عنصر هارب من جمهورية أفلاطون

الاثنين 26 أبريل 202104:49 م

يروي كتاب الجمهورية لأفلاطون رؤية الأسس والنظام الذي يجب أن يُبنى عليه العالم، منطلقاً من عدة عوامل؛ كالزعامة وانعدام النزاع وتقسيم الطبقات بين الأفراد في المجتمع. ولاقت هذه الجمهورية كتابات عدة، منهم من أيدها ومنهم؛ "السفسطائيون"، اعتبروا الكلام بعيداً عن الواقع، ولا يمكن تطبيقه إلا في حياة جديدة للبشر.

لاقت هذه الكتابات مؤشرات ودراسات حول التفاصيل المتعلقة بكتاب "الجمهورية". لكن ماذا لو كان الكتاب يتحدث فعلاً عن عنصر واحد هرب من الكتاب، بشكل أو بآخر، ووصل إلى الحياة المعاصرة؟ فكيف ستكون مكانته بين الناس، وهل ما يراه صواباً سيكون الصواب بنظر البعض أم أن كلامه كما الكتاب، لا ناقة فيه ولا جمل.

يتجول هذا العنصر في العالم ويحاول فهم المتغيرات بين الدول، والحالة التي وصلت إليها؛ إن كانت ديمقراطية أم ديماغوجية أم تتبع لنظام الطاغية. وراح ينظر للفروقات في الأنظمة السياسية وتطبيق القوانين، بالإضافة للمجتمعات الإنسانية على الكوكب. لكنه شعر بأن بعضاً مما شاهده في الكتاب قبل دخوله الأرض بات محققاً في عدة تفاصيل.

اكتشف العنصر بأن بعض الدول التي تجوّل فيها احترمت القانون، لكن حولته إلى ديكتاتور يتحكم بمصائر الناس

يحاول العنصر التفكير بالنقاط الأساسية للجمهورية، ليجد أن الطبقات الاجتماعية حافظت على ماهيتها فتغيرت أسماؤها ليس إلا، حيث طبقة الذهب للمسؤولين وكبار التجار "رؤوس الأموال" والذين شكلوا في بعض الدول "الحكومة نفسها" التي تقوم بالإدارة وتسيير شؤون الناس وتهيمن على الاقتصاد، بل وتعمل به من خلال أناس عينوا من قبلها. وهذا مطابق تماماً لما شاهده العنصر في الكتاب. إلا أن الفارق هو أن هذه الطبقة يجب أن تعمل على تنظيم شؤون باقي الطبقات وهذا ما كان مختلفاً عن واقع البلدان الأخرى.

وبينما انصهرت طبقة الفضة، التي تكوّنت من الفرسان أو "الجيش"، مع طبقة الذهب، وباتت تشكل مع رأس المال والسلطة حكومة ثلاثية الأركان "الحكم – المال – الجيش"، حيث السلوكيات ضمن هذا النظام الجديد مندفعة بشهوة الحكم ومدبرة بالمال ومؤيدة بجيش البلاد، بقيت طبقة الحديد والنحاس؛ أي العمال والفلاحين فقيرة، ولم تتهاوى في الماضي ولا حتى في قادم الأيام.

الاندماج الكبير والتقارب ما بين أنظمة الحكم التي وضعها أفلاطون وفرّق بينها تكاد تكون مثيرة. فما لم يستطع فعله، وجده العنصر مجتمعاً في نموذج آخر، يعتمد على مبدأ صهر الأنظمة، والإعلان في بعض الدول عن نظام ديمقراطي مثلاً يكون ظاهره أوليغارشياً أي حكم الأقلية واحتكارها، إلا أن النظام في الحقيقة لا يكون إلا نظام الطاغية الذي ولد من تسلسل الأنظمة السابقة.

يحاول العنصر فهم الترتيب الذي وضعه أفلاطون للانتقال من نظام إلى آخر، ويُسقط فكرة الكتاب على الواقع، ليجد أن النقاط الفاصلة ما بين الأنظمة امّحت بفعل التحوير وابتداع شكل جديد يحاكي الواقع. لكن الاستفسار لديه كان حول السبب في استعارة اسم نظام ما وتطبيق كل الأنظمة التي وضعها أفلاطون في جمهوريته.

يقول أفلاطون إن الحاكم يجب أن يتمتع بالعديد من الصفات الإيجابية كالحكمة، وبعيداً عن شؤون الدنيا ورفاهيتها، هوجم على كلامه كونه يورد صفات إلهية

تفكير العنصر بتطبيق القوانين في ذلك النظام الجديد، الذي أطلق عليه اسم "نظام الاستعارات"، اعتمد على جمع كل الأنظمة التي ذكرها أفلاطون في كتابه، فيما تختار الطبقة المتحكمة ما يناسب واقع بلدانها والبيئة الاجتماعية. اكتشف العنصر بأن بعض الدول التي تجوّل فيها احترمت القانون، لكن حولته إلى ديكتاتور يتحكم بمصائر الناس بعيداً عن الأسلوب التقليدي، الذي يقول بأن الديكتاتور يجب أن يكون شخصية فيزيائية.

كما وجد دولاً قوانينها بأسقف مستعارة تعلو وتنخفض كما يريد المُشرع مع إتاحة الفرصة لبعض الثغرات التي يمكن فيها التحايل. لكن هل يمكن لمن يبتعد عن المثلث "الحكم، المال، الجيش" أن يتسلق السقف، مبيناً أن الخارج من الأطر الثلاثة سيطبق عليه القانون بكل عدل وحق؟

حاول العنصر الهارب أن يستعين بنظرية لأفلاطون تقول "بأن الشارب من الماء رشفة واحدة فكأنه شرب المحيط وأن الناظر لكف من التراب فكأنما رأى التراب كله". كلام يدل، بحسب التعبير الأفلاطوني، على أن الدول تكوّن كتلة واحدة، بفارق بعض التفاصيل. إلا أن الاختلافات بين الدول لم تكن بسيطة، بل جذرية، وذلك بحسب الإطار الذي تبني عليه قوانين الدولة.

يقول أفلاطون إن الحاكم يجب أن يتمتع بالعديد من الصفات الإيجابية كالحكمة، وبعيداً عن شؤون الدنيا ورفاهيتها، هوجم على كلامه كونه يورد صفات إلهية أكثر من كونها بشرية. يحاول العنصر أن يتعمق أكثر في تفاصيل الحكام على الأرض من أجل تبيّن النظام الذي يتبعونه، هل ينتهجون منطق الجمهورية أم الأوليغارشية أو الديماغوجية، أو الديمقراطية أم الطاغية؟ ويتابع لكن.. من أنت؟

"توقف!" يقولها الناس للعنصر، وربما للقارئ أيضاً. ويتابعون: "أيييه... ممنوع الاقتراب والتصوير والكلام".

بعد انتهاء جولة العنصر على الأرض، شعر بحاجة للعودة إلى الكتاب حتى لو كان طوباوياً، فما القانون إلا معزوفة جميلة على المُطالب به، ولا الكلام سهل على متجول حاول معرفة إن كانت الأرض ستصل إلى مستوى حياته في الكتاب، ليصل في نهاية المطاف إلى أن الحرية سقف مفتوح حتى جنزير الوالي المعلق في السماء، فما إن يقترب منه كائن حتى يعلق به، بحجة "التحليق العالي". وكل ذلك خوفا من الاقتراب إلى حد يفوق كرسي حامل الجنزير.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard