لماذا يكره الدبلوماسيون الثّورات؟

الجمعة 12 مارس 202104:51 م

كنت أظن أن كارهي الثورات الشعبية على الطغاة يتحصّنون بمثلث، وترابط كل طائفة منهم في ضلع، ولا يتركون بينهم ثغرة في الرؤوس الثلاثة للمثلث. وربما لا تنظر طائفة إلى الطائفتين الأخريين، اكتفاءً بأن ظهورهم إلى داخل المثلث، وأبصارهم إلى الخارج تراقب المشهد، وتحمي المنافع، وتسوّغ الاستبداد بحجة الاستقرار. ليس شرطاً أن تتلاقى الطوائف الثلاث، وأن تتفق على خطة موحّدة، فكلٌّ بطريقته يجتهد، وتصبّ النتيجة في المثلث الحصين المحميّ بقوى يمتلك أركانَها هذا الثلاثي: القضاة ورجال الدين والعسكريون. وفي ثورة 25 يناير 2011 تباينت المواقف وردود الفعل، بين الرفض والصّمت، فإذا قويت شوكتها وتمكنت من خلع حسني مبارك، التَحق بها كارهوها.

قبل الوصول إلى الطرف الرابع الكاره للثورات، سيقول البعض: "التعميم لا يجوز". وأعترف بوجود استثناءات في هذه الطوائف، استثناءات لا تنفي القاعدة، وإنما تؤكدها. وبعد عشر سنوات من ثورة 25 يناير، أكتشف حقيقة ربما سبقني إليها غيري، وقد تربّع المثلث، واصطفّ على الضلع الرابع الدبلوماسيون، ولا أعرف ترتيب استفادتهم من استمرار أي نظام سياسي مهما يكن مستبداً، فالأهمّ ألا يهتز الاستقرار، ويأتي نظام جديد يقطع المسارات أو يحوّل وجهتها، فقد يصعد غيرهم ويحتل المواقع ويحظى بالامتيازات. فآخر وزير للخارجية حتى الثورة، أحمد أبو الغيط، كان مدافعاً صلباً عن نظام مبارك، ولا يختلف عن الدبلوماسيين العرب المراهنين على الطغاة حتى السقوط.

الدبلوماسي موظف، يجتهد داخل إطار "النصّ". لا يرسم سياسات، وليس مطلوباً منه إطلاق تصريح يخالف سياسة نظام الحكم، وإلا فلْيخلع الرداء الوظيفي، ويتحرر بالاستقالة، ويحمل درجة "مواطن". سبق لثلاثة وزراء للخارجية أن استقالوا اعتراضاً على أوهام "السّلام"، أولهم إسماعيل فهمي، رافضاً أن يزور أنور السادات القدس في نوفمبر 1977. وتبعه محمد رياض، مستقيلاً فور تعيينه. أما محمد إبراهيم كامل فاستقال يوم 16 سبتمبر 1978، عشية توقيع اتفاقيات كامب ديفيد، تاركاً مقعده شاغراً أثناء التوقيع، وفي كتابه "السّلام الضائع في كامب ديفيد" تحدّث عن "مذبحة التنازلات"، إذ قال له السادات إنه سيوقع "أي شيء يقترحه الرئيس الأمريكي كارتر دون أن أقرأه‏".


اتّبع كاملُ ضميرَه واستقال، فنجا من عار يلوّث ثيابه، بعد تحوّل السادات "إلى موظف في حضرة كارتر يتلقى تعليماته‏"، وينفعل حين يراجعه الوزير، ويصرخ في حضور حسن التهامي وحسن كامل وبطرس غالي وأشرف غربال قائلاً: "وماذا أفعل إذا كان وزير خارجيتي يظنّ أني أهبل?". ولم يكن الوزير على حق، فليس السادات أهبل، وإنما يؤدي دوراً، فلا يسمح لممثل مسرحيّ بترك العرض قبل انتهائه، انتهاء العرض أو انتهاء حياة الممثل. ولا يحق للممثل أن يرتجل في وجود "النص"، مهما يفعل شريكه على المسرح.

سُرّ السادات وضحك مبتهجاً بقول بيجن إن كارتر بذل جهداً "يفوق العمل والجهد الذي بذله أجدادنا عندما بنوا الأهرام في مصر". والدارس المبتدئ للآثار والتاريخ المصري يعرف أن الأهرام بنيت في الأسرة الرابعة، (2613 ـ 2494 قبل الميلاد)، قبل قرون من زيارة أسطورية للنبي إبراهيم لمصر.

تربّع مثلث الكارهين اللثورة، واصطفّ على الضّلع الرابع الدبلوماسيون، ولا أعرف ترتيب استفادتهم من استمرار أي نظام سياسي مهما يكن مستبداً

ومع الشيطنة الإعلامية الرسمية لثورة 25 يناير، يمكن للدبلوماسي أن يصمت، وألا يزايد في هذه الشيطنة، ولكن العدد الجديد من مجلة "الدبلوماسي" (رقم 299/300، يناير/فبراير 2021) دليل على هذه المزايدة التي لا تضطر إليها مجلة صدر عددها الأول في مارس 1992 عن النادي الدبلوماسي المصري. كتب رئيس التحرير، رضا الطايفي، تحت عنوان "حتى لا ننسي...." مشيداً بإنجازات "غير مسبوقة"، "تؤسس لنهضة مصرية حديثة في كافة المجالات التنموية"، بعد خروج مصر "من تبعات أحداث يناير 2011". لا إشارة إلى عدالة ثورة شعبية لولاها لاستمرّ حسني مبارك رئيساً، وحبيب العادلي وزيراً للداخلية، وكلاهما نال حكماً قضائياً نهائياً غير قابل للنقص بتهمة اللصوصية.

رئيس التحرير، الذي أنهى عمله في هانوي (2010 -2014)، تخلو حقيبته الدبلوماسية من ذكرى لفيتنام التي استقرّت في الذاكرة الإنسانية رمزاً للثورة. وأما الثورة المصرية، مصدر الفخر لملايين أسهموا فيها، فلا تستحقّ منه أن يسمّيها باسمها الحقيقي، ويراها "أحداث يناير 2011" التي أدت إلى اضطرابات في العالم العربي، مع إغفال دور الطغاة في هذه التراجيديا العربية. فلولا الاستبداد ما اضطرّت الشعوب إلى الخروج الكبير، في ثورات تنشد العدل والحرية. ولأن الثورة فشلت فمن الطبيعي أن يلعنوها ويُفقدوها اسمها، وتصبح مجرد "أحداث"، في "الربيع العربي المزعوم". لا إشارة إلى استبداد سابق للثورة، أو لاحق سيدعو إلى جولة يقرر الشعب موعدها.

كان عبد الرحمن شلقم أمين اللجنة الشعبية العامة للاتصال الخارجي والتعاون الدولي (2000-ـ 2009)، وسمعتُه في التلفزيون المصري يقول إن العقيد معمر القذافي "والد الليبيين". كان اسم ليبيا مغيّباً، واستبدلت به "الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى"، ولم يكن لشلقم أن يقول إن الأخ العقيد والد الجماهيريين العرب الليبيين الشعبيين الاشتراكيين العظماء. بعد الثورة الليبية فقط، وأتحدث هنا عن عدالة ثورة تسببت فيها سياسات القذافي لا عن مآلاتها التي لا يسأل عنها الشعب المظلوم، أتيح لشقلم البوحُ بما كتمه في صدره اثنين وأربعين عاماً. فضفضة شلقم سجلها غسان شربل في كتابه "في خيمة القذافي... رفاق العقيد يكشفون خبايا عهده".

في الكتاب يقول عبد المنعم الهوني ـ مندوب ليبيا في جامعة الدول العربية حتى قيام الثورة ـ إنه عرف القذافي عام 1963: "كنا نتصوّر أنه شخص مثالي، شديد التأدّب في حديثه وشديد البساطة في عيشه ويكره البهرجة في اللباس... كان أيضاً شديد التمسك بمواقيت الصلاة ويحضّ الآخرين على التزامها"، وحين اقترب موعد الحركة شدد على أن تكون عسكرية بيضاء، لا يراق فيها دم ليبي واحد. ويقول شلقم إن القذافي الشاب "كان شبه قديس. يواظب باستمرار على الصلاة والصّيام. استقامته وورعه كانا مصدر إحراج لرفاقِه... كانوا لا يلعبون الورق في حضوره ويطفئون السجائر إذا وصل... كان متديناً وثمة من سمّاه الفقيه".

بعد الثورة فقط سيقول جلود إن القذافي صار له في كلّ مدينة، وكلّ وادٍ، مقرٌّ أو قصر. وكان "يعتقد نفسه إلهاً ولا يجوز لأحد أن يعارضه أو يمس صورته"

بعد الثورة الليبية فقط، سيقول نوري المسماري، أمين جهاز المراسم العامة عن جلوس القذافي مع المثقفين في القاهرة: "كان يجمعهم كي يهينهم". وسيقول أيضاً إن مجموعة 7 أبريل التي شنقت الطلاب في الجامعات عام 1976 كان الوجه البارز فيها عبد السلام جلود رئيس اللجان الثورية، "هذه تصفية للمعارضين للقذافي في الجامعات، شنقوا دون توقف... جلود كان يشرف على التصفية". وبعد الثورة فقط سيقول جلود إن القذافي كان يتصرّف "وكأنه إله على الأرض... القذافي هو الأول والأخير. وكان يقول لي: أنا يا عبد السلام في هذه البلاد لا أحترم إلا أنت. وكنت أردّ عليه قائلاً: إذا كنت تحترمني فاحترم الشعبَ الليبي".

بعد الثورة سيقول جلود إن القذافي انفرد بالسلطة، بعد فشل انقلاب عمر المحيشي عضو مجلس قيادة الثورة، الهارب إلى المغرب، وأعادته "صفقة قذرة" تضمّنت وقف دعم القذافي لجبهة البوليساريو، ودفع 200 مليون دولار للحسن الثاني، لقاء استعادة أربعة معارضين أولهم المحيشي، وذُبح "كالخروف" كما يروي عبد الرحمن شلقم الذي أتاحت له الثورة ألا يفتري على شعب حجبه القذافي، وحرمه حقّ التمتع باسم "ليبيا"، وسيحكي مساخر عن أبناء القذافي: زوجة هانيبال اللبنانية أرسلت طائرة إلى بيروت لإحضار كلب؛ عائشة أخذت طائرتين إلى بريطانيا لكي تلد؛ المعتصم أنفق على مطربات في سهرة واحدة أربعة ملايين دولار، وكذلك سيف الإسلام في أعياد ميلاده.

بعد الثورة فقط سيقول جلود إن القذافي صار له في كلّ مدينة، وكلّ وادٍ، مقرٌّ أو قصر. وكان "يعتقد نفسه إلهاً ولا يجوز لأحد أن يعارضه أو يمس صورته"، وأنه أعدم بعض أقاربه حين حاولوا اغتياله عام 1998، وعلق البعض منهم على الأشجار، "كما تمّ ربطهم بالسيارات وسحلهم في الطريق في باب العزيزية"، وسيحكي أنه قال للقذافي إن مجزرة سجن أبو سليم عام 1996 "أكبر مذبحة منذ مذابح هتلر"، وقتل فيها 1400 شاب، ويبلغ العدد 1268 في رواية شلقم. يا الله، كيف ألجمتهم الأعراف الدبلوماسية فصمتوا على كلّ هذه الفظائع؟ وكان لا بدّ من ثورة ليتكلموا. فلماذا يكره الدبلوماسيون الثورات؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard