من مناطق الحروب إلى الدول النفطية... الأمن الغذائي يكشّر عن أنيابه

الجمعة 30 أبريل 202111:49 ص

بدأ شهر رمضان في 12 نيسان/ أبريل الجاري، إنه شهر الصيام والولائم، إذ تفسح ساعات منع النفس الطويلة عن الأكل والشرب المجال لتناول وجبات كبيرة بعد غروب الشمس. تم تقليص الاحتفالات بسبب جائحة كورونا. مع تخفيف القيود في بعض الدول العربية، تتطلع العائلات إلى أوقاتٍ أكثر احتفالية. مع ذلك، يصارع الكثيرون من أجل توفير الطعام لعوائلهم.

 يقدر برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة أن 960 مليون شخص لا يملكون ما يكفيهم من الغذاء كي يتمتعوا بالصحة المطلوبة. يوجد حوالي 64 مليون منهم في 12 دولة عربية، أي أن واحداً من كل ستة يعيش تحت خط الجوع. جعلت الحروب والأزمات الاقتصادية الجوع حقيقة مزمنة في حياة البعض. حتى الحكومات المستقرة قلقة بشأن تأثير ارتفاع أسعار الغذاء.
64 مليون شخص في 12 دولة عربية لا يملكون ما يكفيهم من الغذاء كي يتمتعوا بالصحة المطلوبة، أي أن واحداً من كل ستة يعيش تحت خط الجوع
تبدو المشكلة أكثر حدة في سوريا واليمن، حيث يعاني حوالي نصف السكان من الجوع . لا يبدو الأمر مختلفاً كثيراً في ليبيا التي تصارع حرباً أهلية مزقت البلاد وجعلتها تبدو كانتونات يحكمها أمراء الحروب. أعلنت وزيرة خارجية إيطاليا مؤخراً أن ليبيا تواجه شبح مجاعة قادمة. أصبحت سلة الغذاء الأساسية في سوريا: الخبز، والرز، والعدس، والزيت، والسكر، أغلى بنسبة 222٪ في شباط الماضي مقارنة بالعام الذي سبقه. تكلف السلة الآن أكثر من ضعفَي الراتب الشهري لموظف عادي لدى الحكومة. تحذر الأمم المتحدة من مجاعةٍ وشيكة الحدوث في اليمن. أوقفت وكالات الإغاثة توزيع الحصص الغذائية بسبب تناقص الميزانيات. دفع نقص الوقود في كلا البلدين إلى ارتفاع أسعاره بشكلٍ غير مسبوق.
كانت اللحوم سلعة رفاهية لا يستطيع العديد من السوريين توفيرها منذ زمن. يبدو أن منتجات الألبان والفاكهة تسير على ذلك الطريق كذلك، وبسرعة. أصبح الخبز، أرخص مصدر للسعرات الحرارية، غائباً عن الوجبات الغذائية غالباً، اذ أصبح يُعد وجبة بحد ذاته. مع ذلك، قد يستغرق الأمر ساعات طويلة من الانتظار في طابورٍ للحصول على كمية بسيطة من الخبز المدعوم من قبل الحكومة. كانت سوريا قبل الحرب تنتج ما يكفي من القمح لتلبية احتياجاتها. وحسب دراسة نشرت العام الماضي من قبل جامعة هومبولت في برلين واستخدمت بيانات الأقمار الصناعية أن سوريا فقدت 943 ألف هكتار من الأراضي القابلة للزراعة، أي انخفاض بنسبة 20 ٪ تقريباً، بين عامي 2010 و 2018.
تُصارع الدول الأخرى تحدياتٍ جديدة. في لبنان، كلفة طبق من الفتوش، وهي سلطة خضار مع قطع خبر محمصة، لعائلة مكونة من خمسة أفراد، 6,000 ليرة لبنانية (4 دولارات) العام الماضي. منذ ذلك الحين، تسببت الأزمة المالية في خسارة العملة اللبنانية حوالي 90٪ من قيمتها وارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 417٪ العام الماضي ليصبح الفتّوش طبقاً للميسورين فقط.
على الرغم من أن لبنان يستورد أغلب المواد الغذائية، باتت المنتجات المحلية أكثر تكلفة أيضاً. طبق الفتوش نفسه يُكلف الآن أكثر من 18,000 ليرة. من أجل الحصول على وجبة إفطار بسيطة مكونة من الحساء، والسلطة، وطبق رئيسي بالدجاج، كل ليلة من رمضان، قد يكلف ضعفين ونصف الحد الأدنى للراتب الشهري البالغ 675,000 ليرة، حسب تقديرات الجامعة الأمريكية في بيروت. شهدت محلات السوبر ماركت شجارات بشأن توزيع مواد أساسية مدعومة من قبل الحكومة مثل زيت الطهو الذي أصبحت بعض المتاجر توزعه تحت حماية قوات مسلحة. لقي شخص لبناني مصرعة أثناء شجارٍ في أحد مراكز توزيع الطعام في بيروت يوم 13 نيسان/ أبريل.
تنبأ بنك غولدمان ساكس في كانون الثاني/ يناير الماضي، ببدء "دورة فائقة" في استهلاك السلع، مع ارتفاع الطلب بسبب تخفيف القيود الاجتماعية التي فرضتها جائحة كورونا وضعف الدولار. يُعد هذا الأمر مصدر قلقٍ في مصر التي تستورد 13 مليون طن من القمح سنوياً لانتاج الخبز المدعوم من قبل الحكومة. تعتمد الميزانية المصرية على متوسط سعر يبلغ حوالي 200 دولار للطن من القمح المستورد. في وقتٍ سابق من هذا العام، كانت أسعار القمح تحوم حول 240 دولاراً للطن، ويرجع ذلك جزئياً إلى فرض روسيا ضرائب جديدة على الصادرات. قال وزير المال المصري إن الحكومة قد تبدأ في اتخاذ إجراءات التحوط في التعامل مع عقود استيراد القمح لتجنب تأثير ارتفاع الأسعار المستقبلية. وصلت أسعار الأرز، وهو عنصر أساسي آخر في المائدة في المصرية، أيضاً إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات.
أدى ضعف الطلب في مصر إلى إبقاء التضخم منخفضاً حتى الآن إذ ظلت أسعار المواد الغذائية ثابتة أو انخفضت في الأشهر الأخيرة. لكنها قد تبدأ في الصعود في وقتٍ لاحق من هذا العام. حتى زيادة قليلة في الأسعار، لو حدثت، ستكون مؤذية. يعيش ثلث المصريين بنحو 736 جنيهاً (47 دولاراً) في الشهر. ارتفع مؤشر أسعار الغذاء العالمي الذي تصدره الأمم المتحدة لمدة عشرة أشهر متتالية، ووصل في آذار/مايو الماضي إلى أعلى مستوى له منذ منتصف عام 2014. ما يزيد الطين بلة أن السلطات المصرية قررت رفع أسعار البنزين مرة أخرى بنسبة 3% و 4%. قد تبدو هذه الزيادة قليلة نسبياً، لكن في بلد يصارع العديد من ابنائه للحفاظ على قدرتهم الشرائية، يصبح الأمر دافعاً لزيادة حدة صراعهم لأجل ذلك.
ارتفع مؤشر أسعار الغذاء العالمي الذي تصدره الأمم المتحدة لمدة عشرة أشهر متتالية، ووصل في آذار/مايو الماضي إلى أعلى مستوى له منذ منتصف عام 2014. كيف ستتعامل البلاد العربية المنهكة أصلاً مع هذا الارتفاع؟
 ارتفاع أسعار المواد الغذائية هو السبب الرئيسي للتضخم في السعودية، إذ ارتفعت بنسبة 11% في شباط/ فبراير الماضي. قرار السلطات السعودية الأخير بمنع استيراد منتجات الفواكه والخضر من المنتجات الزراعية اللبنانية بسبب عدم قدرة السلطات اللبنانية على وقف استخدامها كنافذة لتهريب المخدرات الى المملكة العربية السعودية، سيزيد بلا شك من قوة دفع أسعار تلك المنتجات في الأسواق السعودية. مع ذلك تبقى المملكة أحد أكثر البلدان في العالم هدراً للطعام. يدعي السعوديون أن شهر رمضان هو شهر التقى والطاعة ومساعدة الفقراء والمحتاجين من المسلمين، لكنهم في الوقت نفسه يزدادون في إنفاقهم على شراء واستهلاك الأغذية وزيادة الهدر الذي يكلف المملكة نحو 40 مليار ريال (حوالي 11 مليار دولار) في شهر رمضان، حسب الأرقام الرسمية.  
في دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي واحدة من أغنى دول العالم، ينفق المواطنون والمقيمون الأثرياء 100 دولار للفرد على بوفيهات رمضان. لكن حتى في ذلك البلد، ناقش مجلس الوزراء فكرة تحديد أسعار المواد الغذائية. بدأت الإمارات العربية المتحدة في زراعة أصناف من المنتجات الزراعية في الصحراء، كل شيء من الطماطم إلى الكينوا، لكنها لا تزال تستورد 90٪ مما يستهلكه السكان. ولأن عملة الإمارات، الدرهم مربوطة بالدولار، كما هو الحال في معظم دول الخليج، فإن ضعف الدولار يعني ارتفاع الأسعار في الأسواق. طلبت السلطات في البلاد من أسواق البقالة تقديم خصومات أثناء شهر رمضان. هذا أمر يمكن لدولة الإمارات العربية المتحدة تحمله. لكن في بلدانٍ أخرى من المنطقة، ربما تكون السنوات المقبلة سنوات عجافاً.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard