عقود الموافقة على الجماع الجنسي... كيف نجعل الصراحة مثيرة وحميمية؟

الجمعة 17 أبريل 202006:35 م

"لم تمانع ذلك بشدّة."

"كنا مخمورين."

"لباسها يقول إنها لا تمانع."

"النساء يحببن أن تكون حازماً."

هذه "الحجج" يستخدمها الرجال كمحاولة لتمييع الحدود حول الجنس غير المرغوب به، إلقاء اللوم على الضحايا وإعفاء الجناة من الجرم، بحسب UN Women، في حملتها لإنهاء العنف ضد النساء

"السكوت علامة الرضا" "لم تمانع ذلك بشدّة." "كنا مخمورين." "لباسها يقول إنها لا تمانع." "النساء يحببن أن تكون حازماً."... هذه "الحجج" يستخدمها الرجال كمحاولة لتمييع الحدود حول الجنس غير المرغوب به، إلقاء اللوم على الضحايا

السكوت ليس علامة الرضا 

 وفقاً لمسح أجرته مجلة ماري كلير الفرنسية فإن 62% من النساء الفرنسيات، قد عانين من "الجماع الجنسي غير المرغوب به"، منذ وقت غير بعيد تم التشكيك بفكرة الموافقة على الاتصال الجنسي، عبر الإشارات التي يدعي كل طرف أنه حصل عليها، حيث لم تعد تلك الإشارات كافية لضمان الحقوق الشخصية أو يتم أحياناً تجاهلها أو الادعاء بعدم فهمها، لتفسير حالات من الجنس بالإكراه وصلت لحد الاغتصاب.

السكوت ليس "علامة الرضا" أبداً! الموافقة الصريحة هي وحدها علامة "الرضا" والقبول في العلاقات الجنسية

وبحسب المصدر نفسه، في تموز 2018 أصدر البرلمان السويدي قانوناً يحظر فيه الجنس مع شخص لم يعبر بطريقة واضحة وصريحة عن موافقته، في هولندا، أطلقت شركة قانونية متخصصة في الحلول القانونية تطبيقاً يسمح بالحصول على موافقة كتابية من الشريك من أجل الجماع وخيارات أخرى مرافقة. وفي الولايات المتحدة أطلق مايكل السبيرج Michael Ellsberg، قَسَماً للتوقيع على الإنترنت، يمنح الرجال الموافقة: أنا رجل وأتعهد بأن جميع علاقاتي الجنسية موافق عليها بشكل كامل.

ما الذي يحصل؟ بالتأكيد إن مفاهيم الاغتصاب والجنس بالرضا وحتى الجنس العادي ستتغير عما كانت. فماذا عن وضعها في العالم العربي؟ 

العنف الجنسي ضد النساء

في عام2015، أطلقت الناشطة التايلندية Wipaphan Wongsawang، مشروعاً يدعى Thaiconsent والذي يهدف لفتح مساحة، للرجال والنساء، لإجراء محادثات حول التفاعلات الجنسية. تدعو الحملة الناس للتمييز بين "الجنس التوافقي" والجنس غير المرغوب به"، وأثارت الحملة العديد من النقاشات، وكانت الناشطة قد بدأت بالمشروع بعد أن تعرضت لمحاولة اغتصاب من أحد معارفها. وهي نموذج ناجح عن تحويل الموافقة إلى جزء من العلاقات الجنسية. 

لا يمكن تجاهل حساسية هذه الخطوة، وخطورتها، حيث تشير تقديرات  هيئة الأمم المتحدة UN Women، أن 35% من النساء في العالم، قد عانين من العنف الجسدي و/أو الجنسي من قبل الشريك في مرحلة ما من حياتهن، طبعاً الأرقام لا تشمل التحرش الجنسي، بينما تظهر بعض الدراسات الأخرى أن الأرقام أكبر من ذلك بكثير، حيث تصل النسبة إلى 70% من النساء. وتشير الدلائل إلى أن النساء اللواتي عانين من عنف الشريك، جسدياً و/أو جنسياً، يبلغن معدلات أعلى من الاكتئاب، الإجهاض والإصابة بالإيدز، مقارنة باللواتي لم يعانين منه.

شملت الدراسات بلدان متعددة من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وكان الملاحظ أن الرجال الذين تعرضوا لشكل من أشكال العنف في الطفولة أو شاهدوا آباءهم يستخدمون العنف المنزلي يزداد احتمال ارتكابهم للعنف نفسه في حياتهم الخاصة. على سبيل المثال في لبنان، كان احتمال ارتكاب العنف المنزلي ضد الزوجة أو الشريكة أعلى بثلاث مرات عند الذين شاهدوا أباءهم يقومون بتعنيف أمهاتهم.

تشير تقديرات مكتب الأمم المتحدة المعني بالجرائم والمخدرات أيضاً، إلى أن أكثر من نصف عدد الضحايا النساء اللواتي قتلن في عام 2017 والبالغ عددهن 87000 امرأة، قتلن على يد شركائهن أو على يد أفراد من أسرهن، أي أن 137 امرأة تقتل يومياً على يد فرد من أسرتها.

كيف نحمي العلاقات من العنف بكل أشكاله ونحوله إلى  مساحات آمنة للنساء ؟ الجواب يبدأ قبل القبلة. 

النماذج الكتابية: عقود لممارسة التقبيل

كما يعرف القانونيون، إن الموافقة الشفوية تشبه الكتابية، لكنها أقل موثوقية، خصوصاً في حالات مشابهة، حيث لا يوجد شهود، ويستطيع أي طرف إنكار ما قاله قبل دقائق، أو ببساطة غيّر رأيه، لذا ظهرت أوراق (ونحن لا نمزح هنا) بمثابة عقود موثوقة ضد التقلبات المشابهة، وفيما يلي نموذج مثالي عن العقود القياسية التي يمكن استخدامها:

العقد الجنسي قبل الفعل

السيد.......                  التاريخ......

المهنة.......                  العنوان....

رقم الغرفة ....              رقم السرير.....

البريد الإلكتروني...... رقم الضمان الاجتماعي.......

الموضوع: عقد الفعل الجنسي

(ملاحظة: يمنع استعمال الألقاب، كلقب الدمية أو ملكة الجمال أو...)

أسمح لنفسي بطلب التفويض الرسمي لاستخدام جسدك بغرض القذف، من خلال هذا العقد وتوقيعه، تأذنين لي بالاستلقاء فوقك، اللحس، اختراق المهبل، المداعبة... إضافات أخرى........، بالمقابل، أصرّح لك بالسماح من الاستفادة من اللسان، المداعبات، أخرى.....

ويمكن أيضاً أن تشير إلى الوضعية التي ستقوم فيها بالممارسة: من الخلف، من الأمام، من فوق، من أدنى، أو أخرى.....

في حال رغبتكِ باستخدام السائل المنوي في التخصيب، سأكون ممتناً إذا أبلغتني مسبقاً، وإلا فإنك تُقرّين بناء على وعد شرف منك بأنك تقومين بأخذ موانع حمل، بحيث لن أستخدم الواقي الذكري ولن أنسحب قبل القذف. (تشطب العبارة غير الضرورية ويمكن إضافة عبارات أخرى لمنع أي خرق أحادي للعقد).

بتوقيعك على هذا المستند، تتخلّين عن أي دعوى قضائية تتعلق بالاعتداء الجنسي، الاغتصاب أو المضايقة المتعلقة بفعل المشاركة الذي ننوي فعله، وبعد الفعل، ستتركين لي فترة 15 دقيقة لأبعد نفسي فيها عنك، وخلال هذه الفترة، ستظل شروط اتفاقية عدم الاعتداء سارية.

أصرّح بالوارد أعلاه وأقبل الفعل الجنسي بالشروط المذكورة.

توقيع الطرف الأول                                      توقيع الطرف الثاني

يحدد الوقت والتاريخ ويسبق التوقيع عبارة: قرأته واعتمدته لفعل جنسي مخطط له بالإضافة لتاريخ نهاية الفعل.

قد يبدو الأمر هزلياً، لكن من وجهة نظر قانونية بحتة، فإن هذا العقد هو الوثيقة الأكثر ضماناً لتفادي حالات التحرّش وسوء الفهم، وصولاً للاعتداء الجنسي والاغتصاب.

إنها كشرب الشاي؟ 

يخبرنا الفيلم القصير الذي قامت شرطة التايمز بإنتاجه وتوزيعه بعنوان الشاي والموافقة، أن الأمر يشبه أن تعرض على أحدهم شرب الشاي. 

 فيجب أن يقول نعم أو لا، وإن الأمر بمثل هذه البساطة، حيث قد يبدي الطرف الآخر رغبته بشرب الشاي، ثم يغير رأيه لاحقاً، وهذا لا يعطيك الحق بإرغامه على شرب الشاي لأنه أبدى موافقة ثم غير رأيه، وإذا رغب بشرب الشاي اليوم وشربها فعلاً، أيضاً لا يعني أنك تستطيع جعله يشربها كلما رغبت ويومياً، وبرغم من الأهداف النبيلة الواضحة في الفيلم التثقيفي المذكور إلا أن الأمر ليس هكذا ببساطة.

فأمر معقد مثل العلاقات البشرية ليس فنجان شاي، وبالتأكيد ليس أيضاً "قطعة كعك"، فلا يمكن الحدّ من العلاقات البشرية واختصارها بالموافقة على إجرائها، فالنشاط الجنسي غير التوافقي هو اعتداء والاختراق بدون موافقة هو اغتصاب، والشهادات الموثقة للضحايا تذكير مؤثر بالضرر الخطير الذي يقع عندما يتم تجاهل الرفض، لكن الموافقة نفسها لا تضمن أن الشريكين سيبتعدان بعد إنهاء العلاقة بدون ضرر، لأن الموافقة المستندية تحمي فقط المؤسسات، رؤساء المصارف وموظفي الشركات، من أن يتمّ اتهامهم باستغلال مواقعهم السيادية، لكن الأمر يتجاوز الجانب الحقوقي ليدخل في الأثر النفسي الذي يقيمه الفعل نفسه.

الرغبة بإقامة علاقات جنسية تتضمن منافع مختلفة لكل طرف، حسناً ماذا لو لم يكتف طرف بما أخذ واكتفى الطرف الآخر؟ ماذا لو أن توقعات طرف أعلى من توقعات الآخر؟ ألن يشعر بالانتهاك وبأنه تم الاعتداء عليه أيضاً و"استُخدم" ليرضي الطرف الآخر بينما لم يرض هو شخصياً؟

الموافقة ليست كل شيء، ولكنها الخطوة الأولى

كيف يكون شكل الموافقة على الجنس؟ الجواب بسيط: الموافقة تكون واضحة وصريحة. 

تشبه بروتوكولات الموافقة تلك، البروتوكولات التي تم تطويرها في المجتمع الطبي، حيث يتم إخبار المريض بالإجراء المتبع والمخاطر التي ينطوي عليها والخيارات الأخرى المتاحة، ويهدف هذا البروتوكول الحصول على موافقة حرة ومستنيرة قدر الإمكان من المريض، ولكنها أيضاً تنطوي على بند خفي وخبيث، يعفي الطبيب من أي خطأ مستقبلي يحصل، بإلزام المريض، أو من ينوب عنه في حالات الغيبوبة، بعدم التفكير في مقاضاة مرتكب الخطأ.

الكثير من الناس، وخاصة النساء، يقمن بفعل الحب دون رغبة حقيقة، إرضاء للشريك، أو لتجنب الإزعاج المتواصل، لعدم إغضابه أو لأنهن لا يجرؤن على الرفض أصلاً، أو لأن هذا ببساطة ما يتوقع من الشريكات القيام به. هل ينطبق على الشريكات/الشركاء الدائمات/الدائمين فعل الموافقة أيضاً؟ نعم وبكل تأكيد، فحتى ضمن العلاقات الزوجية يحصل نوع من الاعتداء الجنسي يصل لحد الاغتصاب أيضاً، وهناك من تتضايق من الفعل نفسه فترغب بالانتهاء منه بسرعة، وهذا أكثر قسوة حتى من فعل الاعتداء، فمن الضروري أن تمتلك الزوجة أو الشريكة هذه المقدرة على عدم فعل ما لا ترغب بفعله، لا بدافع الشفقة ولا الخوف ولا الخشية من خسارة الشريك، لكن العلاقات الحقيقية، لا تتضمن الجنس فحسب، بل التفهم والانسجام أيضاً.

الصراحة لا الغموض

طالما نسبت الثقافة العامة الشغف وولع الحبّ للغموض والمفاجأة، وحتى "عدم رضا" المحبوب. فتتغنى بها عشرات الأغاني والأشعار، من "بغازلك غصب عنّك"، إلى "شفافك ما خلقت لـتحكي شفافك خلقت لتنباس". وهذه الحالة لا تقتصر على العالم العربي. تحكي الأغنية الأمريكية الكلاسيكية "حبيبتي، الطقس بارد في الخارج!"  قصة امرأة تزور بيت حبيبها، ومحاولته إغراءها بالبقاء لأن الجو عاصف، وفي محاولة لإظهار المعاني المخيفة في محاولة إقناع المرأة بالبقاء ضد رغبتها، قام فريق Key and Peele، بإعادة تقديمها بطريقة ساخرة، تقول الأغنية "لا تعني لا!" وتنقلب الموازين، لأن المرأة متدربة على فنون القتال، وتلقن مضيفها درساً في آداب "القبول".  

والآن، أين الحب في كل هذا؟ أين الشغف والرغبة بمقابل اتفاق ينقصه فقط التوثيق في السجل العقاري أو مديرية المالية، أو ربما يحتاج أيضاً لطوابع من فئة ما. يحب الأشخاص بشكل عام، المفاجآت غير المتوقعة، خصوصاً في الألعاب الجنسية التي تضيف متعاً مجهولة وغير متوقعة، ، هل نوقف العملية الجنسية بكل ما فيها من حرارة واندفاع لنضيف بنداً يتعلق باستخدام اللسان في أماكن غير مخطط لها من قبل؟ ربما لا، ولكن يمكن أن نسأل، بطريقة صادقة وحميمية، "هل تمانع/تمانعين إن قمت بكذا؟". أصبح السؤال "هل يمكن أن أقبلك؟" في الثقافة الأمريكية مثلاً، مثيراً، وحلّ محلّ إثارة وشغف القبلة المفاجئة. 

 استخدام الموافقة الصريحة، لن يفسد المفاجأة، ولن يؤثر على الجنس وشغفه ومغامراته، ولن نخسر هذا الشعور بالإثارة. علينا أن نخلع صفة اللذة عن السرّية والمفاجئة والغموض لأنها حالات تعرضنا رجالاً ونساء، ولكن النساء خاصة، لمخاطر العنف. لنبدأ بتحويل الموافقة إلى  جزء مرغوب به، وحتى مثير لمغامراتنا وألعابنا الجنسية. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard