الفقي يتنبأ بالثورة بعد عشر سنين... ألم تشبع أياماً ومناصب؟ (1)

الجمعة 30 أبريل 202105:31 م

الأمانة العامة لجامعة الدول العربية هي آخر منصب كبير اشتاق إليه الدكتور مصطفى الفقي، تتويجاً لمسيرة يصعب فيها إحصاء مناصبه. حياة حافلة بالمباهج، ولا تخلو من أحزان، ما دامت الغاية هي إرضاء الله والشيطان، واختيار منطقة رمادية تتيح القفز إلى معسكر الثورة والارتداد إلى القوى المضادة للثورة. فاتته الأمانة، فعوضته إدارته لمكتبة الإسكندرية نشرا دائما لاسمه وصورته، مقترنا بأنشطتها: ندوة، محاضرة، معرض، استقبال ضيف، تلقّي إهداء. وفي هذا الزحام، يواصل نشر مقالاته هنا وهناك، ويسكّن المقالات في كتب زادت على الأربعين، ولكنها تقل عن عدد مناصبه الرسمية والشرفية، وعضويته في وفود ولجان. وأضمن المتعة لقارئ مذكّراته "الرواية... رحلة الزمان والمكان".

الشهادة/السيرة الذاتية أصدرتها الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة، في مجلّد يضم 511 صفحة، تشغل غلافه صورة المؤلف مبتسماً للكاميرا. وفي الغلاف الخلفي صورتان، الأولى متحدثاً في مكتبة الإسكندرية، والثانية متأملاً لكتاب، وبين الصورتين تعريف بطبيعة مذكرات كان فيها مصطفى الفقي "صاحب الرواية مخترقاً عهود عبد الناصر مراقباً، والسادات مشاهداً ومبارك مشاركاً، وقد احتمى المؤلف بالصدق والتجرد والموضوعية مؤمناً بأن دهاء التاريخ لا يرحم".

وفي مقدمة الكتاب يؤكد أنه يروي شهادته "بتجرّد شديد... مسؤوليتي أمام نفسي تحتم عليّ أن أكون موضوعياً، متجرداً، نزيهاً، شريف الكلمة، صادق العبارة". وقبل قراءة شهادته، يمكن التوقف أمام دهاء التاريخ، وقسوة الذاكرة العمومية على محاولات الاحتيال.

بين يوليو 1985 وأكتوبر 1992 عمل الفقي سكرتيراً للرئيس المصري حسني مبارك للمعلومات والمتابعة. وقد قابلتُه مرة واحدة مصادفة، وكنت قد قرأت عدداً من كتبه، ولم أنسَ آنذاك أمرين: أولهما عدم ثقتي باستقلال من يعمل في أي نظام سياسي ترساً فاعلاً، أو تحت الطلب، فيصعب الإمساك بتوجهه الفكري. ما أتعس أن تكون ناصرياً إذا رجحت كفة جمال عبد الناصر، ثم تمتدح أنور السادات إذا كان امتداحه طريقاً إلى مغنم.

أما الأمر الثاني فهو تعرّض الفقي لانتقادات بلغت حد اتهام نظام مبارك بتزوير الانتخابات عام 2005 لصالحه، وشهدت المستشارة نهى الزيني بالتزوير. وفي مذكراته يؤكد الفقي فوزه: "محكمة النقض أنصفتني مرتين".

حياة حافلة بالمباهج، ولا تخلو من أحزان، ما دامت الغاية هي إرضاء الله والشيطان، واختيار منطقة رمادية تتيح القفز إلى معسكر الثورة

جمعنا اللقاء العابر عام 2008. كنت ضيفاً على قناة العربية، للتعليق على أزمة افتعلها اليمين الديني، بعد نشر قصيدة "شرفة ليلى مراد" لحلمي سالم. وكانت الحدود المتوترة في رفح موضوع فقرة تسبق فقرة القصيدة، وجاءني صوت غاضب يدافع عن إغلاق مصر للمعبر، وينتقد ضيفاً لا أسمعه. الضيف المصري أنهى الفقرة بتوعّد منتهي الرمحي بأن يشكوها إلى مدير القناة، لتحّيزها للضيف الآخر.

وخرج الغاضب الذي كان مصطفى الفقي، وأنا أنتظر، فأنزلت ساقي اليمنى عن اليسرى، احتراماً للرجل الذي سألني: "عندك تسجيل؟"، لم يُلقِ التحية، فوضعت ساقي اليسرى على اليمنى، وقلت: "نعم". فحذرني ألا أتساهل في وقتي. قلت إنني وحدي في الفقرة.

   في كتابي "الثورة الآن" سجلت مشهد امرأة، أمام نقابة الصحفيين يوم 26 يناير 2011، تحدّت هتافاتنا على سلم النقابة: "يا مبارك يا مبارك.. السعودية في انتظارك"، واحتمت بجنود وضباط الشرطة في الأسفل، ووجّهت بأصابعها إشارات فاحشة، وصرخت: "يا ولاد المومس.. مصر مش تونس". من لقّنها هذا الشعار؟ لا أتخيلها قرأت في اليوم نفسه تصريحات مصطفى الفقي، رئيس لجنة العلاقات الخارجية والشؤون العربية بمجلس الشوري. وقد قال، بعد لقائه في 24 يناير 2011، وفداً برلمانياً من مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية: "مصر وتونس مختلفتان. ونرحب بما يحدث في تونس، ولا يمكن أن نقول إن بن علي مثل مبارك". ("الشروق" 26 يناير 2011).

ممثلو المؤسسات الدينية والعسكرية والقضائية والدبلوماسية يعادون الثورات، ومعظم الاستثناءات تؤكد القاعدة، ولا يُتوقع أن يكون الفقي استثناء، كان وفياً للعائلة، حتى اتضاح الخيط الأبيض لثورة 25 يناير من خيطها الأسود.

كانت أمانة السياسات برئاسة جمال مبارك تدير البلاد، وتحكم مجلس الوزراء الشرعي من الباطن. هذا معلوم ومحسوس، مهما تكن مراواغات خائفين أو طامعين. أثنى الفقي على أمانة السياسات: "تسهم إلى درجة كبيرة جداً في وضع الإطار العام للدولة وتسهم بالأفكار والدراسات شديدة التميز". ("المصري اليوم" 27 مارس 2008). ومدّ يده إلى الوارث: "عندما أحضر اجتماع أمانة السياسات أرى حولي معظم العقول المفكرة من المثقفين والعلماء وأساتذة الجامعات في مصر".

قال الفقي في التلفزيون إن ثماني سنوات رئاسية مدة قصيرة، ويجب تعديل هذه المادة في الدستور، وكأن ثورة لم تمرّ بمصر

يحار القلب وهو يقسم الحب على اثنين، الأب والابن، فيكون التعميم الذكي مخرجاً. قال الفقي في برنامج تلفزيوني نشر ملخصه في صحيفة "المصري اليوم" (31 مارس 2008): "الرئيس مبارك وأسرته يعلمون أنني عشت بينهم وولائي لهم". للولاء للأسرة علاقة وثيقة بتوارث الحكم، ولكن نجاح الثورة في إزاحة مبارك فاجأه، فما كان منه إلا الاستئساد، في برنامجه التلفزيوني، على رئيس مخلوع يحاكم، واتهمه بالجهل، وأنه لم يقرأ كتاباً، "ولم يكن بارّاً بأهله. عقوق الوالدين يورث سوء الخاتمة... كان لديه إحساس بالنقص، وعندما كان يرى شخصية لامعة أو متميزة كان يحاول أن يغلق عليها الأبواب". فما العمل بعد صعود قوى مضادة للثورة؟

على مهل ذهبت سكرة الثورة، ورجعت الفكرة يوم موت مبارك، 25 فبراير 2020. تحدث الفقي لبرامج فضائية عن وطنية مبارك، "وحرصه على مصالح البلاد، بقدر ما أعطى من رؤية وضوء. وله ما له، وعليه ما عليه". ولم يحاول مذيع ممن أنصتوا إليه أن يذكّره بأن مبارك لصّ بحكم قضائي نهائي، قاطع لا يجوز نقضه ولا الطعن عليه، وأن "على" مبارك عشرات المليارات للشعب. تكلم الفقي من موقع مدير مكتبة الإسكندرية التي يترأس مجلس أمنائها الرئيس المصري. عيّن الفقي في مايو 2017، وكأن ثورة لم تكن. جنحت سفينة الثورة، بعد تجفيف المياه من تحتها، فلا أبحرت ولا ظلت سالمة تحتمي بالشاطئ.

قرب النهاية، ناجى نوح ربه: "شبعت أياماً". تلك لحظة صفاء نادرة، تمسّ أغلب الطاعنين في السنّ والمناصب والأموال، بعد اطمئنانهم إلى إتمام "الرسالة"، ولم يعد لديهم ما يضيفونه، وأن أوهام الإضافة في حقيقة الأمر تخصم من الرصيد.

إلى أي مدى يمكن القول إن الذين لم يشبعوا يشبهون "ملك اليمين"، وإنهم جاهزون لمهام الاستدعاء؟ وكان متوقعاً أن يتواروا، احتراماً لذاكرتنا وذاكرتهم، وأن يكتفوا بكتابة سيرهم الوظيفية، فمن المرهق للأعصاب خدمة الإنسان لسيدين في عصرين. ويفضّل السياسيون السابقون، عقب الثورات التي تحكم ولا تنتكس، أن يعتزلوا اختياراً. وليس من الحكمة ارتقاء عود هشّ لعباد الشمس، وإرهاق الأعناق بالدوران معه حيث تكون الشمس.

أخلص قرص عباد الشمس لطبيعته في تقصّي أثر سلطة إخوانية لا تخطئها العين، قبل فوزهم بأغلبية برلمانية. الأنظمة المتسرعة يعوزها الوقت لتربية العبيد، فإعادة التدوير أسرع، والشراء أيسر، وقد يتطوع الذين يرون في أنفسهم استعداداً للتدوير بتقديم أنفسهم، متجاهلين قناعاتهم السابقة. لا يردّون يداً تمتد إليهم من أي اتجاه، ناصرياً كان أو مكفّراً لعبد الناصر، لا فرق بين إعلان الولاء لعائلة مبارك والإسراع إلى الارتماء في جنة الإخوان. الفقي بادر عصام العريان بالتهنئة على تأسيس حزب التنظيم "الحرية والعدالة"، وطمأنته بأن إنشاء الحزب "بداية طيبة لنا كلنا. وناس كتير كتير كتير عايزة تخش الحزب... حتى أقباط... كتير ناوين على كده".

هل للفقي الآن أن يقول إن الشاطر كان سجين رأي؟ وأن يدعو "فكّ الله أسره"؟

الفقي استحلف العريان وأوصاه بنقل مباركاته إلى محمد مرسي ومحمد الكتاتني، لأنه لم يستطع الوصول إليهما. وفي 30 أغسطس 2012 كتب في "المصري اليوم" مقالاً عنوانه "خيرت الشاطر" الذي قابله عام 2010، عندما كان يزور سجيناً آخر، "وتصافحنا متعانقين وقلت له هامساً "فك الله أسرك"، ذلك أنني أتعاطف كثيراً مع حالة سجين الرأي لأنه يدفع فاتورة موقف فكري معين أو رؤية سياسية بذاتها. أشفقت على الفقي، لقوله إنه اتصل برقم هاتف الشاطر فلم يردّ، فاتصل بهاتف منزله، وردت عليه ابنة الشاطر، فذكر لها اسمه "بوضوح كامل"، ثم عادت إلى سماعة الهاتف وأبلغته رسالة أبيها: "أن يتحدث غداً صباحاً في المكتب".

هل للفقي الآن أن يقول إن الشاطر كان سجين رأي؟ وأن يدعو "فكّ الله أسره"؟ لا أنتظر إجابة من "حالة" تجسد ذروة تمثيلات الرّهان على مبارك حتى سقوطه، والمسارعة إلى مخاطبة الإخوان في صعودهم المستغني عن غيرهم.

وفي اليوم الأخير لانتخابات الرئاسة (28 مارس 2018)، وقبل إعلان النتيجة المؤكدة، قال الفقي في التلفزيون إن ثماني سنوات رئاسية مدة قصيرة، ويجب تعديل هذه المادة في الدستور، وكأن ثورة لم تمرّ بمصر. وصدق الله القائل "ولو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه"، فالذين يقتربون من الثمانين انحنت أرواحهم تحت ظلال مبارك، ثم انتقدوه بعد خلعه، وسعوا إلى تكرار التأبيد، وفتح فترات الرئاسة للسيسي.

أينما تكن السلطة تتوجه التحيات الطيبات لعبّاد الشمس. في 27 مارس 2018 نشرت صحيفة "الأهرام" مقالاً عنوانه "العميد عبد الفتاح السيسي وما كتبه عن الديمقراطية 2006"، أشاد فيها الفقي بالنبوغ المبكر للسيسي، في دراسته عن الديمقراطية في الشرق الأوسط بكلية الحرب التابعة للجيش الأمريكي في بنسلفانيا. بوقوع الدراسة في يديْه، "شعرت أنني أمام كنز حقيقي لأننا سوف نكون قادرين على استكشاف الرؤية المبكرة للرجل الذي يحكم مصر... قبل أن يعود (من أمريكا) ليكون رمزاً للفداء". والآن، أراك اكتفيتَ بهذه المشاهد، واستعدتَ حالات عابرة للعصور والثورات والثورات المضادة، تستأنس بالاستبدادين، الديني والعسكري، لإشباع الجوع إلى حماية السلطة، ولو غير مؤمنة بالوطن.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard