليل من النقود وكنت أضيفها إلى مدخراتي".

قلت لها: "بناءً على كلامك، فأنت تملكين أكثر من مليون ليرة سورية في الكيس الأسود". عبست، وبغضب قالت: "الشراشف وأوجه المخدات وطنجرة الضغط ومقالي التيفال وخلاط العصير وغيرها من مستلزمات المطبخ أنا مَن قمت بشرائها خلال الأعوام الماضية لذلك لم يبقَ سوى القليل". قلت ضاحكاً: "حسناً، سأعطيك مبلغاً يعادل بشكلٍ تقريبيٍّ ما تملكينه لتحتفظي به وتزيدي من ثروتك". رفضت على الفور قائلةً: "لا أريد مالاً من أحد، وبالمقابل لن أسمح لأحدٍ أن يأخذ ما في خزانتي، خبي قرشك الأبيض ليومك الأسود، وأنا لا أريد لقروشي البيضاء أن تخرج من خزانتي إلا في الأيام القاسية، فلا أحد يعلم ماذا تخبئ له الحياة".

أمي ترى أن المال الذي جمعَته في خزانتها هو ثروتها الحقيقية، وقيمة هذه الثروة تأتي من الأسلوب والهدف والوقت الطويل الذي جُمعت فيه، وليس من قوتها الشرائية، ففي ظل هذا الغلاء هي تعلم أن المبلغ الذي تملكه زهيد، وتعلم بأن والدي حين قام بتوزيع ممتلكاته على كافة أفراد العائلة بمَن فيهم الإناث أعطاها الحصة الأكبر، وأنها في حال احتاجت إلى المال سيبادر كل أفراد العائلة إلى إعطائها ما تشاء... رغم ذلك ترى أن ثروتها الحقيقية في خزانتها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard