في الأردن... زكاة رمضان يهددها "كورونا"

الأحد 2 مايو 202105:42 م

يمثل شهر رمضان مناسبة لزيادة التبرعات والصدقات في العالم العربي الذي يمثل المسلمون فيه بطوائفهم الأغلبية في كل البلدان تقريباً، ويباهي المسلمون بأنه في دولهم "لا يبات أحد جوعان"، وإن كان هذا المثل الذي يجري على الألسنة العربية من المحيط إلى الخليج، تكذبه الإحصاءات الدولية والمحلية التي تشهد بأنه يوجد ما لا يقل عن 795 مليون جائع في العالم العربي.

مع أن الأردن تعد من الدول الآمنة وفقاً لمؤشرات برنامج الغذاء العالمي، إلا أن 53% من سكانها (نحو ثلاثة ملايين نسمة) باتوا مصنفين باعتبارهم في وضع الهشاشة الغذائية منذ ظهرت آثار جائحة كورونا المستجد وما صاحبها من أزمة اقتصادية

ومع أن الأردن تعد من الدول الآمنة وفقاً لمؤشرات برنامج الغذاء العالمي، إلا أن 53% من سكانها (نحو ثلاثة ملايين نسمة) باتوا مصنفين باعتبارهم في وضع الهشاشة الغذائية منذ ظهرت آثار جائحة كورونا المستجد وما صاحبها من أزمة اقتصادية، وبخاصة مع أثرها على البرامج الاجتماعية الحكومية والأهلية التي عادة ما تساهم في التخفيف من وطأة الفقر والجوع في العالم العربي، خاصة خلال شهر رمضان.

في دراسة مسحية أجراها مركز "الفينيق" للدارسات الاجتماعية والاقتصادية منتصف العام الماضي، أفاد 86.3% من عينة الدراسة أن الوضع الاقتصادي تراجع مقارنة مع العام 2019، وفيما يخص التوقعات المستقبلية -وقتها- فقد توقع 50.7% من المبحوثين أن الوضع الاقتصادي سيتراجع في العام 2021.

قبل جائحة كورونا وتداعياتها الاقتصادية، كانت نسبة الفقر المطلق بين الأردنيين قد وصلت إلى 15.7%، وتمثل 1.069 مليون أردني، فيما بلغت نسبة الفقر المدقع (الجوع) إلى 0.12%، أي ما يعادل 7993 فرداً أردنياً، وفق مسح الإنفاق الصادر عن دائرة الإحصاءات العامة عن الفترة 2017-2018.

وتوقّع البنك الدولي في تقرير له صدر في تشرين الأول/ أكتوبر 2020، أن تؤدي حالات الإغلاق المحلية نتيجة فيروس كورونا المستجد، والتباطؤ الاقتصادي العالمي، واضطرابات التجارة، وتعليق السفر الدولي، وتراجع تحويلات العاملين في الخارج، إلى زيادة معدلات الفقر في الأردن على المدى القصير بمقدار 11%.

رغم الأمنيات؛ يتوقع مدير عام صندوق الزكاة الأردني أن تكون قيمة التبرعات الواردة قبل نهاية رمضان الجاري أقل مما كانت عليه في السابق، بسبب سوء الحالة الاقتصادية التي خفضت من مستوى دخل الأسر وحولت بعضها من متبرعين لصندوق الزكاة إلى مستحقين لتلقي الدعم

وحدد البنك الدولي في دراسته خط الفقر في الأردن بمبلغ 68 ديناراً (نحو 95 دولار) للفرد شهرياً، لافتاً إلى أن مليون أردني باتوا يعيشون تحت خط الفقر. وكشفت الدراسة نفسها أن معدلات الفقر في الأردن مرتفعة نسبياً، حيث تبلغ 15.7% بين المسجلين تحت خط الفقر، وأن 10% من الأردنيين ينتمون إلى العشر الأفقر، إضافة إلى أن حوالي 300 ألف أردني يعيشون فوق خط الفقر لكنهم بالقرب منه.

جفاف العسل

قبل أعوام الجائحة، مثل شهر رمضان فرصة لتسليط الأضواء على الفئات الفقيرة في الأردن، التي كانت تعتبر شهر رمضان ليس شهر عبادة فقط بل أيضاً بمثابة "شهر العسل" الذي تخف فيه وطأة الفقر، بفعل حملات التبرعات الخيرية من أموال زكاة، والكسوة، وتوفير المواد الغذائية، وغيرها من أشكال التبرعات والحملات التي تجبر خواطر عائلات أردنية كثيرة منها من يعيش أسفل سقف "زينكو"، ومنها من يعيش أسفل سقف مليء بالثقوب والرطوبة، ومنها من تغطي سقف منزلها بملاءات تجنباً لأشعة الشمس ومياه الأمطار.

بفعل الحظر والإجراءات الاحترازية المفروضة في الاردن، توقفت "خِيَم موائد الرحمن"، التي كانت تقام عادة بمبادرات من شركات تتبع للقطاع الخاص، أو أفراد يقومون بأعمال الخير "إطعام الصائمين" وخصوصاً الفقراء منهم، حيث كانت تمتلئ شوارع الأردن بمختلف محافظاته بخيام واسعة المساحة، فيها طاولات وكراسي تقدم فيها كميات كبيرة من وجبات غذائية أساسية، واعتمدت عليها أسر وأفراد ممن يعانون الفاقة في الأردن.

ومع أن فاعلي الخير سعوا إلى تعويض المستفيدين من موائد الرحمن بكراتين وحقائب تحوي مواد غذائية أساسية، إلا أن تلك الكراتين عادة تكفي لبضعة أيام خلال الشهر بينما كانت تتاح الموائد على مدار الشهر الكريم.

من يتجول في شوارع الأردن قبل ساعات من موعد الإفطار، يصادف زحاماً يقيد حركته، ليس زحاماً مرورياً، بل تزاحم أجساد تطلب المساعدات المالية، أو تسعى إلى بيع سلع رخيصة مقابل قروش قليلة، تعتمد عليها "خالات" في معاشهن بعد أن اضطررن إلى العمل دون مهارات حرفية

يقول دكتور عبد السميرات، مدير عام مؤسسة صندوق الزكاة الأردني، وهي الجهة الحكومية الأردنية الأولى المختصة بالزكاة، إنه لا يتوفر لدى الصندوق حالياً إحصاءات ترصد حجم الوارد من أموال الزكاة في رمضان الجاري، إلا أن 165 ألف أسرة فقيرة استفادت من التبرعات الواردة إلى الصندوق خلال النصف الأول من الشهر، ويتوقع السميرات أن يزداد إقبال الأردنيين على إخراج الزكاة والصدقات في النصف الثاني من الشهر ليتسع نطاق المستفيدين، وإن كان يؤكد أن الصندوق رصد تراجعاً في حصيلة التبرعات خلال العامين الذين سيطرت فيهما جائحة كورونا (العامين الماضي والجاري). وهو ما يجعله –رغم الأمنيات- يتوقع أن تكون قيمة التبرعات الواردة قبل نهاية رمضان الجاري أقل مما كانت عليه في السابق بسبب سوء الحالة الاقتصادية التي خفضت من مستوى دخل الأُسر وحولت بعضها من متبرعين لصندق الزكاة إلى مستحقين لتلقي الدعم.

وكشف الناطق الإعلامي باسم وزارة التنمية الاجتماعية أشرف خريس لرصيف22، أن الوزارة استطاعت أن تصدر 285 ألف بطاقة غذائية منذ بداية شهر رمضان بقيمة 10 مليون دينار أردني للأسر المحتاجة.

وكشف أن الهيئة الخيرية الهاشمية وهي واحدة من أهم المؤسسات الحكومية الخيرية في الأردن أصدرت 10 آلاف سلة غذائية تلقتها 10 آلاف أسرة محتاجة، تشمل اللاجئين، تحت رعاية وزارة التنمية الاجتماعية منذ بداية شهر رمضان.

واتفق خريس مع السميرات في أنه "من الصعب مقارنة حجم التبرعات خلال شهر رمضان الحالي مع العام الماضي، نظراً لظروف حظر التجول وقتها والتي شكلت صعوبة كبيرة أمام المتبرعين في إيصال تبرعاتهم للجان والمؤسسات الخيرية، ناهيك عن أن الإحصائيات النهائية تصدر فقط من قبل مؤسسة صندوق الزكاة من خلال تقرير تصدره نهاية شهر رمضان".

إلا أنه يختلف مع السميرات في توقعاته في أن يكون حجم التبرعات لصندوق الزكاة أفضل من رمضان الماضي نظراً لظروف حظر التجول وقتها التي كانت أكثر تشدداً، إلا أنها "بالتأكيد ستكون أقل من الأعوام السابقة التي لم يكن فيها المواطن الأردني على حافة هاوية الفقر".

أما جمعية "سنحيا كراماً" الخيرية، المتخصصة بمساعدة الغارمين والغارمات، أي من يتم حبسهم أو يكونوا مطلوبين للتنفيذ القضائي بسبب عدم قدرتهم دفع أقساطهم لشركات تمويل؛ فكشف مديرها التنفيذي عمر قنمبز لرصيف22 أنه منذ بداية شهر رمضان الحالي "تم إنقاذ 25 ألف غارم وغارمة من جراء التبرعات التي تقدم للجمعية". لافتاً إلى أنه بقي ما يعادل 4-5 استمارات فقط – وقت إجراء المقابلة- لغارمين وغارمات لم يتم استكمالهم بعد حتى يزاح عنهم التنفيذ القضائي.

ولم ينف قنمبز أن جيوب الأردنيين أصبحت مرهقة بسبب الأزمة الاقتصادية التي خلفها كورونا، والتي أدت إلى إعادة ترتيب الأولويات لدى الأفراد، لكنه في المقابل نفى أن التبرعات التي تصل للجمعية لفك كرب غارمين وغارمات قد تأثرت "بالحالة الاقتصادية المرهقة للمواطن الأردني" كما هو الحال بالنسبة لجمعيات ومؤسسات أخرى.

ربما العين أصدق أحياناً من علوم الأرقام، فمن يتجول في شوارع الأردن قبل ساعات قليلة من موعد الإفطار يصادف زحاماً يقيد حركته، ليس زحاماً مرورياً، بل تزاحم أجساد تطلب المساعدات المالية، أو تسعى إلى بيع سلع رخيصة مقابل قروش قليلة تعتمد عليها "خالات" في معاشهن بعد أن اضطررن إلى العمل دون مهارات حرفية.

واقع الفقر في الأردن ماثل أمام الأعين، لكن الأمل في رمضان باق.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard