ما فعلته الحرب بالبن اليمنيّ... القهوة تنتصر على القات أحياناً

الثلاثاء 27 أبريل 202103:24 م

"كنتُ في بلدة عدن، أتى إلينا صوفيٌّ فقير يصنع القهوة ويشربها، وكذلك صنعها للفقيه محمد أبي الفضل، الفقيه الأكبر في ميناء عدن، ولمحمد الذهب هاني".

هذا مقطع من كتاب "عالم القهوة - علم وثقافة المخدّر الأكثر شعبيّة في العالم"، الذي يحكي عن تاريخ القهوة، وثقافتها وأماكن انتشارها. يقول الكتاب، مثلما هو معروف، إنّ اليمن كانت من أوائل الدول التي عرفت البن وزرعته وشربته وصدّرته إلى العالم بعد أن وصل إليها من أثيوبيا، ويُعرف البن اليمني أنّه من أجود أنواع البن في العالم وأغلاها سعرًا.

لكن سنوات الحرب التي انعكست سلبًا على الزراعة في اليمن بشكل عام، كان أثرها إيجابياً بعض الشيء على زراعة البن، مع انحسار المساحات المزروعة من القات لصالح أشجار البن.

شكّلت زراعة البن أهميّة كبيرة في تاريخ الزراعة في اليمن، وفي تاريخ البلاد بشكل عام، حتى أنّ اليمنيين يحييون في كلّ سنة، في الثالث من آذار/ مارس، "عيد موكا" وهو اليوم الوطني لتشجيع غرس شجرة البن، التي تمثّل الشجرة الوطنيّة المرتبطة باليمن واليمنيين منذ مئات السنوات.

 تأثرت زراعة البن، كما تأثرت الزراعة في اليمن، خلال الحرب التي تشهدها البلاد منذ العام 2015، إلا أن الوضع كان في تدهور مستمر قبل الحرب وطوال الستين عامًا الماضية، إذ انخفضت صادرات البن من حوالى أربعين ألف طن سنويًا إلى بضعة آلاف من الأطنان. واليوم يبلغ إنتاج البن نحو عشرين ألف طن فقط، مع وجود خطط برفع هذا الرقم في السنوات القليلة القادمة إلى خمسين ألف طن، مع زيادة مساحة زراعة البن من 34 ألفًا إلى 43 ألف هكتار. كما تهدف الخطط الحكوميّة إلى زيادة الصادرات من ثلاثة آلاف طن، تصدّرها في الوقت الحالي، إلى أكثر من 40 ألفًا في العام 2025.


تحوز شجرة البن أهميّة كبيرة في تاريخ الزراعة في اليمن، وفي تاريخ البلاد بشكل عام، حتى أنّ اليمنيين يحييون في كلّ سنة، في الثالث من آذار/ مارس، "عيد موكا" وهو اليوم الوطني لتشجيع زراعة شجرة البن.

لكن سنوات الحرب التي انعكست سلبًا على الزراعة في اليمن بشكل عام، كان أثرها إيجابياً بعض الشيء على زراعة البن، مع انحسار المساحات المزروعة من القات لصالح أشجار البن.

وحسب وجدي الحمادي، المدير التنفيذي لجمعية بني سنان التعاونيّة الزراعيّة في صنعاء، والمسؤول عن عملية التصدير، فإنّ أرقام محاصيل البن والمُصدَّر منه في تصاعد بسبب "بدء المزارعين بزراعة البن والاستغناء عن شجرة القات في بعض المناطق، وفي بعضها الآخر تُزرع شجرة البن إلى جانب شجرة القات، وهذا في ذاته ضاعف من عمليات زراعة شتلات البن وتصديرها إلى الخارج".

مشعلو الحرائق

 تعرّض مشتل الحوطة في محافظة لحج، جنوب اليمن، للدمار خلال الحرب الأخيرة، إلّا أنّ أصحاب المشتل أعادوا إحياءه رغم الصعوبات وقاموا بزرع أشجار مثل التفاح وشتلات نباتات كادت تنقرض في البلاد، مثل شجرة الصابون (شجرة الريتة).

 هذه القصة القصيرة تخبرنا بشكل مكثف عن حال الزراعة في اليمن، فبعد بدء الحرب اليمنيّة في العام 2015، تعرّضت الزراعة اليمنيّة لأضرار كبيرة هدّدت وجودها، إذ يعتمد معظم السكّان على الزراعة كعمل رئيسي ومصدر دخل أساسي. هذه الأضرار زادت من فقر المواطنين ومن انعدام الأمن الغذائي بسبب تضرّر مساحات زراعيّة واسعة، فذكرت تقارير صحافيّة مثلًا أن تقدير الأضرار التي لحقت بالقطاع الزراعي في محافظة "ذمار"، قد بلغت نحو 80%. وبحسب منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو)، فإنّ اليمن يستورد أكثر من 90% من الحاجات الأساسيّة للإنتاج.

 كذلك اتهمت اللجنة الخاصة بحصر الأضرار في القطاع الزراعي في اليمن، والتي تتبع سلطة جماعة أنصار الله، المعروفة باسم الحوثيين، التحالف العربي بقيادة المملكة العربيّة السعوديّة بتدمير القطاع الزراعي بشكل مباشر. قالت اللجنة في تقرير إنّ التحالف استهدف تدمير 131 منشأة زراعيّة حيويّة بشكل كلّي أو جزئي.

 في نفس السياق، قال برنامج الأمم المُتحدة الإنمائي (UNDP) في دراسة نشرها في العام 2019 تحت عنوان "تقييم تأثير الحرب على التنمية في اليمن" إنّ النزاع في اليمن قد أدى إلى خفض الإنتاج والكفاءة الزراعيّة، وقد يعود سبب ذلك إلى "نزوح المزارعين أو عجزهم عن الإنتاج"، وإن الكثير من الأسر قد ابتعدت عن زراعة المحاصيل الأكثر ربحيّة، والتي تتطلب زيادة الاستثمار، واتجهت إلى الحدّ من الكفاف من زراعة المحاصيل ذات المخاطر الأقل، كما أنّ "المدخلات الرئيسيّة للزراعة مثل البذور والأسمدة أكثر تكلفة وتزداد صعوبة الحصول عليها".

 أضافت الدراسة أنّه جرى الاعتداء على المحاصيل والأراضي الزراعيّة بشكل مباشر، كما أنّ نقصان الوقود أدى إلى ازدياد كلفة الإنتاج والنقل، وأنّ ندرة المياه قد شكّلت العامل الأساسي في الحدّ من الإنتاج الزراعي، فانخفضت المساحة المزروعة بنسبة 38%.

زراعات تنمو ومبادرات داعمة

ليست ثورة البن هي الزراعة الوحيدة التي تنمو  في اليمن، إذ يبدو أنّ تضرّر معظم القطاعات الحيويّة قد دفع المواطنين إلى العودة نحو الزراعة بشكل اضطراري، فلجأ بعض سكّان محافظة تعز إلى زراعة الطماطم (البندورة)، رغم الصعوبات الكثيرة التي يواجهها المزارعون وتواجهها الزراعة، كالحرب والحصار المفروضَين على مدينة تعز.

خلال سنوات الحرب والأزمة التي تواجه مزارعي البلاد، فإنّ مبادرات ودعوات كثيرة صدرت عن منظمات دوليّة إنسانيّة قصدت إنقاذ قطاع البلاد الزراعي، ومنها مبادرة منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو)، التي هدفت إلى "تحسين القدرة على الصمود في الريف اليمني" من خلال دعم استقرار سبل العيش والأمن الغذائي والحوكمة المحليّة والتماسك الاجتماعي وتحسين إمكانيّة الوصول إلى الطاقة المستدامة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard