هكذا يقطع المغرب الرابط البيولوجي بين الآباء والأطفال خارج الزواج

الثلاثاء 4 مايو 202112:54 م

من بين القضايا التي لا زالت تخلق سجالاً بين القوانين الوضعية والشريعة الإسلامية في معظم البلدان المسلمة، هي تلك المتعلقة بالحرية الجنسية والآثار المترتبة عليها، خصوصاً قضايا النسب. وقد أثار قرار صدر حديثاً في المغرب عن محكمة النقض المغربية؛ وهي أعلى سلطة قضائية في الدولة، يخص الأطفال المولودين خارج إطار مؤسسة الزواج، جدلاً كبيراً بين مكونات المجتمع الحقوقي والمدافعين عن حقوق الإنسان. حيث اعتبرت محكمة النقض في قرارها ذاك أن "ابن الزنا" لا يرتبط بالأب البيولوجي لا بالبنوة ولا بالنسب، وأن الحكم بثبوت بنوة طفل غير شرعي يخالف الشرع والقانون، حتى لو ثبت بيولوجياً أنه خلق من نطفته".

وتعود القصة إلى حكم غير مسبوق كان صدر عن قسم قضاء الأسرة في المحكمة الابتدائية قبل ثلاث سنوات، قضت فيه المحكمة بثبوت بنوة طفلة ولدت خارج مؤسسة الزواج استناداً إلى اختبار الحمض النووي الذي قطع الشك باليقين وأثبت أن الطفلة من صلب الأب البيولوجي المدعى عليه. إلا أنه إلغاء هذا الحكم الابتدائي في وقت لاحق، استئنافياً، بالاستناد إلى الأحاديث النبوية وتفسيرات ابن حزم، وبعد لجوء الأم إلى محمكة النقض من أجل إنصاف طفلتها. أيدت هذه الأخيرة الحكم الاستئنافي دون أن تأخذ بعين الاعتبار اختبار الحمض النووي.

اعتبرت محكمة النقض في قرارها ذاك أن "ابن الزنا" لا يرتبط بالأب البيولوجي لا بالبنوة ولا بالنسب، وأن الحكم بثبوت بنوة طفل غير شرعي يخالف الشرع والقانون

القرار يعتبر نكسة حقوقية وعلمية في المغرب، ويثير جدلاً كبيراً بين المعارضين والمؤيدين. لكن مهما احتد هذا الجدل، فإنه لن يصل أبداً إلى الحدة التي حكم فيها على مستقبل الطفلة وأطفال آخرين من بعدها، لأن الهيئة القضائية ارتأت أن تحرمها من نسبها استناداً إلى حديث نبوي لا يمكن حتى التأكد من صحته أو تفسيره. وقد جاء نص الحديث الذي تسبب في ضياع حق نسب العديد من الأطفال على مر التاريخ في روايتين مختلفتين، إحداهما وهي الأشهر أن عتبة ‏عهد‏ ‏إلى أخيه‏ سعد بن أبي وقاص ‏أن ابن وليدة‏ ‏زمعة‏ ‏منه، وزعم عبد بن زمعة أنه أخوه وابن وليدة أبيه، ولما اختلفا إلى النبي حكم بأن "الولد للفراش وللعاهر الحجر" وأعطاه لعبد، نظرا للشبه الكبير بينه وبين عتبة (أبيه). أي أن الحكم "الشرعي" جاء بأكمله استناداً إلى منطق الشبه، في زمن تعذر فيه وجود منطق أو سبيل آخر للإثبات غير الشبه.

ومع ذلك، فإن محكمة النقض ارتأت، ونحن في القرن الواحد والعشرين، وفي عز الثورة التكنولوجية والعلمية أن تلغي المنطق العلمي الذي يقطع الشك باليقين، وتكتفي بالقاعدة الدينية التي ارتكزت على التقدير، فتعتبر الطفلة أجنبية عن أبيها، حتى لو قال الحمض النووي عكس ذلك.

ولعل السؤال الأهم في هذا القرار، هو هذه الجزئية بعينها؛ إن كانت الطفلة أجنبية عن والدها، فهل يعني هذا، استناداً إلى نفس المنطق الديني، أنه يجوز له أو لأخيها أو عمها الزواج بها؟ وهل يتناسب هذا القرار ونتائجه المفترضة مع مقصد حفظ النسل، وحماية الأنساب من الاختلاط؟ وإذا خانت امرأة زوجها وأنجبت طفلاً من غيره، هل ينسب له الطفل هو الآخر رغما عن أنف الحمض النووي لأن "الولد للفراش"؟

إن كانت الطفلة أجنبية عن والدها، فهل يعني هذا، استناداً إلى نفس المنطق الديني، أنه يجوز له أو لأخيها أو عمها الزواج بها؟

حتى لو سلمنا بهذه القاعدة وقبلنها على مضض وقلنا إن المقصود منها هو معاقبة "زانيين" لأنهما تعديا حدود الله، فما ذنب الطفل؟ كيف يتم الحكم على جنين لا حول ولا قوة له وإدانته بـ"العهر" قبل أن يرى النور؟ أليس الإسلام دين عدل؟ فأين العدل في أخذ طفل بذنب والديه؟ (هذا إذا اعتبرنا أن والديه مذنبين من الأساس). وأين العدل في تحميل مسؤولية جنين مشترك لأمه فقط، وإعفاء الأب من جميع واجباته، حتى أبسطها كالاعتراف ببنوة الطفل.

هذا اللامنطق الذي نتجرعه منذ سنوات في المغرب وغيره من الدول الاسلامية التي تعجز عن التعامل مع قضايا الأسرة والمجتمع بمنطق القرن الواحد والعشرين، وتظل واقفة في الوسط؛ لا هي تلبس لباس الحداثة بأكمله ولا هي تعيش في ظل الشريعة كما يجب، ما يصنع مجتمعات "شيزوفرينية" ومنكوبة وضائعة، ولا كرامة محفوظة فيها للأطفال لأن القانون لا ينصفهم ولا يضمن لهم أي حق مهما كان بسيطاً. ذلك على الرغم من أن الدرس الأول الذي يُدرس في كليات القانون هو أن القاعدة القانونية قاعدة اجتماعية؛ أي أنها غير ثابتة وتتغير بتغير المجتمع. لكن كما يبدو فإنه درس نظري فقط. أما في الواقع، فسيتم تطبيق القواعد الشرعية مهما كانت مجحفة وغير منطقية.

تُطبق هذه القواعد لأن هذه الدول تريد الحفاظ على "حسن أخلاق" المجتمع وتحميه من إسفاف الحريات. وبالتالي، ففي سبيل القضاء على الحريات الفردية لا بأس لو تسببت في تضاعف عدد اللقطاء وعدد الأمهات العازبات وعدد المتشردين، أو تسببت حتى في اختلاط الأنساب وشرعنة "زنا المحارم". المهم أن تحافظ على صورة المجتمع الإسلامي المحافظ الذي يحسن ارتداء جبة الحداثة إذا اقتضت الضرورة أمام المجتمع الدولي. لكنه ما أن ينفرد بنفسه حتى يعود قرونا إلى الوراء. ويعطل العقل كي يسبق النقل، كما أمرته الشريعة. ويكمل في سياسة التمثيل بكرامة النساء وحقوقهن.

أين العدل في تحميل مسؤولية جنين مشترك لأمه فقط، وإعفاء الأب من جميع واجباته، حتى أبسطها كالاعتراف ببنوة الطفل

هذا الحكم، وإلى جانب عدم توافقه مع الشروط الاجتماعية والعلمية الحالية، يبدو غير منطقي من وجهة نظر قانونية أيضاً. فالمحكمة اعتمدت في قرارها الأول على الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الطفل التي صادق عليها المغرب. ومن بين الحقوق التي تضمنها، حق الطفل الطبيعي في الانتساب إلى والديه البيولوجيين. وواجب القضاء منح الأولوية لمصلحة الأطفال في النزاعات المتعلقة بالنسب، وحقه المطلق في أن يسجل عقب ولادته فوراً، وأن يكون له بصفة عامة الحق في معرفة والديه وتلقي رعايتهما.

فيما تتعارض المادة 148 من مدونة قانون الأسرة المغربية، بشكل صارخ، مع ما جاء في هذه المواثيق التي تمت الموافقة عليها. حيث تنص المادة على أنه "لا يترتب على البنوة غير الشرعية بالنسبة للأب أي أثر من آثار البنوة الشرعية"، فيما تنجم عنها جميع الآثار والمسؤوليات الموضوعة على الأم، لأنها وحدها من أنجبته. أما الرجل فقد غفر له الدين وأعفاه القانون بعده من هذا "الذنب". وهذا ما يتعارض مع الدستور نفسه الذي يقر مبدأ المساواة بين الجنسين.

إنه صراع قوانين وصراع ظواهر، وصراع استيهامات مجتمعية لا يمكن أن تجد طريقها للحل سوى عبر نقاش كبير يجمع كل الأطياف، ويضع مصلحة المواطن/الإنسان فوق جميع الشرائع. فمن غير المقبول نهائياً سلب طفل أول حق من حقوقه الاجتماعية بسبب قواعد أكل عليها الدهر وشرب، وفندها العلم بالدليل القاطع، ومواصلة تحميل النساء نتائج جميع الأخطاء والمشاكل المجتمعية، كأنهن خليفة الشيطان في الأرض.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard