الهوية حين تُلقى في فرن التجربة

الثلاثاء 13 أبريل 202101:22 م

الاسم: زياد، النسبة: جبيلي، مكان وتاريخ الولادة: اللاذقية 1985، الجنس: ذكر. هذا جزء من بطاقة هويتي التي أحملها في جيبي. يُضاف إليها أشياء أخرى تتعلق بالدين الذي أعتنقه ومكان السكن وصورة لا أعرف ماذا كان بيني وبين المصور يومها ليجعلني أشبه "آيس فينتورا". الصورة لا تشبهني وأنا لا أشبهها وكلانا لا نشبه أحداً آخر. لذا، فهي فريدة تماماً، وربما هذا هو الشيء الوحيد الذي يجعل البطاقة تمت بصلة إلى تعريف الهوية المشتق أصلاً من الضمير الغائب "هو".

لا شيء في بطاقة التعريف هذه يطابق التعريف العام الممهور بخصائص وسمات فردانية نفسية وجسدية وفكرية يتميز بها فرد عن آخر ما عدا الصورة، التي نكرهها جميعاً. ثم إذا اتفقنا أن هذا هو التعريف المنطقي لها، لماذا تُختصر إذاً إلى مجموعة أسماء وصفات وأرقام تسمى اصطلاحاً بـ"الرقم الوطني"؟ ستقول أن هذا يُسمى "هوية فردية" تندرج مع هويات فردية أخرى مشكلة "هوية مجتمعية"، والتي تنضم بدورها إلى هوية أكبر هي "الهوية الوطنية" أو "القومية". ويمكن أن يأخذ التقسيم منحى آخر ليشمل الهويتين الثقافية والفلسفية. بناء عليه، يمكننا وضع الهوية ضمن تصنيفين؛ الأول يعتمد على الوعي الجمعي وهو أفقي، أما الثاني فيعتمد على الفرادة والشخصنة والتمايز وهو الشاقولي.

حسناً إلى أين تريد أن تصل؟ بعد الحرب العالمية الثانية، لم يبق رجال في ألمانيا تقريباً. وبعد أن اقتسمها العالم الحر، بقيت النساء في الشوارع وسط الخراب والدمار والجوع والبرد والاغتصاب. كنّ يجمعن ما بقي من كتب ومجلات وجرائد وأي ورقة تحوي معرفة مهما كانت بسيطة بغرض إعادة بناء جيل ما بعد الحرب. في حادثة أخرى، يُروى أن رجلاً تجاوز دوره محاولاً الاقتراب من نافذة تبيع شيئاً ما. ويذكر أن امرأةً وبخته قائلة: "صحيح أننا خسرنا الحرب، لكننا لم نخسر أخلاقنا". يمكن أن تقول أن ما هذه إلا حكايا اخترعها الألمان ليواسوا أنفسهم. ويمكن أن تقول أن من قام بفعل الحرب لا يحمل أي أخلاق أصلاً. لكن ماذا عن "نوفاليس" و"نيتشه" و"غوته"؟ ماذا عن لقبهم الأعم والأشهر: "الماكينات"؟

تجاوزت الحرب في سوريا عامها العاشر. المجتمع السوري المنفتح والواعي والمثقف والجميل هي صفات تم تصديرها قبل الحرب، أو في الأقل هذا ما توهمه السوريون أنفسهم. فصدقوا أن السوري، أي سوري، هو خليفة الله على هذه الأرض مهما كان وأينما كان. السؤال المُلح هنا هو ماذا فعلت الهوية الأفقية/المجتمعية في مواجهة الهوية الطائفية أو العرقية؟ ماذا فعلت الهوية الثقافية المرتبطة سلفاً بمفهوم الثقافة التي يتميز بها الفرد في مجتمع ما، والمعتمدة بشكل مباشر على اللغة، في مواجهة هاتين الهويتين؟ كل ما فعلته هو إثبات خطأ توصيف المجتمع ما قبل الحرب وإزالة وهْم حضورها. وهذا للأمانة ليس هيناً.

آمل أن يكون ما فعله السوري بالسوري لا يندرج ضمن أطر الهوية

ما أثبته السوريون خلال الحرب بشأن الهوية هو التالي: "حقيقة الشيء المطلقة التي تشمل صفاته الجوهرية، التي تميزه عن غيره، وهي خاصية مطابقة الشيء لنفسه أو مثيله".

الذبح، الخطف، القتل، العرقية، الطائفية، المذهبية، التنكيل، الابتزاز، السمسرة، التشبيح بشقيه الموالي والمعارض أو المعارض، ولك أن تقرأ "الموالي" حسب رأيك أو طائفتك أو الجهة التي تصرف عليك أو تحميك أو تأويك. وأنا هنا لا أهاجم أحداً، إنما أوصف الحالة توصيفاً. الاستغلال والطمع والسعي إلى السلطة "داخلياً" ربما بامتلاك بطاقة تجعل مرورك أسرع على الحواجز، أو حتى بالتوسط لدى أحدهم لتوظيف أحدهم مقابل مبلغ من المال. و"خارجياً" ربما بالعودة على ظهر دبابة أو بلباس رسمي ومنصب يليق بالشتم الطائفي الذي بح حنجرتك، أو السعي نحو نساء هنا أو هناك، محجبات وسافرات، يشتركن بلقب وحيد: "أم الشهيد" أو "أخته" أو "زوجته"، أو ربما السعي نحو المال مجرداً، فالمال يجلب السلطة والنساء لاحقاً. يقول داريوس شاغان: "الهوية عبارة عن صورة مغلوطة للذات".

أتمنى أن يكون محقاً، آمل أن يكون ما فعله السوري بالسوري لا يندرج ضمن أطر الهوية. أحلم أن يكون الانسان خيراً بطبعه، وأن هناك مجموعة من الماسونيين هم من يسيروننا ويفرضون علينا أفعالنا وردود أفعالنا وأفكارنا وحتى كتاباتنا، وأننا مجرد شعب فقير متآمر عليه لا أكثر.

"أعط كل ما لديك لأنك لا تملك إلا ما تعطيه". هؤلاء هم المثل الأعلى وهم من يجب أن يُكتب عنهم. هؤلاء فقط ولولاهم ما كان للهوية أدنى تعريف أو قيمة

يمكن أن ينتهي هذا المقال المليء بالتعاميم هنا. ويمكن أن يستمر خطوتين إلى الأمام مؤكداً أن ما كُتب أعلاه ليس إلا النصف الفارغ فقط. أما النصف الآخر فهو مليء بسلوكيات وتصرفات وردود فعل تندرج بشكل أو بآخر تحت مسمى "الهوية" أيضاً؛ الاستثناءات الكثيرة أو الطفرات إن صح التعبير. أعتقد أنها، وعلى قلتها، شكلت نواة تضخمت مع مرور السنين وأصبحت قاعدة يمكنك البناء عليها حين تحلم بما هو أفضل: حين تكون غريباً في مدينة بعيدة عن مدينتك وتوقف أحد المارة وتسألته عن وجهة ما فإنه سيجيبك بتلقائية ثم سيتمادى ويسألك مبتسماً عن مدينتك التي فضحتك لهجتها. ثم سيذكر لك مناطق كان قد زارها فيها وربما أسماء أصدقاء له ربما تعرفهم ويعرفونك فتصبح أنت والغريب صديقان بسبب صداقتكما لأصدقاء مشتركين، متناسين اختلاف اللهجة والطائفة والعادات والتقاليد بينكما، ونصف مدينته المدمر وعدد أقربائك المخطوفين. ويمكن أن تسحب زاوية الرؤية إلى اليمين قليلاً أو إلى اليسار، فترى الجار يقرض جاره جرة غاز قائلاً: "لو كنت محلي كنت رح تعمل هيك كمان". أو أن ترى حملات شعبية تقوم على توزيع الفائض من كل شيء لديها على المحتاجين كالثياب والدواء مثلاً، وهذا ليس بقليل. ويهولك حجم التبرعات، ويهولك أيضاً أن المتبرعين يكادون يقاسمون الآخرين نصف ما يملكون بالضبط، الدروس الخصوصية المجانية، وقوف السيارت الخاصة أمام مواقف الباصات وعرض النقل المجاني من دون أن تُسجل حالة تحرش واحدة حين انقطع البنزين، تسديد الديون المترتبة على عوائل فقيرة دون أن تُعرف هوية المسدد، التبرع بمبالغ مالية من أجل القيام بعملية جراحية لأحدهم. يجب أن نعلم أن المتبرعين هنا هم أفضل حالاً بقليل من المتبرع لهم، بقليل فقط. هذا القليل هو ما يجعلنا نرى ضوءاً في نهاية هذا النفق.

"أعط كل ما لديك لأنك لا تملك إلا ما تعطيه". هؤلاء هم المثل الأعلى وهم من يجب أن يُكتب عنهم. هؤلاء فقط ولولاهم ما كان للهوية أدنى تعريف أو قيمة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard