قصة المصريين وطبق الفول

الجمعة 7 مايو 202111:21 ص

هناك، في أقصى الجنوب الغربي لمحافظة المنيا في صعيد مصر، كانت جدّتي تبدع في طهي "الفول النابت"؛ تجلس إلى جانب موقد النار الفخّاري المسمّى بـ"الكانون"، تضع الفول في قلب الوعاء بعد أن تُغيّر مياهه التي نُقع فيها منذ أسبوع، تضيف إليه خلطة سرّية من التوابل وتبقى إلى جواره لتزوّد الموقد بالوقود الفرعوني "الجلة" المصنوع من روث الماشية حتى يستوي، ثم تدعونا لتناول الغداء. كانت تلك الطريقة في طهي الفول، قبل أن يعرف المصريون طريقة تجفيف الحبوب، هي الوصفة السائدة بين عامة المصريين وخاصةً في قرى الصعيد، التي ورثت ثقافة وأسلوب الحياة عن المصريين القدماء.

التحقتُ بالدراسة في جامعة المنيا، وخرجتُ من القرية إلى المدينة. وجدت هناك اهتماماً مختلفاً بأطباق الفول وأصنافه والإضافات التي يستحدثها الطهاة ومحال بيع الفول والعربات التي تكاد تجدها في كل شارع بجوار الجامعة. ربما كان ذلك لأنه الوجبة الغذائية الأنسب سعراً للطلبة. لم يغب عن ذاكرتي ذلك البائع المتجوّل، الذي كان يستقل القطار المتّجه نحو القاهرة من محطة "ملوي". يحمل على كتفه لوحاً من الصفيح. يتجوّل داخل عربات القطار وينادي أمام المسافرين: "فول وفلافل"، وهو يبيع شرائح الخبز المحشوّة بالفول.

أثّرت عربة الفول حتى على الغناء الشعبي لدى المصريين. إذ تجد أن المطرب الشعبي "ريكو" يغني في فيلم "عليّ الطرب بالتلاتة"، قائلاً: "على عربية فول تلاقينا"

بعدما أنهيت دراستي في الجامعة، انتقلت إلى القاهرة من أجل العمل. هنا يختلف تقدير "طبق الفول"، شكلاً ومضموناً. فعندما كنت أخرج باكراً، كنت أجد في طريقي الناس ملتفّين حول عربة بائع الفول. يجلسون بشكل دائري حوله بجوار الرصيف، أو يقفون على طول الطريق ينتظرون دورهم. وعلى العربة تُجهّز أطباق الفول؛ يضيف الطاهي البيض المسلوق والزيت الحار. تشتمّ الرائحة من بعيد فلا تتمالك أنفاسك إلا حين تجد نفسك أمامه: إما جالساً على الرصيف ليقدم لك الطبق مع البصل الأخضر والخبز الطازج، وإما تنتظر دورك في الطابور.

تتأمل عربة بائع وطاهي الفول، وأنت واقف في ذلك الطابور المنتظم، منتظراً دورك. تجدها مزدانة بقرون الفلفل الأحمر والأخضر كأنها مصابيح حفل زفاف. ثم تجذبك زجاجات الزيت وهي في مقدمة العربة. تحوّلت عربات الفول في شوارع القاهرة إلى منتديات شعبية تدور فيها أحاديث قد تبدو لك عابرة وغير لافتة. لكنها بالأساس تخرج من صميم اهتماماتهم. أثّرت عربة الفول حتى على الغناء الشعبي لدى المصريين. إذ تجد أن المطرب الشعبي "ريكو" يغني في فيلم "عليّ الطرب بالتلاتة"، قائلاً: "على عربية فول تلاقينا".

يزيّن الباعة عرباتهم بقماش "الخيامية"؛ وهو مزيج من الألوان التي تتنوع بين الأخضر والأحمر والأزرق والأبيض، مأخوذ من ثقافة تزيين الشوارع عند قدوم رمضان في مصر الفاطمية

يبقى هذا هو المظهر السائد في قاهرة المعزّ حتى حلول شهر رمضان. إذ يتفرّد طبق الفول بزعامة مائدة السحور، وتزداد زعامته حين يدور في شوارع المناطق الشعبية والحواري بائع الفول الذي يستقلّ دراجة هوائية. يلتحق بها من الخلف صندوق كبير يوضع داخله قدر الفول، ويُعلّق عليه جرس. كلما تقدّم نحو ناصية أحد الشوارع، يهزّ أجراس دراجته وينادي في الشوارع: "فول وبليلة". تتابعه ربّات البيوت من النوافذ والشرفات، وتُسقط إحداهن "سبتاً" من "الخوص" فيضع فيه الفول ثم ترفعه إلى الأعلى بابتسامة صافية. قبل الساعات المتأخرة من الليل، تجد عربات الفول تملأ الحارات والأحياء الشعبية. تأخذ من مظاهر استقبال رمضان وجهاً لها، إذ يزيّن الباعة عرباتهم بقماش "الخيامية"؛ وهو مزيج من الألوان التي تتنوع بين الأخضر والأحمر والأزرق والأبيض، مأخوذ من ثقافة تزيين الشوارع عند قدوم رمضان في مصر الفاطمية.

لكن السؤال الذي قد تطرحه على نفسك الآن، هو كيف ومتى عرف المصريون "تدميس الفول"، بينما لم يعرفه أجدادهم القدامى؟ ربما تساعدك زيارة إلى حارة "المستوقد" في شارع المعزّ على معرفة سرّ الفول المصري أو الفول المدمّس كما يعرفه الكثيرون. هناك في حارة المستوقد، تشاهد شوارع متعرّجة ضيّقة الأركان، يبدو عليها الهرم من كثرة الشقوق فيها. وتظلّ تتلمس بعينيك عبق الماضي حتى تجد نفسك أمام أقدم "منقد فول مدمس" في مصر، ثم تكتشف أن هذه الحارة هي موطن صناعة الفول المدمّس في مصر.

في إحدى زوايا حارة المستوقد، كان تُجمع القمامة وتُحرق بهدف تسخين المياه لاستخدامها في الحمامات العامة. ففكّر أحد الأشخاص أن يجرّب دفن قدر الفول داخل الجمر بعد هدوء النيران، إذ إن تكلفة الأطعمة التي تستهلك وقتاً لطهيها تبلغ مبالغ طائلة. من هنا اكتُشفت فكرة تدميس الفول، وأُطلق على هذا الرجل لقب "الفوّال"، ثم أصبح طهي الفول مهمته.

اتّسعت شعبية هذه الحارة وانتشرت فيها المواقد بانتشار الحمامات العامة. ثم ازدادت أعداد الفوّالين فيها. كما ظهرت "الحوانيت"، وكان لكل فوّال "حانوت" خاص به، يبيع فيه الفول المدمّس. اعتمدت الكثير من المطاعم، في وجباتها، على حارة المستوقد، إلى جانب اعتماد الباعة المتجوّلين عليها في الحصول على قدر الفول. وكان يُباع الفول قبيل أذان المغرب. لكن مع ظهور "وابور الشرايط"، تضاءل الإقبال على المواقد. ومع اندثار الحمامات العامة، اندثرت المواقد تماماً. لم يبق منها إلا مستوقد واحد يغذّي "حمام التلات" في منطقة السيدة عائشة.

استطاع الفول المدمّس أن يشكّل لنفسه حالة ثقافية خاصّة استمدت قوتها من طبيعة حب المصريين له ومن ارتباط أشكال تناوله بذكريات وتجمعات أسرية

استطاع الفول المدمّس أن يشكّل لنفسه حالة ثقافية خاصّة استمدت قوتها من طبيعة حبّ المصريين له، ومن ارتباط أشكال تناوله بذكريات وتجمعات أسريّة من نوع خاص، ما جعله يأخذ حظّه من الأقوال والأمثال الشعبية التي جاء قولها بأسلوب فكاهي مثل: "إن خلص الفول أنا مش مسؤول"، "فولة واتقسمت نصّين"، "ما تتبلّش في بقه فوله"، "كل فولة ولها كيّال". كما وجد الفول المدمّس حظّه في الأغاني المصرية، ومن أقدمها أغنية للممثل الراحل إسماعيل ياسين، يقول فيها: "فين الفول فين الطعمية فين الفجل فين الكرات". وكذلك في أغنية صباح وفؤاد المهندس: “ونرصّ الأكل على السفرة أشكال وألوان... والفول أبو زيت أصلي بحبه في فطور رمضان"، أما كارم محمود فقد غنّى للمدمّس قائلاً: "المدمّس... ما تقول كويس... اللوز يا ريس... تعال غمّس من المدمّس".

بانتعاش الحياة وازدهارها، ومع ازدياد شهرة الفول المدمّس، وتنوّع أشكال تقديمه، ابتكر صنّاع الحداثة فكرة بيع الفول في معلبات، مثلما تُعلّب جميع المنتجات الغذائية الأخرى. وبالرغم من ذلك، فإن نجم قدر الفول التقليدي لم ينطفئ حتى بعدما تحوّل تصنيع القدر من الفخار إلى المعدن.

لا يمكن أن تدخل أي بيت مصري ولا تجد قدرة الفول الصغيرة التي تحرص الأمهات على وجودها في بيوتهن، وفيها يتم طهي الفول، خاصةً في رمضان. إذ إن عملية هضمه تستغرق مدّة طويلة، فيشعر آكله بالشبع. يساعد ذلك الصائمين على عدم الشعور بالجوع أو الحاجة إلى تناول الطعام.

يتفنّن المصريون في استحداث الكثير من الطرق لتقديم طبق الفول، لأنّه يمثل طقساً غذائياً خاصاً لا يمكن أن يمتنعوا عن ممارسته. وبهذا، فإنّه يستمدّ قوة وجوده يوماً بعد يوم. كما تتربّع "تحبيشة" (خلطة) الزيت والكمّون والليمون على قائمة نكهات طبق الفول؛ مسمار البطن أو عميد عائلة البقوليات كما يسمّونه. ومهما اختلفت طرائق تقديمه، تبقى لهذا الطبق قيمة رمزية خاصّة عند المصريين لا يستطيع أيّ طبق آخر أن يأخذها منه.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard