سياسات الهوية ومعضلة البيضة والدجاجة

الثلاثاء 18 مايو 202110:02 ص

في ستينيات القرن الماضي، رفعت الموجة النسوية الثانية شعار "الشخصي هو سياسي". كان لهذا الشعار وقع ثوري، ففيه تجسّد الإدراك المتعاظم بتقاطع أطر العيش الخاصة والسياسية. منذ ذلك الحين، أخذت سياسات الهوية بالترسّخ حتى أضحت النسق المهيمن على أشكال النشاط السياسية والنضال الحقوقي.

لكن في العقود الفائتة، شهد هذا المفهوم تبدلاً ملحوظاً من حيث الصيغة والتطبيقات. فما بدأ كمقاربة سياسية للهوية، بمعنى أن "كل الهويات سياسية"، تحول إلى مزاعم بأن "كل سياسة هي سياسة هوية".

المعضلة هنا هي من النوع السببي، على نحو مشابه بمعضلة "البيضة والدجاجة". في هذه الصيغة النهائية، تأتي السياسة كنتاج للهوية، لا العكس، وكأن الهويات تخلق من العدم وتتشكل على مستوى الفرد وحده.

في ستينيات القرن الماضي، رفعت الموجة النسوية الثانية شعار "الشخصي هو سياسي". كان لهذا الشعار وقع ثوري، ففيه تجسّد الإدراك المتعاظم بتقاطع أطر العيش الخاصة والسياسية

يثير هذا الطرح إشكاليات كثيرة لما فيه من توكيد على الطابع الفردي للهوية وللسياسة على حد سواء، يقابله طمس لديناميات القوة التي تتشكل على أساسها الهوية.

أزمة الهوية

تخفق سياسات الهوية في فهم التناقضات المتأصلة في مفهوم الهوية حيث تختفي الحدود بين الفردي والجماعي، الداخلي والخارجي، التجربة والفانتازيا، الخيار والفرض. نقتبس عن مؤلفَي كتاب "ٌإعادة النظر في سياسات الهوية"، ليندا ألكوف وساتيا موهانتي، تعريفهما للهوية على أنها "مجموعة من الحقائق المتجسّدة اجتماعياً".

ما بدأ كمقاربة سياسية للهوية، بمعنى أن "كل الهويات سياسية"، تحول إلى مزاعم بأن "كل سياسة هي سياسة هوية"

بمعنى آخر، الهويات هي فئات اجتماعية وسياسية تتبلور بناءً على تجارب مشتركة، لا سيما تجارب التمييز والقمع، ما يجعلها هويات مفروضة من الخارج، ممن يتربعون على قمة هرم السلطة.

وبقدر تجسّدها الاجتماعي، تبقى الهوية تركيباً متخيلاً ومخترعاً. هنا يمكن ذكر التمييز الهام الذي أقامته سيمون دي بوفوار بين الجنس كمحدد بيولوجي والجندر كمركب اجتماعي ينطوي على أدوار وسلوكيات، وبالطبع على "هوية". تطور هذا المفهوم على يد جوديث باتلر التي تناولت الطابع الأدائي للنوع الاجتماعي بوصفه "وهماً مقنعاً" تتشكل على أساسه الهوية الجندرية.

ينسحب هذا المثل على انتماءات اجتماعية أخرى مفروضة علينا من مصادر خارجية، يتم استدماجها واجتيافها داخل تركيبنا النفسي. لكن في الفهم الجديد للهوية، تتخذ اليد الخفية للبنى السلطوية موقعاً ثانوياً فيما تتقدم عليها العناصر السيكولوجية الفردية لذات مخترعة ومختارة بكامل إرادتها الحرة. ويمكن الحديث اليوم عن نشاطية سياسية أدائية تقودها هويات متكاثرة ومتفرّعة تطالب جميعاً بالاعتراف ضمن المنظومة القائمة.

أزمة اليسار في بازار الهويات المتشرذمة

بالرغم من طابعها الليبرالي، لاقت سياسات الهوية استحساناً لدى اليسار العالمي، والغربي خصوصاً، الذي تبناها ضمن منهجياته وأدواته، وذلك بالرغم من الاختلاف الجذري من حيث المقاربة والأولويات، وإن كان الهدف التحرري هو نفسه. فمع انهيار المعسكر الاشتراكي، اتجه التيار اليساري إلى التخلي عن "سياسات إعادة التوزيع"- أي إعادة توزيع الثروات وأدوات الإنتاج والتراتبيات الاجتماعية- لصالح سياسات التمثيل والاعتراف.

تخفق سياسات الهوية في فهم التناقضات المتأصلة في مفهوم الهوية حيث تختفي الحدود بين الفردي والجماعي، الداخلي والخارجي، التجربة والفانتازيا، الخيار والفرض

لكن في مقابل هذا التوجه العام، ترتفع اليوم أصوات يسارية كثيرة معترضةً على تماهي اليسار مع سياسات الهوية. ومن الماركسيين الأكثر انتقاداً لهذا الواقع، سلافوي جيجيك الذي يرى أن سياسات ما بعد الحداثة تمثل "تراجعاً نظرياً عن مشكلة الهيمنة داخل الرأسمالية.

فنحن نتعامل هنا مع حالة نموذجية لآلية الإزاحة الأيديولوجية، حيث يتم التنصّل من العداء الطبقي وتعليق دوره الهيكلي الرئيسي، فتصبح علامات الاختلاف الاجتماعي الأخرى ذات وزن مفرط؛ في الواقع، قد تتحمل كل ثقل المعاناة التي تنتجها الرأسمالية".

يضعف ذلك دور اليسار وموقعه بالنسبة للسلطة، لا سيما سلطة المال، التي ترى في الصراعات السياسية القائمة على الهوية سوقاً لبيع العقائد والرغبات. تحتاج الهوية، تلك الفكرة المجردة والمتخيلة، إلى لوازم وأكسسوارات تسمح لها بالتجسد كحقيقة مادية في مجتمع مادي إلى أقصى الحدود. في بازار الهويات المتشرذمة، الرأسمالية هي المستفيد الأكبر.

أزمة الثقافة: من التعددية إلى القبلية

تشكل التعددية الثقافية احدى ركائز سياسات الهوية التي تكرس حق الأقليات بممارسة تمايزهم الثقافي. ومن هنا أخذ اليسار، كما الحركة النسوية، بالدفاع عن بعض الممارسات الثقافية التي تتنافى مع الأسس التحررية لهذين التيارين، وذلك تحت حجة الخصوصية الثقافية.

تشكل الهوية الإسلامية حالة فريدة في هذا الصدد، إذ نرى محاولات حثيثة لمصالحتها مع هويات أخرى، مثل الكويرية والنسوية. تقع هذه المحاولات في مأزق حين تجد نفسها مضطرة إلى التنازل عن مبدأ تحرري مقابل الآخر.

بالرغم من طابعها الليبرالي، لاقت سياسات الهوية استحساناً لدى اليسار العالمي، والغربي خصوصاً، الذي تبناها ضمن منهجياته وأدواته، وذلك بالرغم من الاختلاف الجذري من حيث المقاربة والأولويات، وإن كان الهدف التحرري هو نفسه

ولعل الجدل الأخير حول توجه الحكومة الفرنسية إلى منع الحجاب للفتيات تحت سن 18 عاماً خير دليل على هذه المعضلة. فالدفاع عن حق المجتمع الإسلامي بالاحتفاظ بهذا الرمز الثقافي والديني، وفرضه على فتيات قاصرات، هو دفاع عن وصاية هذا المجتمع على جسد المرأة وحريتها الجنسية.

كذلك، تثير ظاهرة "الكويرية الإسلامية" تساؤلات كثيرة حول إمكانية التوفيق بين جندر الشخص والنموذج الإسلامي- والديني عموماً- القائم على فكرة الاختلاف الجندري المتأصل والمتكامل؟ كيف يمكن للمسلم الملاءمة بين التزامه التقدمي تجاه "الاستقلالية الجسدية" وبين ملكية الله لجسده وسلطته عليه وعلى كيفية استخدامه له؟

من جهة أخرى، أدى تعاظم الحساسيات والعصبيات الثقافية إلى خلق مشهد سياسي قبلي. فالجميع يشعر بالتهديد: البيض والسود، الرجال والنساء، المثليون والمغايرون واللا جنسيون، الإسلام والمسيحيون واليهود (إلخ...) تتناحر الأقليات المضطهدة فيما بينها على لقب الجماعة ذات الرصيد الأدنى من الامتيازات، وبالتالي الأكثر جدارةً بالاعتراف.

أفضى ذلك إلى ظاهرة جديدة وفريدة من نوعها، وان كانت مثيرة للسخرية، وهي القبلية البيضاء التي لا تقل تظلماً وشعوراً بالاضطهاد من الفئات الأخرى. فالغريزة القبلية تتطلب الإشباع عبر الشعور بتميز القبيلة وتفوقها.

كيف يمكن للمسلم الملاءمة بين التزامه التقدمي تجاه "الاستقلالية الجسدية" وبين ملكية الله لجسده وسلطته عليه وعلى كيفية استخدامه له؟

لكن بعد قرون من الانتشاء على مشاعر القوة والتفوق، يجد البيض أنفسهم اليوم ممنوعين من الاعتزاز بهويتهم العرقية، ما نتج عنه ديناميات سياسية أقل ما يقال عنها إنها مَرَضية، كانتخاب ترامب رئيساً للولايات المتحدة الأميركية على سبيل المثال.

بالرغم من حسن النوايا، تنتهي مساعي سياسات الهوية جميعها بالوقوع في المحظور. وتكمن المفارقة هنا في عدم قدرتها على الذهاب بمفهوم الفردية إلى حدوده القصوى، أي إلى الحد الذي تتلاشى معه العناصر القمعية المتجسّدة في جوهر الهوية، باعتبارها جهازاً رقابياً يؤطر تجربة الفرد وسلوكياته ضمن الحدود الضيقة للهوية المفترضة.

إن هذه السمة القمعية تتحول لإشكالية حين يتم إسقاطها على الحركات السياسية التحررية التي تجد نفسها اليوم أمام حائط مسدود، فنراها تصارع السلطة حيناً، وتتآلف معها أحياناً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard