"الفرنسية للحُبّ والجزائرية للسَبّ"... الهوية الجزائرية في السينما والتلفزيون

الثلاثاء 2 مارس 202111:27 ص

لا يزال عدد الأعمال الدرامية الجزائرية منذ تسعينيات القرن الماضي يتراوح بين خمسة وعشرة مسلسلات، معظمها يُعرض حصرياً في شهر رمضان، حتى بات الجمهور ينعت الدراما بـ"قلب اللوز" (تحلية تُقدَّم في شهر رمضان).

لم أشعر يوماً أن درامانا، وأستحي أن أقول هذا لأننا لا نملك دراما بعد، مرآة تعكس الواقع. لطالما كانت مرآة تعكس أكاذيب ومؤامرات النظام على مجتمع بأكمله لطمس هويته وإغراقه في هوية الآخر.

اللهجة الجزائرية والحب في الدراما

وقع المخرجون والكُتّاب في فخ الرقابة وتأقلموا مع القالب الذي فُرض عليهم، بإعطاء صورة نمطية عن الأسرة الجزائرية، بصفة خاصة، إذ قدّموها على أنها متكوّنة من أب متسلط وأم خاضعة، ذكور متسلطين وبنات لا حول لهم ولا قوة.

وُصِمَ الشعب الجزائري في الأعمال الدرامية بالقساوة والعنف والبلادة والبرود واللارومنسية، وقد ترسخت هذه الصورة في أذهاننا بل وصدّقناها. فقلما نرى زوجين يتعاملان أحدهما مع الآخر بإنسانية دون سخرية منه.

وعلى مرّ السنوات الماضية، صُوِّر الحب وكأنه جريمة، فإذا كانت هنالك قصة حب في العمل الدرامي تُجرَّم العاشقة وتُعنَّف من طرف أهلها. أما الحديث عن المشاعر فكان منعدماً تماماً، وقلما تُلفَظ كلمة "نحبك"، ولطالما اعْتُبرت كلمة خادشة لحياء الأسرة الملتئمة حول التلفاز.

كان استعمال كلمات فصحى يسبب لي الكثير من الإزعاج. ففي نقاش مع صديقة حول الأعمال الدرامية، اعترفت لها أنني أفضّل عملاً ركيكاً خالياً من الفصحى على عمل متكامل فيه كلمات "دخيلة"، وقصدت حينها الحديث عن عمل "موعد مع القدر" (2007) للمخرج جعفر قاسم، والذي أحدث نقلة نوعية في الدراما الجزائرية حين ظهوره، خاصة أنه كسر الصورة النمطية للبطل "الرُّجلة" (الرجل القوي والذكوري).

كان بطل العمل رومنسياً وهادئ الطباع، يبكي ويخاف ويعبّر عن مشاعره على عكس صورة الرجل التي اعتدنا على رؤيتها. كان عيب العمل الوحيد بنظري الاستعمال المبالَغ فيه للغة الفصحى. أذكر في أحد المشاهد استعمال المحقق لكلمة "جواز السفر" مع العلم أن كل الجزائريين يقولون "باسبور"، كما استُعملت عبارة "سائق السيارة" من قبل شابة عشرينية مع العلم أن الأخير معروف بـTaxieur أو "الشيفور" لدى كل طبقات الشعب.

لا زال استعمال العربية ظاهرة تثير سخرية ونفور الجمهور من الأعمال المحلية. يبدو خجل الجزائري من لهجته واضحاً جداً. وإن كان يوظّفها كما هي في الأعمال الكوميدية إلا أنها بنظره لا تصلح للمواقف الجدية، لذا يستبدل بعض العبارات بالفصحى.

علل المخرجون ذلك بأن أهل المشرق لن يفهموننا عند تسويق الأعمال إلى القنوات العربية، لكن السؤال الذي كان يدور دائماً في ذهني: كيف لنا أن نسوّق أعمالاً لا تعبّر عن هويتنا؟

لهجة الكوميديا حقيقية أكثر

كانت أنجح الأعمال تلك التي تشبهنا وكان أغلبها كوميدياً، ربما لأن اللهجة في الأعمال الكوميدية حقيقية، ولأنها كذلك تخلو من قصص الحب التي تشكل فعلاً عائقاً عند الممثلين، إذ لن يضطروا لاستبدال تعابير الحب بكلمات فصحى.

مشهد بسيط يوحي ببعض الرومانسية الساذجة "الجزائرية" يكاد يفرّق كل أفراد الأسرة في الغرفة من شدة الإحراج. اعترف أحد الممثلين ذات مرة أنه عُرض عليه عملان في موسم واحد فيهما قصة حب وظلّ يفكر طويلاً كيف سيتقبل الجمهور كلمة "نحبك".

من الطبيعي أن يتفاجأ الجمهور بقصص الحب والحوارات الرومانسية في مسلسلات القنوات الخاصة بعد فترة طويلة من الانغلاق، بدأت منذ بداية تسعينيات القرن الماضي.

"يعتقد الأجانب، خاصة في أوروبا، أن كل الجزائريات محجبات ومنقبات وكثيراً ما نتعرض نحن، غير المحجبات، لنفس السؤال: هل تخلعين الحجاب عند وصولك إلى أوروبا؟"

وأرجّح أن سبب نجاح الأعمال الكوميدية يعود إلى إضفاء روح الفكاهة على قصص الحب التي كانت حاضرة لكن بطابع كوميدي، إذ لم تسبب "إحراجاً" للمشاهد بل وتركت لديه أثراً طيباً، وظل الجمهور إلى يومنا هذا يستذكر قصص الحب الطريفة وآخرها قصة رجلاوي وحمامة، في الجزء الثاني من مسلسل "عاشور العاشر" للمخرج جعفر قاسم (2017).

التقيت الكثير من الأصدقاء من مختلف الجنسيات العربية في الجامعة أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي. حاولت في بادئ الأمر التحدث معهم بلهجتي لكنّي عجزت. في ما بعد، استعملت اللهجات التي يفهمون.

ما يحيّرني هو لماذا استطعنا نحن كشعب أن نستوعب هذا الكم الهائل من اللهجات واللغات بينما لم يستطع الآخرون استيعاب كلماتنا حتى لو كانت مبسّطة؟ عندما كنت صغيرة كنت أشاهد الكثير من الأعمال الناطقة بالسورية والمصرية واللبنانية وكنت أفرّق بين تلك اللهجات رغم تشابهها ورغم صغر سنّي. وبعد سنوات من استهلاكي للأعمال السورية صرت أتقن لهجتها وأفهم حتى العبارات التي لا تمتّ إلى العربية والجزائرية بصلة. كنت أقول دائماً: هل نحن أذكى من بقية الشعوب أم أن نظامنا أغرقنا بثقافات أخرى لدرجة إهمال ثقافتنا؟

السينما بين العربية والفرنسية

عندما كبرت وبدأت بمشاهدة الأعمال السينمائية الجزائرية المحظورة التي لا تبث على الشاشات، بدأت بالمقارنة بينها وبين الدراما. معظم أعمالنا السينمائية ناطقة بالفرنسية وتحتوي، على عكس الدراما، على الكثير من المحظورات: الحب، الجنس، الخمور، الدعارة، التطرف الديني والإرهاب والعديد من التناقضات التي يرفضها المجتمع والتي لا أنكر وجودها بطبيعة الحال، لكن التركيز عليها جعل الآخر يعتقد أننا نعيش في كابول التي أشك في أنها فعلاً كما يصوّرها لنا الإعلام.

"في كل فيلم جزائري نجد امرأة مقطّبة الحاجبين ومغلّفة بالأسود من رأسها حتى كاحليها، تردد آيات قرآنية تارة وتهدد تارة أخرى، كما نجد المنحرفة "المدخّنة" التي تطلق عبارات نابية طوال الوقت ونراها شبه عارية في الحمام... ألا توجد فئات أخرى تستحق التأمل؟"

قبل سنتين، في أحد الملتقيات الثقافية في مدينتي قسنطينة الخالية من دور السينما، عُرض فيلم "بركات" (2006) للمخرجة جميلة صحراوي، ويتناول فترة العشرية السوداء. عبّرت حينها عن إعجابي الشديد به. شاهدته مراراً ولكنني تساءلت في ذات الوقت: لماذا كل أفلامنا تتحدث عن العشرية السوداء؟ لماذا لم نتخطى هذه الحقبة حتى الآن؟ ما انتقدته حينها هو تراكم أفلام تتناول نفس المواضيع ونفس الحقبة الزمنية مع أننا لا ننتج كمّاً معتبراً من الأفلام سنوياً. هل يا ترى ما زال الجزائري تحت صدمة الإرهاب؟ أم أننا ننتظر أن يصبح حاضرنا ماضياً؟ أم أننا أضحينا بلا حاضر؟

صورة المرأة في السينما

رسّخت معظم الأفلام الجزائرية صورة نمطية عن المرأة الجزائرية الخاضعة المعقدة، المتناقضة، الداعرة، المنافقة التي تختبئ خلف ثوبٍ أسود. ففي كل فيلم جزائري نجد امرأة مقطّبة الحاجبين ومغلّفة بالأسود من رأسها حتى كاحليها، تردد آيات قرآنية تارة وتهدد تارة أخرى، كما نجد المنحرفة "المدخّنة" التي تطلق عبارات نابية طوال الوقت ونراها شبه عارية في الحمام.

ارتبطت السيجارة في أفلامنا بالانحراف والكلمات النابية، واستقبلها المشاهد كترويج للانحلال الخلقي. لست أقول أنّ تلك الأفلام هي فعلًا ترويج للانحلال الأخلاقي ولا أن تلك الفئات لا تمثل المرأة الجزائرية بل هي موجودة حقاً، لكن لماذا كل هذا التركيز على هاتين الفئتين المتناقضتين فقط؟ ألا توجد فئات أخرى تستحق التأمل؟

يعتقد الأجانب، خاصة في أوروبا، أن كل الجزائريات محجبات ومنقبات وكثيراً ما نتعرض نحن، غير المحجبات، لنفس السؤال: هل تخلعين الحجاب عند وصولك إلى أوروبا؟ إنه التضليل الإعلامي سواء الجزائري أو الأجنبي مَن جعل الآخر يعتقد أننا إمّا "داعرات" أو متطرفات دينياً، تماما كاعتقادهم أن مصر عبارة عن صحراء وجِمال وراقصات بسبب تشويه صورة الرقص الشرقي عبر الإعلام، حتى أنني بتّ غير متأكدة من أن إيران هي فعلاً تلك التي نراها في التقارير التلفزيونية وأفلام هوليوود.

أثر التضليل الإعلامي

فقدنا ثقتنا بأنفسنا كشعب وأصبحنا نخاف من بعضنا البعض، النساء من الرجال، المثقف من غير المثقف، اللامتعلم من المتعلم، الشاوي (من أمازيغ الشرق الجزائري) من القبائلي، العاصمي من الصحراوي. ودخل كلّ منّا في قوقعته.

صدّق الرجل الجزائري أنه فعلا فظّ الطباع فأصبح كذلك، يخاف من البكاء والتعبير عن مشاعره حتى أمام أقرب الناس إليه، وأصبحت النساء يفتخرن بالضعف ويتمنين الزواج من رجال مُعنِّفيين. أصبح كل منّا يردّد الحوارات التي يسمعها في الأعمال الدرامية.

حاولَت السلطة قمع الجزائريين وطمس هويتهم فأدخلت اللغة العربية الفصحى على المنهاج الدراسي والإدارات وحتى الأعمال الدرامية، كما شبّعت خطاباتها بالدين الذي أصبح يتحكم بكل كبيرة وصغيرة وأصبح هو الرقيب على تلك الأعمال الدرامية الجافة التي لا "تخدش الحياء". صارت تلك اللغة الجميلة البديعة رمزاً للتخلف والرجعية.

حاول السينمائيون المثقفون النهوض بالجزائر ومواجهة القمع، فبدا الكبت واضحاً جداً في أعمالهم، بعد تراكمه، إذ تناولت جُلّها نفس الحقبة الزمنية ونفس المواضيع كما أنّ اللهجة الجزائرية كانت شبه غائبة واستُبدلت بالفرنسية كي يتسنى للعشاق التعبير عن حبهم بأريحية. فالجزائري لا يستطيع قول "نحبك". ببساطة يجب أن يكون ملمّاً باللغة الفرنسية كي يشعر بالحب!

هكذا تأدلجت اللغات وقسّمت الشعب إلى متحضّر ومتخلّف: الفرنسية للحُبّ والجزائرية للسَبّ.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard