فيلم "فخّ"... السُمّ في الأبدان، البيت، الهواء والبحر

الثلاثاء 4 مايو 202110:11 ص

استضاف مهرجان الفيلم العربي في برلين هذا العام الفيلم الروائي القصير "فخّ" للمخرجة المصريّة ندى رياض، والذي يحكي، أو بصورة أدق، يلتقط ما يعجز الكلام عنه، أي سُمّيّة العلاقة بين شاب وفتاة غير متزوجين، "ذهبا إلى منتجع بحري مهجور مصري في الشتاء... من أجل ممارسة الجنس"، الجدير بالذكر أن الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان كان عام 2019 ضمن أسبوع النقّاد.

فخّ الآخرين

تلاحق كاميرا المخرجة منذ اللحظة الأولى الشاب الذي يلعب دوره "إسلام علاء"، والفتاة التي تؤدي دورها "شذى نور الدين" في "رحلتهما" إلى مساحتهما الخاصة، تلك الغرفة البعيدة، القريبة من البحر، المساحة التي كانت مصيفاً وفضاء للأبدان شبه العارية والاحتفاء بالجسد أضحت مساحة مهجورةً، متروكة للمتلصصين والكلاب الجائعة.

طوال الطريق أعين الناس تحدق بالاثنين، أثناء ذلك تحاول الفتاة التواصل مع صديقتها، خط الأمان الذي يصلها مع الخارج، الصوت الذي يمثل دعامة تتكئ عليها الفتاة من أجل إنهاء "العلاقة"، تلك التي يكشف الفيلم لنا عن سمّيتها، بمعنى، كل ما يحدث لا ترضى عنه شخصية نور الدين: هي تنصاع أمام تحديقة الشاب والناس و الفئران في الشارع، وكلمات صمت شخصية إسلام، تلك التي تثير القشعريرة.

الفيلم الروائي القصير "فخّ" للمخرجة المصرية ندى رياض، يحكي، أو بصورة أدق، يلتقط ما يعجز الكلام عنه، أي سُمّيّة العلاقة بين شاب وفتاة غير متزوجين، "ذهبا إلى منتجع بحري مهجور مصري في الشتاء... من أجل ممارسة الجنس"

هو لا يتحدث، بل "يقود" الفتاة إلى ذاك المكان، الخصوصي، الداخلي، المتعفّن كعلاقتهما المحكومة بالصمت والابتزاز العاطفي، وإن تحدّث، هددّ بالفضح أو انهار مُحباً شبقاً.

يحوي الفخ عادةً نقطة تكشف عن آلية عمله في سبيل الفرار منه، لكن في الفيلم، الفخّ من نوع آخر، لا يبدأ لحظة دخول الشقة، إذ لا مفرّ منذ أن رأينا الاثنين في اللقطة الأولى.

الكل متواطئ ضد الفتاة، سواء بصمتهم أو تحديقتهم التي تخرق اللحم، وهذا ما يميز الأفخاخ السامّة، لا خلاص منها حتى وإن اخذنا قرار الرحيل واكتشفنا كل تفاصيلها، وهذا ما يحدث نهاية، بالرغم من قرار الإنهاء والقطيعة التي تتخذه الفتاة، نراها باسم "الحب"، فريسة لإسلام، الذي يُعمل لحمه في لحمها كضجعة وداع من نوع ما، أشبه بدَيْنٍ عليها تسديده ولا فكاك منه.

الكل متواطئ ضد الفتاة، سواء بصمتهم أو تحديقتهم التي تخرق اللحم، وهذا ما يميّز الأفخاخ السامّة، لا خلاص منها، حتى وإن اخذنا قرار الرحيل واكتشفنا كل تفاصيلها

تشير مخرجة الفيلم في لقاء تلفزيوني معها أن نهاية الفيلم "واقعية"، أي لا "تهرب" الفتاة، ولا تتمكن من مغادرة "الفخ"، هذه "الواقعية" تكشف لنا عن الفخ الأكبر، فالشروط الشخصية والموضوعيّة، وإيجاد مكان مهجور لاختبار الحميميّة، مروراً بالطريق واستعصاء الرغبة بالمغادرة، كلها جزء من الفخ، ذاك الذي إن "أُحكم" ظهر التهديد الجسدي، الذي نسمعه على لسان شخصية نور الدين ، إذ تستدعي قصة صديقة لها، هددها حبيبها برشها بـ"ماء النار" إن تركته.

ماءان يحضران في الفيلم، البحر القريب وما يحويه من غموض وأخطار وحسرة على زمن أفضل، والأهم، هو دليل على استحالة الهروب عبره، هناك أيضاً "ماء النار"، ذاك البعيد، غير المتوقع، والحاضر في أي لحظة في حال رحلت الفتاة، هو تهديد خفي لا يمكن رصده، استمرار للفخّ خارجاً، خاضع لعواطف الرجل وانفعالاته ورغبته بعطب ما كان يظن أنه يمتلكه، لكن، وحسب الحكاية التي نسمعها، الفكاك بضحيّة/ فتاة أخرى، تلك التي ستخلص الحبيب مما هو فيه وتؤمن له عملاً وحياة كريمة، هكذا تنتهي القصة التي ترويها لنا الفتاة.

حتى النموذج الذي يقدم في الفيلم للفكاك أو الانتهاء من العلاقة السامة، يحوي داخله فخاً أشد سطوةً من ذاك الذي نراه، فخّ مفاده احتمالات الاحتراق والتشوه من قبل الرجل، وهنا تتضح أمامنا تقنيّة الفخ الأشد سطوة والأقل ظهوراً، العاطفة الرجولية إن اشتدت، فدموع إسلام وحزنه على رغبة حبيبته بالرحيل، يترجم إلى انتهاك أو اغتصاب للفتاة في النهاية، أي ما حاولت شخصية نور الدين تفاديه منذ ذهابها إلى المنزل، بالرغم من كل محاولاتها لإنهاء الأمر، وبصورة أدق، عدم ممارسة الجنس مع حبيبها المفترض.

هذه الصورة عن الاستسلام، تتكرر سابقاً في الفيلم عبر لقطة لغراب ينبش لحم كلب ميت، فلا قوة للكلب على الرحيل، ولا رادع للغراب إلا شبعه.

أن تصنع فيلماً... مرتين

تشير رياض في ذات اللقاء السابق إلى أنهم صوروا الفيلم مرتين، أي في منتصف التصوير قررت الممثلة التي كانت تلعب دور الفتاة وجزء من طاقم التمثيل التوقف عن العمل لأنه "لا يناسبهم".

ماءان يحضران في فيلم "فخّ" لندى رياض، البحر القريب وما يحويه من غموض وأخطار وحسرة على زمن أفضل، وهناك أيضاً "ماء النار" الذي يهدد الفتاة التي تحاول الفرار من علاقتها السامّة

لا نعلم ما هي الأسباب الحقيقية وراء ذلك ولا ماهية الحيثيات، لكن المثير للاهتمام في هذه القصة العلنيّة هو أثر الصناعة السينمائية على الأفراد، سواء كانوا فاعلين ضمنها أو جمهوراً يشاهد بصمت، هذا التوقف يعني أن هناك أثراً ما على الواقع يمكن أن يتركه العمل السينمائي، ولو كان بسيطاً.

هذه الأمنية أو الحلم حسب رياض صعب التحقيق، لكن من توقف عن العمل. فكّر، وحسب وحاكم في عقله، ذات الأمر مع بعض المشاهدين، كلٌّ يتذكر ما يشابه هذا، جنس على مضض، احتمال للأوساخ و النفي والرعب في سبيل الرعشة، تنازلات وتراض، وإن مرت في لحظتها تترك أثراً، أحدها هو أن نتأمل فأراً وبحراً بينما يرتج باه رجل بين فخذي امرأة، جعلت جيدها قبراً لوجهه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard