جواز سفر كورونا... مفتاح العودة للحياة الطبيعية أم شكل جديد من التمييز؟

الخميس 29 أبريل 202105:03 م

أحدثت جائحة كورونا تغييرات جذرية في حياتنا اليومية وبات السفر يحتاج إلى إجراءات مرهقة، كاختبار "PCR" للتأكد من عدم الإصابة بهذا الفيروس، بالإضافة إلى قيام بعض الدول بفرض حجر إلزامي في الفنادق لمدة أيام على نفقة المسافرين/ات.

ومع استئناف الرحلات الجوية، يكثر الحديث مؤخراً عن جوازات سفر لقاح كورونا، بحيث تتطلع دول مختلفة لتعزيز سلامة السفر وتقليل انتشار فيروس كورونا المحتمل، عن طريق إطلاق جواز سفر يثبت أن حامله قد تلقى اللقاح.

غير أن شهادات التطعيم هذه أثارت العديد من الجدل وأدت إلى انقسام الرأي العام بشأنها: ففي حين اعتبرها البعض بمثابة "تذكرة المرور" إلى الحياة الطبيعية، لكونها تشكل دليلاً على أن الشخص المعني تلقى اللقاح، فإن البعض الآخر اعتبر أن "جواز سفر كوفيد" هو إجراء غير فعّال وينتهك الحرية الفردية.

التاريخ يعيد نفسه

في هذه المرحلة من جائحة كوفيد-19، من غير الواضح كيف ومتى قد تعود حياتنا إلى طبيعتها...

ويعدُّ جواز سفر كورونا من بين الاستراتيجيات المقترحة للمساعدة في تأمين تجربة سفر أكثر أماناً وسلاسة واستئناف النشاطات المعتادة، فهو عبارة عن مستند ورقي أو رقمي، يتضمّن بعض المعلومات التي تفيد بأن صاحبه حصل بالفعل على لقاح كورونا، نوع اللقاح، مكان التلقيح ومستوى الأجسام المضادة.

غير أن هذه الخطوة التي تعوّل عليها بعض الدول الأجنبية والعربية، مثل البحرين والعراق، لإنهاء إجراءات التباعد الاجتماعي، تلقى انتقادات كثيرة بسبب تخوّف البعض من أن تخلق شهادة التطعيم هذه حالة انقسام حادّ في المجتمع.

أثارت جوازات سفر كورونا العديد من الجدل وأدت إلى انقسام الرأي العام بشأنها: ففي حين اعتبرها البعض بمثابة "تذكرة المرور" إلى الحياة الطبيعية، لكونها تشكل دليلاً على أن الشخص المعني تلقى اللقاح، فإن البعض الآخر اعتبر أن "جواز سفر كوفيد" هو إجراء غير فعّال وينتهك الحرية الفردية

وفي هذا الصدد، كشف موقع سي إن إن أن الجدل الدائر حالياً حول شهادات التطعيم كشرط للدخول إلى بلد معيّن ليس جديداً بل يعود إلى أكثر من 120 عاماً، فهل التاريخ يعيد نفسه؟

في تسعينيات القرن التاسع عشر، أطلقت الحكومة البريطانية في الهند سلسلة من الإجراءات في محاولة لوقف انتشار الطاعون، بما في ذلك مطالبة المسافرين/ات بتقديم إثبات على تلقيهم/نّ اللقاح المضاد لهذا المرض البكتيري، غير أن الأشخاص الذين كانوا يعيشون تحت وطأة الاستعمار البريطاني في الهند اعتبروا أن شهادات اللقاح ليست سوى إجراء جائر يهدف إلى الحدّ من السفر والسيطرة على تحركات المواطنين/ات.

في هذا السياق، قال عالم الوبائيات ومحرر موقع the History of Vaccines project، رينيه ناجيرا، إن الدكتور فالديمار هافكين، الذي ابتكر أول لقاح فعّال ضد مرض الطاعون، انضم إلى حكومة الهند عندما كانت تحت الحكم البريطاني وتم تكليفه بإحباط انتشار الطاعون في البلاد.

وكشف ناجيرا أن هافكين كرّر في النهاية نجاح لقاحه المضاد للكوليرا بلقاح ضد الطاعون، والذي استخدمه في البداية لتلقيح نفسه وسجناء بومباي.

لكن التوترات التي حدثت بين المسؤولين البريطانيين والشعب الهندي كانت عالية بالفعل في ذلك الوقت، ووصلت إلى ذروتها في العام 1897 عند إقرار قانون الأمراض الوبائية، الذي منح مسؤولي القطاع الصحي صلاحيات لاتخاذ التدابير اللازمة بغية السيطرة على انتشار المرض، كإرغام مرضى الطاعون على إخلاء منازلهم وحرق المباني الموبوءة، بالإضافة إلى الطلب من المواطنين/ات حمل شهادات التطعيم.

هذه الإجراءات أدت إلى إضرابات مدنية في جميع أنحاء البلاد وتحوّل البعض منها إلى أعمال عنف.

في هذا الإطار، قال أستاذ التاريخ في جامعة يورك، سانجوي بهاتاتشاريا، إن المسؤولين في الهند البريطانية كانوا قلقين أيضاً بشأن مواقع الحجّ الهندوسية والإسلامية، حيث يمكن أن يتجمّع الآلاف من الناس في وقت واحد، وبدوره قال رينيه ناجيرا إن الحجّ كان دافعاً لإصدار شهادات التطعيم.

غير أن شهادات التلقيح لم تتمكن من ضبط السفر، ويثبت العدد الهائل من الأشخاص الذين كانوا يتنقلون في جميع أنحاء الهند أن إجراءات الرقابة تلك كانت غير فعّالة.

بين السلامة العامة والهواجس الأخلاقية

بصرف النظر عن مخاوف البعض بشأن تقييد الحرية، أعرب العديد من الأفراد عن مخاوف كثيرة بشأن قضايا الخصوصية والتمييز والأمن التي قد تنشأ عن جوازات سفر كورونا التي باتت تشترطه بعض الدول لدخول الحانات والمطاعم وقاعات الحفلات الموسيقية.

فبالرغم من أن شهات التطعيم قد تسهّل عملية العودة إلى حياة اجتماعية واقتصادية شبه طبيعية، لكن البعض يصرّ على أن هذه الخطوة تعزز الشرخ بين الأفراد، انطلاقاً من حقيقة أن اللقاح غير متاح للجميع.

بمعنى آخر، إن منح "إمتيازات" معيّنة للأشخاص الذين حالفهم الحظ وتمكنوا من الحصول على اللقاح هو أمر يثير العديد من الهواجس الأخلاقية، وهي مسألة سبق وأن رفضتها منظمة الصحة العالمية، معتبرة أن السبب الرئيسي لعدم دعم جوازات السفر اللقاحية هو "أخلاقي"، بالأخذ بعين الاعتبار النقص العالمي في جرعات اللقاح.

وبالتالي، يعتبر المنتقدون أن منح جوازات سفر كورونا لن يكون عادلاً بالنسبة لمواطني الدول الأكثر فقراً، الأمر الذي قد يتسبب في حرمان الأشخاص الذين لا يستطيعون الحصول على اللقاح من متابعة نشاطاتهم وتقييد تحركاتهم.

منح "إمتيازات" معيّنة للأشخاص الذين حالفهم الحظ وتمكنوا من الحصول على اللقاح هو أمر يثير العديد من الهواجس الأخلاقية

هذا ويعتبر البعض أنه حتى ولو أصبحت اللقاحات متاحة على نطاق أوسع، فمن المرجّح أن تظل هناك فئات غير مستهدفة في عملية التطعيم، ما قد يؤدي إلى التمييز ويعزّز من عدم المساواة، بخاصة وأن نظام جوازات السفر سيستثني بشكل أساسي الأشخاص الذين لديهم اعتراضات دينية أو فلسفية على التطعيم.

تعليقاً على هذه المخاوف، أكدّ الأخصائي في علم النفس والباحث الاجتماعي محمد الطناوي لرصيف22، أن تلقي اللقاح هي مسألة متعلقة بالسلامة العامة، وبالتالي اعتبر أنه من المرفوض ترك عملية التطعيم تخضع لخيارات الأفراد: "لا يمكن رفض اللقاح بحجة الحرية الشخصية، إذ إن ذلك من شأنه مفاقمة الوضع والتأثير على السلامة العامة".

وفي السياق نفسه، تحدث الطناوي عن تخوّف البعض من الآثار الجانبية للقاح، مشيراً إلى أن الدراسات والأبحاث كشفت أن نسبة الآثار الجانبية لا تتعدى النسبة التي قد يحملها أي علاج آخر، غير أن النقاشات الحاصلة حول اللقاح تثير الخوف والفوضى المعلوماتية: "المشكلة تكمن في أن العالم كله اليوم يصب كل اهتمامه على اللقاحات، ما يضخم المسألة وينشر الخوف والفوضى منذ بداية ظهور فيروس كورونا لحدّ الآن، بخاصة في ظل عدم اليقين وحالة الارتياب التي نعيشها".

واعتبر الطناوي أنه في ظل تخبط العالم بالفوضى العارمة، فإنه لا بدّ من اتخاذ قرارات حاسمة، وفق إرشادات الطاقم الطبي وبمعزل عن رغبة الأفراد: "بعض الأشخاص قد يرفضون تلقي اللقاح لاعتبارات دينية أو نتيجة مخاوف معيّنة، إلا أن ذلك مرفوض لكونه يهدّد السلامة العامة"، وتابع بالقول: "هناك مقولة شهيرة تقول أنت حرّ ما لم تضرّ، ولكن مسألة رفض اللقاح تعني المساهمة في تفشي الوباء وإلحاق ضرر بالآخرين".

هذا وأشار محمد الطناوي إلى أنه، وفي ظل الظروف الاستثنائية التي يمرّ بها العالم أجمع، فإنه من الطبيعي أن تتخذ اللقاحات وقتاً طويلاً لكي تصبح متاحة للجميع، ما قد يقيّد الحريات الشخصية والتحركات الفردية، "وهو أمر مقبول تماماً"، وفق قوله، مشدداً على أهمية ربط السفر بتلقي اللقاح للحدّ من تفشي الوباء.

هل سيصبح جواز سفر كورونا شرطاً أساسياً للسفر؟

لا يختلف مفهوم "جواز سفر كورونا" كثيراً عمّا كان عليه في السابق، فهو دليل على تلقي اللقاح، سواء على الورق أو على شكل رقمي، ويتيح للشخص إمكانية الدخول إلى البلدان الأجنبية التي تطبّق هذا الإجراء، كما أنه يهدف إلى إبقاء أولئك الذين لم يتم تطعيمهم خارج الأماكن العامة حيث يمكنهم نقل فيروس كورونا، والسماح للأشخاص الذين تلقوا اللقاح بالعودة نوعاً ما إلى حياتهم الطبيعية.

قد لا يكون مناسباً من الناحية الأخلاقية تقسيم سكان العالم إلى فئتين، إحداهما أكثر امتيازاً من الأخرى بسبب وصول اللقاح إليها وحمل جواز سفر كورونا، إلا أن هذا التقسيم قد يحدث فرقاً حقيقياً في السلامة العامة

ولكن في ظل الإنقسامات الحادّة بين الدول وتدابيرها المختلفة للحدّ من فيروس كورونا، بالإضافة إلى اعتمادها على نوع لقاح معيّن دون سواه، يشير التاريخ إلى أن اعتماد جوازات سفر اللقاح لن يتم بسلاسة ولن يحدث دفعة واحدة.

وبالتالي كما كان من الصعب تنفيذ هذه المسألة في تسعينيات القرن التاسع عشر، فقد يكون الأمر نفسه في العام 2021.

في نهاية المطاف، قد لا يكون مناسباً من الناحية الأخلاقية تقسيم سكان العالم إلى فئتين، إحداهما أكثر امتيازاً من الأخرى بسبب وصول اللقاح إليها وحمل جواز سفر كورونا، إلا أن هذا النوع من "التقسيم"، إن جاز التعبير، قد يحدث فرقاً حقيقياً في السلامة العامة، وبالتالي من الممكن أن تكون الانقسامات مؤقتة وتدوم فقط حتى تكون هناك حصانة واسعة النطاق في وجه هذا الفيروس القاتل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard