تهريب البضائع المدعومة إلى سوريا امتصّ ما تبقّى من موجودات لبنان

الأحد 2 مايو 202101:00 ص

أصبح من الطبيعي أن يقصد المواطن اللبناني المتاجر في الصباح الباكر لكي تزيد فرصة حصوله على المواد الغذائية المدعومة قبل نفادها إذ ينخفض سعرها إلى ثلث أو الربع عن تلك غير المدعومة، لكن حتّى هذا الفعل اليومي لم يعد يكفي في ظل الاحتكار والتهريب لتأمين احتياجاته الأساسية.

تشرح سناء. د (36 عامًا) أنها قبل أيام ذهبت إلى السوبرماركت في الصباح الباكر ولم تجد صنفًا واحدًا مدعومًا، فعادت إلى منزلها لتقصد المتجر مجدّدًا مع زوجها الذي يعرف المدير، فتفاجأت بالأخير يسلّمهما حقيبة تتضمّن السكّر والأرز والزيت، وحين سألته عن سبب تخبئتها أعلمها أنه لا يريد أن يعرضها على الرفوف كي لا يشتريها السوريون وبهذه الطريقة يحدّد هو من المستفيد من البضائع المدعومة.

أما شقيقها علي. د (48 عامًا) فقد بدأ بتخبئة المحروقات في بستانه كي يتجنّب الأزمة القادمة حين سيتم رفع الدعم نهائيًا، وبحسب قوله فهو حتّى اللحظة لا يزال قادرًا على تأمين السلع الغذائية بسبب انتمائه الحزبي الذي يساعده على التواصل مع التجّار وأصحاب المتاجر، فلا يتطلّب منه الأمر إلا اتصالًا يوميًا يحدّد فيه ما ينقصه من مواد غذائية، ليذهب بعدها إلى المتجر ويشتريها بالسعر المدعوم.

 قيمة الدعم الشهري من قبل مصرف لبنان للسلة الغذائية بالإضافة إلى المحروقات والأدوية والمواد الأولية كانت تبلغ 200 مليون دولار، وانخفضت اليوم إلى 80 مليون دولار شهرياً. ومن المتوقّع أن يتوقّف الدعم نهائيًا في نهاية أيار/ مايو 

بحسب آخر تقرير “لجنة الأمم المتحدة الاجتماعية والاقتصادية لغربي آسيا” ارتفع معدل الفقر في لبنان إلى 55 بالمئة ، بينما تزايد معدل الذين يعانون الفقر المدقع من 8 بالمئة إلى 23 بالمئة.

تتغيّر أسعار السلع الغذائية يوميًا بحسب تغيّر سعر صرف الدولار مقابل الليرة اللبنانية. وكطريقة لمحاربة أزمة ارتفاع أسعار المواد الغذائية وانخفاض القدرة الشرائية لدى المواطن أنشأت الحكومة اللبنانية منذ منتصف العام 2020 “السلة الغذائية” المؤلفة من 35 صنفًا غذائيًا يتم دعمها عبر تأمين المصرف المركزي الدولار لمورديهم على سعر صرف 3,900 ليرة.

كانت تبلغ قيمة السلّة الغذائية حين أنشئت 400 ألف ليرة لبنانية، اليوم صارت قيمتها مليونًا و400 ألف ليرة، وذلك لأن 80% من السلع في لبنان يتم استيرادها ولأن الليرة في انهيار مستمر أمام الدولار، وبالتالي رغم هذا الحل الذي يتم اتباعه تبقى القدرة الشرائية عند المواطن محدودة لأن مدخوله لم يتغيّر.

كما أن قيمة الدعم الشهري من قبل مصرف لبنان للسلة الغذائية بالإضافة إلى المحروقات والأدوية والمواد الأولية كانت تبلغ 200 مليون دولار، وانخفضت اليوم إلى 80 مليون دولار شهرياً. ومن المتوقّع أن يتوقّف الدعم نهائيًا في نهاية أيار/ مايو وذلك لأن احتياطي العملات الأجنبية لدى المصرف المركزي والذي كانت تبلغ قيمته 30 مليار دولار في أفضل الأحوال ينخفض بشكل سريع وقد يتبخّر كلياَ مع قدوم أشهر الصيف.

هذه التغييرات اليومية بالأسعار، بالإضافة إلى عدم توفّر حلول مستدامة تدفع بالناس الى التشاجر على أكياس السكّر وإلى تحطيم المتاجر كوسيلة منهم للتعبير عن خوفهم وغضبهم وتدفع بالتجّار إلى احتكار البضائع. الشهر الماضي حين وصل سعر صرف الدولار الواحد إلى 15,000 ليرة لبنانية (السعر اليوم 12,500 ليرة لبنانية للدولار) أقفلت المحال التجارية أبوابها، وخُبّئَت المواد المدعومة بهدف بيعها لاحقًا حين ينخفض سعر الدولار، وتمّ تهريبها إلى الخارج وتحديدّا إلى سوريا حيث يضمن التجّار والأفراد حصّتهم من الربح بسبب حاجة السوق السوري لها.

إن مزيج غياب الدولة والرفع التدريجي للدعم من قبل مصرف لبنان سمحا للأحزاب بالسيطرة على المشهد العام، فبدأت الدويلات الحزبية بالظهور من خلال كراتين الإعاشات والبطاقات التي يتم توفيرها للمواطن لشراء مواده الغذائية. وسيطر التجّار على الأسعار في ظل غياب الرقابة. وبالتالي وقعت الأزمة الاقتصادية على رأس الشعب الذي صار منقسمًا بين مستفيد من الأزمة أو بالأحرى بين من لم تمر الأزمة عليه لأن حزبه يدعمه ويقدّم له الحلول المؤقّتة وبين من يعاني من الانهيار الاقتصادي.

مواطن مدعوم وآخر غير مدعوم

يشرح نضال (اسم مستعار) (32 عامًا) أنه يعيش واحدة من أفضل مراحل حياته الاقتصادية، فعمله لم يتضرّر لأن التمويل يصل إلى شركته من الخارج كما أن عائلته لم تتضرّر لأن حزب الله يدعمهم. ويقول: “حزب الله حرّر أرضنا وهو اليوم يحرّرنا من الأزمة الاقتصادية التي سبّبتها الدولة اللبنانية المرتهنة إلى الخارج. لسنوات طويلة وضعنا ثقتنا بالسيّد الذي لم ولن يخذلنا. نحنا بيئة حزب الله نقاوم الجوع، ونزرع ونتقاسم الدولارات مثلما قال لنا السيّد”.

الأسبوع الماضي ابتاع نضال هاتفًا خليويًا جديدًا وعند سؤاله عمّا إذا يشعر بالذنب لأن هناك من ليسوا قادرين على شراء ربطة خبز، أجاب: “لا ذنب لدي. حين كنّا نموت في الجنوب وفي سوريا بهدف حماية حدودنا لم يتعاطف معنا أحد. حين قلنا أن قضيّتنا محقّة هاجمنا الجميع. بالطبع أحزن على الفئات المهمّشة التي لا سند لها في ظل غياب الدولة. لكن خطّي السياسي والعقائدي واضح وأوصلني اليوم لأحصد نتيجة سنوات من التعب والولاء، ولو أن كل من أعرفهم فعلوا مثلي لكانوا اليوم بخير”.

ويختم: “لماذا كل هذا الحقد على بيئة الحزب القادرة على التعايش مع الأزمة الاقتصادية. الواقع والمنطق يقولان إننا استثمرنا في هذا النهج وهذا الخط واليوم بكل بساطة نحصد نتيجة استثمارنا”.

ليحمي بيئته مما يصيب اللبنانيين جراء الأزمة المالية والاقتصادية ولتنفيس الغضب في محيطه أطلق حزب الله “بطاقة السجّاد” التي توفر لحاملها شراء منتجات غذائية مستوردة من الخارج بسعر أقل بنسبة 60 في المائة تقريباً عن سعر الأسواق اللبنانية وذلك عبر استخدامها في فروع لتعاونيات السجاد ومخازن النور. حتّى اللحظة تم توزيع عشرات آلاف البطاقات التي بحسب الحزب هي متوفّرة لكل اللبنانيين وليس فقط لمناصريه. بالإضافة للبطاقة أمّن الحزب شبكة أمان غذائية داخل بيئته عبر توزيع المساعدات المالية وكراتين الإعاشات. وفي خطاباته شدّد الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله على ضرورة تكاتف أبناء حزب الله من كل النواحي وأعلن أن بيئته لن يمسها الجوع وأنهم سيقاومون الانهيار.

يعيش نضال واحدة من أفضل مراحل حياته الاقتصادية، فعمله لم يتضرّر لأن التمويل يصل إلى شركته من الخارج كما أن عائلته لم تتضرّر لأن حزب الله يدعمهم. ويقول: “حزب الله حرّر أرضنا وهو اليوم يحرّرنا من الأزمة الاقتصادية التي سبّبتها الدولة اللبنانية المرتهنة إلى الخارج. لسنوات طويلة وضعنا ثقتنا بالسيّد الذي لم ولن يخذلنا. نحنا بيئة حزب الله نقاوم الجوع، ونزرع ونتقاسم الدولارات مثلما قال لنا السيّد”.

يشرح موسى عاصي (51 عامًا) المستفيد من “بطاقة السجّاد” أنه في ظل غياب الدولة غير القادرة على تأمين حياة كريمة للجيش على الحدود ولموظّفيها وللمواطنين فإن مبادرة الحزب تأتي لانقاذ الناس من الانهيار الحتمي. وفي الوقت عينه يشرح أنه لو كان الدعم متوفّرًا من قبل الدولة لما كان لجأ للإعتماد على البطاقة ويقول: “يستفيد سكّان بيروت والجنوب والمناطق المهمّشة من البطاقة التي تؤمّن 300 ألف ليرة شهريًا من المواد الغذائية التي لا علاقة لها بتلك المدعومة من الدولة، بل إنها تأتي من إيران وسوريا وأسعارها أرخص بكثير من المواد المدعومة من مصرف لبنان وبالتالي بإمكاني شراء كميّات أكثر من المنتجات الغذائية لعائلتي”.

وعن الفروقات الطبقية الظاهرة ضمن الانهيار الاقتصادي في لبنان حيث أن بيئة معيّنة تستفيد بينما أخرى تعاني، يقول: “حين كان عناصر حزب الله يتلقّون راتبًا شهريًا بقيمة 600 ألف ليرة قبل الانهيار الاقتصادي لم يعترض أحد، فلماذا الاعتراض اليوم؟ بكل بساطة لو أن الدولة قادرة على تقديم حلول كنّا سنفرح". ويضيف: "أنا بهمني ريّح الحزب من هيدا العبء الاقتصادي الي عم بسبّبوا الفاسدين كرمال يتفضّى لأمور تانية أهم”.

ويختم: “هذه المبادرات لا يمكنها أن تحل مكان الدولة، والحزب عمله الأساسي هو حماية حدودنا من اسرائيل لكنّه اضطرّ إلى انتشالنا من الأزمة لأن الدولة اللبنانية فاسدة، والحل الذي قدّمه متوفّر لكل الناس وليس فقط لمناصريه. في الجبل مثلًا وضمن بيئة وليد جنبلاط ستجدين أن سعر السلع أرخص من تلك الموجودة في الجنوب، وذلك لأن الأخير يحاول مساعدة منطقته، فهل يجوز أن أقول إن جنبلاط لا يحق له تأمين الحماية الغذائية لأبناء منطقته وأنه يحل مكان الدولة؟ كلًا. حين تقوم الدولة بعملها حينها نعتمد عليها في الداخل، حتّى حلول تلك اللّحظة سنعتمد على الحزب”.

في المقابل يشرح ج. ع (29 عامًا) المقيم في بلدة أنصار الجنوبية أن الوضع الاجتماعي ضمن البيئة الشيعية معقّد أكثر مما يصلنا، ويقول: “قبل مدّة قطعت مجموعة من السكّان منهم أفراد منظّمون داخل “حركة أمل” الطريق اعتراضًا على الأوضاع المعيشية وعدم توفّر المواد المدعومة أو الإعاشات لهم. فُضّ الاعتراض بعد حوالي 15 دقيقة حين وصل المسؤولون وطلبوا منهم الانسحاب خوفًا من انتشار الخبر على مواقع التواصل الاجتماعي واستغلال الموضوع من قبل أطراف الأخرى. هؤلاء الذين قطعوا الطريق أرادوا أن يمارسوا حقّهم بالتظاهر ضدّ الانقسام الحاصل بين الفئات اللبنانية، وحتى ضمن الطائفة الشيعية نفسها. فابن حركة أمل ليس لديه امتيازات ابن حزب الله في ظل الانهيار الاقتصادي”.



يؤكّد ج. ع أن مظاهر الاعتراض هذه تحصل في كل المناطق، لكن يتم حلّها عبر تأمين احتياجات المعترضين فورًا وبالتالي يتم شراء الناس من خلال الإعانات والمنتوجات الغذائية رغم أن هذه الحلول لن تستمر على المدى الطويل ولن تكون كافية لاسكات الناس عن الجوع والفقر، ولذلك المطلوب هو حلول من الحكومة تطال كل الشعب اللبناني.

عن الفكرة نفسها، وقدرة الحزب على انتشال بيئته من الانهيار الاقتصادي ومحاولة لعب دور الدولة، يقول الباحث الدكتور مكرم رباح لرصيف22: “حزب الله غير قادر على بناء هذه المنظومة كما يدّعي. والشيء الذي يقوم به حاليًا هو محاولة إعطاء قاعدته نوعًا من الجرعة المخدّرة. فكرة أن البيئة الشيعية وبيئة حزب الله بالتحديد قادرة على أن تنجو بنفسها بدون المجتمع اللبناني هو ضرب من الخيال وما يفعله الحزب هو نوع من الشعوذات الاجتماعية والاقتصادية والإغاثية. لكن في آخر المطاف هذه الأفعال لن تؤسّس إلا إلى المزيد من الخراب إذ ليس هناك من أحد قادر على حماية المواطن اللبناني بغض النظر عن انتمائه. كما أنّ شيعة لبنان بالتحديد لا يمكنهم المراهنة على إيران وخير دليل على ذلك أن القسم الأكبر منهم لا يدور بشكل مباشر بفلك حزب الله ويعاني كما يعاني سائر الشعب اللبناني”

 حواجز الجيش السوري لا ترى بالعين المجرّدة على طرقاتنا، لكن المعابر غير الشرعية الممتدة من البقاع الأوسط وصولًا إلى الشمال هي حواجز أيضًا، ربّما لا تفرض علينا أن نقدّم رشوة لكي نمر عبرها لكنها تسمح بتهريب لقمة عيشنا إلى الأسواق الخارجية

أين المواد المدعومة؟

يشرح ج. ع أنه بسبب عدم توفّر المواد المدعومة في الدكاكين والمتاجر يلجأ الأفراد إلى البطاقات التي تطلقها الأحزاب بهدف شراء المنتجات الغذائية لان لا خيار آخر أمامهم، ويقول: “بعد إطلاق بطاقة “السجاد” بدأت المشاورات داخل حركة أمل بضرورة تأمين بطاقة مشابهة ستحمل اسم بطاقة “الصدر”. ما يحصل في الجنوب وفي كل المناطق اللبنانية من الناحية التقنية هو أن أغلب المحال ليست مسجّلة في المالية ولا تملك إذاعة تجارية، بالتالي لا يمكنها الحصول على المواد المدعومة، ولذلك يقصد أصحاب المحال البلدية للحصول على كتاب يسمح لهم بالحصول على كمية قليلة من المواد المدعومة بهدف بيعها لزبائنهم. أما المتاجر الكبرى والمسجّلة والتي من المفترض أن يصلها الجزء الأكبر من المواد المدعومة، فتصلها كميّة محدّدة تنفد في الساعات الأولى من اليو، لأن التجّار الحزبيين يحتكرون البضائع المدعومة في المستودعات ويوزّعونها على حلفائهم، وبالتالي الحصص الكبيرة تبقى في المستودعات وتوزّع على بيئة معيّنة أو تهرّب إلى الخارج”.

ويضيف: “هناك تاجر معروف في منطقتنا أفضّل عدم البوح باسمه بهدف حمايتي الشخصية. بحكم أنه يملك مستودعًا ورخصة تصله حصّة مدعومة. لكنّه لا يصرّفها في السوق بل يحتكرها. يوزّع جزءًا منها على معارفه ويبيع الحصّة الأكبر إلى أحد المهرّبين الذي يعمل في سوريا، وبهذه الطريقة يضمن ربحه والمهرّب أيضًا وكل هذا على حساب الناس الذين يغطّون باحتياط أموالهم أسعار البضائع المدعومة التي لا تصلهم. ومن ناحية أخرى اتخذ بعض الأفراد من عملية التهريب مهنة إذ يقصدون المحال التجارية بهدف شراء البضائع المدعومة وبيعها بأسعار مضاعفة في سوريا. قبل مدّة تمّت مداهمة مستودع لأحد الأفراد في بلدة عبّا لأنه يعمل كمهرّب”.

ويضيف: “ما في مدعوم بقى، المدعوم من حزب الله غير المدعوم من الدولة، والمدعوم من الدولة تصادر من التجّار”. ويختم: “الذين يعملون بالتهريب ليسوا بالضرورة من حزب الله لكنهم بطريقة أو بأخرى يملكون غطاءً منه إذ إنه يسمح لهم باستخدام المعابر غير الشرعية عبر الحدود. لدي صديق متفرّغ في حزب الله أخبرني قبل مدّة أن هناك من يعملون بالتهريب ويؤمّنون لقمة عيشهم بهذه الطريقة. ويقضي عملهم بعد السماح بمرور البضائع من لبنان إلى سوريا دون أن يقبضوا حصّتهم، والسيناريو نفسه ينفّذ في حال كانت عملية التهريب تحصل من سوريا إلى لبنان. يسمحون بمرور الحصص المنزلية لكن في حال كانت الحصّة تجارية يطالبون بنسبتهم من الأرباح”

ما يحصل اليوم هو أن الشعب اللبناني يُنهب أكثر من مرّة ومن كل النواحي. المصارف تصادر أمواله، المصرف المركزي يستخدمها والتجار يستغلّون الحصار المفروض على الشعب السوري من خلال عمليات التهريب ويستغلون الشعب اللبناني من خلال الاحتكار كوسيلة لتحقيق الأرباح السريعة والنجاة من الانهيار الاقتصادي واستغلال للحصار في سوريا. ويبقى الحل الوحيد للسيطرة على هذه الفوضى المتشعّبة هو عبر إعادة تأسيس الدولة وتفعيل دورها. وعن هذا الأمر يقول مكرم رباح: “لا يوجد بديل عن الدولة ومحاولة خلق بديل هو ضرب من الانتحار. فقيام حركة أمل أو الحزب التقدمي الاشتراكي أو القوات اللبنانية والمستقبل باتباع نظام الإعاشة والإغاثة لن يؤدّي إلى مكان لأن الأحزاب، وحتى حزب الله، لا يملكون قدرة الحصول على الموازنات الكبيرة، وما يقومون به الآن هو مجرّد محاولة ملء البئر في حين أن البديل الوحيد هو العودة إلى أسس الدولة واسترداد سيادتها المطلقة. ومن هذه النقطة ننطلق بحوكمة صالحة لإصلاح هذا النظام الفاسد”.

المشهد اللّبناني من سوريا وسوق التهريب

التبادل التجاري بين سوريا ولبنان موجود منذ الفدم وعمليات التهريب ليست جديدة، لكنها في السابق كانت مرفوضة اجتماعيًا حتى في المناطق الحدودية. إلا أن هذا الرفض تلاشى نوعًا ما منذ بدء الانهيار الاقتصادي في لبنان حيث تحوّلت عمليات التهريب التي كانت تعتبر مشينة إلى مهنة لدى البعض لكي يضمنوا بقاءهم وإلى فعل مقاومة بحسب ما أدلى به الشيخ صادق النابلسي حين قال: "التهريب جزء لا يتجزأ من عملية المقاومة”. وضمن كل هذا صار المواطن السوري يجد البضائع اللبنانية المدعومة في الأسواق السورية في الوقت الذي يتقاتل فيه اللبنانيون عليها. تقول الصحافية السورية زها (اسم مستعار) إنه في الشام وفي منطقة البرامكة يوجد شارع يُطلق عليه اسم سوق التهريب. يتضمّن هذا الشارع محالّ وعربيات وتجّارًا يبيعون المعلبات ومواد التنظيف غير المتوفّرة في الأسواق السورية بسبب الحصار الإقتصادي وصعوبة الاستيراد والتصدير. في الفترة الأخيرة بدأت المواد اللبنانية المدعومة بالظهور في هذا السوق، حيث يتم بيعها بسعر مرتفع، فمثلًا سعر علبة البيكون الكبيرة يوازي سعرها تقريبًا الستة دولارات.



بحسب زها، فإن الذين يديرون هذا السوق يتحدّثون بشكل صريح عن البضائع التي تهرّب من لبنان وعن تجارتهم اليومية. لكنّ هذا السوق الواقع في الشام ليس سوى امتداد بسيط لسوق التهريب الأساسي الموجود في بلدة مضايا التابعة لمنطقة الزبداني الواقعة على الحدود اللبنانية والتي تشهد أكبر عمليات تهريب عبر المعابر غير الشرعية. ومن المتعارف عليه أن العائلات السورية تقصد سوق مضايا لشراء البضائع الخارجية وتحديدًا تلك التي يتم تهريبها من لبنان إلى السوق السوري المغلق على نفسه.

يقول م. ق إن الإحتلال السوري في لبنان قائم حتّى اللحظة، ويشرح: “حلفاء سوريا في لبنان يسعون للحفاظ على مصالحهم الخاصّة ومنها الأمنية والاقتصادية عبر حصارنا بالنظام الأسدي مجدّدًا. يقنعون أتباعهم أن التهريب ضروري وأن فك الحصار عن سوريا عبر استخدام موادنا الأولية والغذائية هو فعل مقاومة وبديل اقتصادي عن العمل الشريف. وفي الوقت عينه يطلبون منهم أن يسند بعضهم بعضًا في هذه المرحلة العصيبة بينما يقتلون هم كل الحلول الحكومية التي يمكنها أن تنقذ البلد لكي يضمنوا مركزهم السياسي مع حلفائهم. في الواقع نحن لا نريد شيئًا سوى الحصول على حقوقنا الغذائية التي ندفع ثمنها كي تنتهي هذه الدائرة الفاسدة من تكرار نفسها والعبث بحياتنا. وكلّنا نعرف من يسيطر على الحدود”.

ويضيف: “صحيح أن حواجز الجيش السوري لا ترى بالعين المجرّدة على طرقاتنا، لكن المعابر غير الشرعية الممتدة من البقاع الأوسط وصولًا إلى الشمال هي حواجز أيضًا، ربّما لا تفرض علينا أن نقدّم رشوة لكي نمر عبرها لكنها تسمح بتهريب لقمة عيشنا إلى الأسواق الخارجية. وفي هذه الأوقات الصعبة كل ربطة خبز، كل قالب جبنة وكل منتج غذائي مدعوم يتم بيعه في الخارج هو سرقة لنا، ولأموالنا ولحقّنا بالعيش بكرامة”.

الشعب اللبناني يُنهب أكثر من مرّة ومن كل النواحي. المصارف تصادر أمواله، المصرف المركزي يستخدمها والتجار يستغلّون الحصار المفروض على الشعب السوري من خلال عمليات التهريب ويستغلون الشعب اللبناني من خلال الاحتكار كوسيلة لتحقيق الأرباح السريعة والنجاة من الانهيار الاقتصادي واستغلال الحصار في سوريا

في أوساط محدّدة في سوريا يحكي الناس عن البضائع اللبنانية المدعومة التي تصلهم وكيف أنها تؤخذ من درب الناس المحتاجين في لبنان لتصل إلى الذين يحتاجونها في سوريا. تحكي ز. ش أنها قبل أشهر زارت سوق مضايا حيث وجدت كل أنواع البضائع المهرّبة الأساسية وغير الأساسية. وكيف أن هذا السوق هو متنفّس للعائلات السورية تحديدًا في ظل تفشي وباء كورونا حيث تم إقفال الحدود ولم يعد بمقدورهم أن يقصدوا لبنان لشراء البضائع التي يحتاجونها. تقول ز. ش: “في الفترة الأخيرة وبسبب الانهيار الاقتصادي الحاد في لبنان والمشاهد التي وصلتنا عن الشجارات التي تحدث داخل المحال التجارية على البضائع المدعومة ومدى صعوبة الوضع ظهر خطاب “هاي البضايع الي عم يتخانقوا عليها اللبنانيين هي الي عم توصلنا على سوريا” لكن حتى اللحظة هذا الخطاب ليس منتشرًا فعليًا”.

بالنسبة لزها فإن الأزمة الحقيقية في سوريا هي أزمة البنزين التي تجعل المواطن السوري ينتظر أمام المحطّة لأيام في بعض المحافظات بهدف تعبئة سيارته بالوقود. والوقود ليس من الكماليات بل مادّة أساسية حيوية يحتاجها الناس، وبالتالي أصبح الوقود اللبناني المهرّب في هذه الأوقات هو الحل وانتعش تهريبه إلى سوريا. ويصل سعر التنكة الواحدة إلى 80,000 ليرة سورية. وتقول: “العديد من الأشخاص يقولون بين المزح والجد المُرافقين بشعور الذنب إنهم يأخذون الوقود اللبناني لأن لا حل آخر أمامهم. حتّى أنني قبل أشهر انتظرت أربع ساعات لأملأ سيارتي بالبنزين ودفعت 140,000 ليرة سوري".

على طريق عودتها الأسبوع الماضي من لبنان إلى سوريا لاحظت ز. ش أن عدد الأفراد الذين يقفون على طريق مضايا بهدف بيع الوقود انخفض مقارنة بالأسابيع السابقة. وأخبرها السائق أن هناك محاولات منع للتهريب عبر المعابر غير الشرعية والشرعية والتي بحسب ما تقول تسمح أيضًا بتمرير الوقود. لكن ما لاحظته هو أنه بعد قطع منطقة الحدود يقف أصحاب السيارات اللبنانية ويفرغون حمولة سياراتهم من الوقود بطريقة مباشرة داخل السيارات السورية، ويبدو أن هذا هو الأسلوب الأخير الذي يتم اتباعه في ظل محاولة محاربة التهريب.

يعاني الشعب السوري من نظامه ومن تحالفاته السياسية تمامًا كما يعاني الشعب اللبناني من المنظومة الحاكمة، وبالتالي في ظل الحصار في سوريا والاحتكار والانهيار في لبنان، سيلجأ كل مواطن إلى خلاصه الفردي. وعن تداعيات السياسات التي يتم اتباعها يقول الباحث مكرم رباح: “للأسف نحن الآن في منتصف النموذج الفنزويلي وما سنشهده في الأشهر والسنوات القادمة هو انهيار تام للأمن السياسي والاقتصادي ترافقه حالات من الشغب وارتفاع نسبة جرائم القتل. وكل هذا ليس سوى نتيجة عرقلة الأحزاب لإمكانية استرداد رأس الدولة. وكما رأينا تحوّل لبنان إلى مرفأ لتصدير المخدّرات الى الخليج، ومن هنا ستعلن البيئة العربية حصارها وعقوباتها الاقتصادية على لبنان الذي تحوّل بالنسبة لها إلى مركز لتصدير الثورة الإيرانية وعدم الاستقرار ومحاولة العبث بأمنها الخاص”.

وعن الحل الذي يمكن اللجوء إليه، يقول: “المطلوب هو أن تعود الدولة إلى دورها الطبيعي وأن تطلب رسميًا من الدول العربية الشقيقة بمدّها بالأموال. فالمشكلة الأساسية ليست اقتصادية وغذائية بل هي سياسية مرتبط بحزب الله الذي يسيطر على الدولة اللبنانية”.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard