"من بعد هالعمر"... زياد الرحباني “إصبع وسطى مرفوعة في وجه النظام”

الثلاثاء 4 مايو 202107:25 م

يقول زياد الرحباني ممازحًا إنه يعود للمقابلة التي أجراها مع الصحافي جاد غصن في العام 2014 لكي يرفع من معنوياته. في تلك المقابلة تحدّث عن انقطاع الكهرباء الدائم بغضب شديد، وقال فيها حسب وصفه “كلمة زفرة” صارت شهيرة فور خروجها من فمه ورشّت على جدران بيروت وهي “خرا عالجمهورية".

ليلة أمس، استعدنا هذه المقابلة التي تظهر في مقدّمة وثائقي “من بعد هالعمر” المستمد عنوانه من أغنية “كبيرة المزحة هاي” وهو من إعداد وتقديم جاد غصن ومونتاج فالنتينا خوند وتصوير سمير العقدة، كان قد عرض عبر شاشة تلفزيون الجديد في العام 2019. وأعلن جاد غصن قبل يومين عن توفّر الوثائقي لمن يرغب بمشاهدته على موقع يوتيوب. في الوثائقي يحكينا زياد الرحباني من داخل الاستوديو الخاص به عن الموسيقى والسياسية وعن فخر أبيه به وكيف نشر له كتابه الأوّل “صديقي الله”، وهو عبارة عن خواطر كتبها في مراهقته، دون أن يستشيره أو يطلب إذنه.

حين شاهدت الوثائقي للمرة الاولى وسمعت كلام زياد، شعرت أنني أستمع للخطاب الذي أعرفه عن البلد الذي تركته والذي أريد العودة له، لناسه لموسيقاه ولشوارعه

تحضر مشاهد الحرب المرافقة لمسرحيات زياد، لتعكس واقع الأمور حينها، وعند سؤاله من قبل شابّة عن تلك التي يتم وصفها بأنها كانت أسهل من الأوقات التي نعيشها في الوقت الحالي، يؤكّد زياد أن هذا الأمر واقعي، وأنه خلال أيام الحرب كانوا يعملون أكثر، لأن الأمل كان يقودهم ولأنه “مش معقول هالقتل وهالدمار كلّو ماشي”.

تصادف اليوم ذكرى مرور تسعة أشهر على انفجار مرفأ بيروت، ويُصادف أن زياد يظهر أمامنا على الشاشة قبل ثورة 17 تشرين، قبل الانفجار، وقبل الانهيار الاقتصادي وقبل أن يصبح الوطن كما نألفه الآن. فنشعر أنه يحكينا عن واقعنا من زمن آخر، يحضّرنا فيه لكل ما يحدث الآن من خلال إجابات خالية من الأمل.

يحكينا زياد الرحباني من داخل الاستوديو الخاص به عن الموسيقى والسياسية وعن فخر أبيه به وكيف نشر له كتابه الأوّل “صديقي الله” دون أن يستشيره أو يطلب إذنه

يقول زياد إنه بقي في لبنان لأنه شعر أن لديه واجبًا يجب أن يؤدّيه لهذا البلد رغم أنّه فكّر بالسفر،  لكنّه قرّر البقاء هنا حيث أنتج مسرحياته، وموسيقاه وبرامجه، وتعاون مع عدد كبير من الفنّانين وفي النهاية جعله هذا الاستثمار نفسه وشراؤه للاستوديو الخاص به يعلق في البلاد لأنه بعد كل هذه النجاحات من الصعب أن يرحل ويبدأ من جديد.

في الوثائقي الذي يستعرض مراحل مختلفة من حياة وأعمال زياد تمتد من الثمانينيات وصولًا إلى العام 2018، يكشف الرحباني لجاد غصن أنه كان يتقاضى 125 دولاراً في الليلة الواحدة من حفلاته التي كان يقيمها في الحانات الصغيرة مثله مثل كل أعضاء الفرقة، وأن الهدف الأساسي من هذه الحفلات كان التدرّب على العزف وليس جمع المال. وكشف أنّه تعاون مع الفنانة التونسية لطيفة لأنه كان يحتاج إلى العمل وقال: “اشتغلت مع لطيفة لأن كنت بلا شغل”.

ليلة أمس شاهد كل من ديما. ع (28 عامًا) و داني. خ (26 عامًا) الفيلم الوثائقي. ديما أثناء إقامتها في فرنسا، وداني في بيروت. تشرح ديما التي لم تزر لبنان منذ العام 2019 أنه مقارنة بنشرات الأخبار والصور التي تشاهدها، يأتي كلام زياد الرحباني ليخاطبها باللغة الوحيدة التي تفهمها عن الوضع في لبنان، وتقول: “الزمن عندي وقف في تلك المرحلة في العام 2019 قبل الحشود في الساحات، والوباء العالمي، وقبل كل الأحداث التي تبعت. عقلي لا يدرك معنى المباني المدمّرة في بيروت أو الأسعار في السوبر ماركت. ولأن لا صورة لدي عن الواقع بل مجرّد ذكريات، يميل عقلي إلى المبالغة وتضخيم كل الأحداث التي تصلني، لكن حين شاهدت الوثائقي للمرة الاولى وسمعت كلام زياد، شعرت أنني أستمع للخطاب الذي أعرفه عن البلد الذي تركته والذي أريد العودة له، لناسه لموسيقاه ولشوارعه” .


أما داني فيرى الأمور من منظار آخر، فهو الذي يعيش في بيروت شعر أن الوثائقي يشرح وجهة نظره حين أعلن زياد أن لا أمل في هذا البلد وأنه يعيش كل يوم بيومه، ويقول: “في الحقيقة لا يعني لي الكلام السياسي، شاهدت الفيلم من أجل الموسيقى، وحصلت على أجوبة كنت أحتاجها مثل كيفية تأليفه لبعض المقطوعات. وفرحت حين أعلن زياد أن الجلوس أمام الطاولة لا يصنع لحنًا جميلًا وأن “الموسيقى حرّة من العقلانية” ولذلك جاءته مطالع الأغنيات حين كان يمشي وليس حين كان يريدها أن تأتي، وهكذا يبقى الفعل طبيعيًا. من ناحية أخرى من الجيّد أن يتوفّر الفيلم للجميع، وأن نرى أنه بمعزل عن زياد الذي لديه القدرة على نقل قصّته، أن الحرب والرصاص الذي سمعناه ورأيناه في المشاهد، والمسرحيات التي تحكي عن الطائفية والخراب الذي كان لا يزال هنا متجذّرًا وممتدًا. لكن الفرق بين جيل زياد وجيلنا نحن هو أننا لا نسعى إلى محاربة الواقع بالأمل أو بالسلاح، بل نتقبّله أو نرحل عنه إلى البلاد البعيدة”.

فرحت حين أعلن زياد أن الجلوس أمام الطاولة لا يصنع لحنًا جميلًا وأن “الموسيقى حرّة من العقلانية” ولذلك جاءته مطالع الأغنيات حين كان يمشي وليس حين كان يريدها أن تأتي

في الفيلم تظهر فيروز بتسجيل تجريبي بطيء وجميل لأغنية “كيفك إنت”. ويظهر زياد في نقاش مع جوزيف سماحة وابراهيم الأمين، ويظهر طلال حيدر وجوزيف صقر ومنصور الرحباني وهو يضحك ويقول إن زياد اتهمهم بالانتهازية و “الشحادة على ظهره” حين أخذوا منه لحن “سألوني الناس” الذي كان مقرّرًا لعمل خارج الإطار الرحباني لكن تم إهداؤه لوالده عاصي خلال فترة مرضه. ويظهر زياد بكل جوانبه الغريبة والواقعية وتلك المليئة بالنكتة وبحب التصوير والقدرة على الإنتاج. ويؤكّد زياد أن غيابه ليس عن خمول بل عن عدم وجود مواد جديدة في هذه البلاد التي لا طائل منها ويكشف في الوقت عينه عن العديد من المواد التي لم يصدرها.

في خاتمة الوثائقي يؤكّد جاد غصن أن هذا الرجل لم تغرِه النجومية، وحافظ على شخصه بأفعاله، وفي المهرجانات والحانات وبأسعار بطاقاته الرخيصة وبموسيقاه التي قدّمها لنا... زياد الرحباني إصبع وسطى مرفوعة في وجه النظام.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard