محاكمات وإعدامات وغلاء... هكذا مرّ أول رمضان بعد ثلاث ثورات مصرية

الاثنين 26 أبريل 202112:09 م

صبغت الثورات المصرية أول شهر رمضان يمرّ بعدها بألوانها، فكان شاهداً على كثير من الأحداث التي مثّلت منعطفات في مساراتها في كثير من الأحيان.

ثورة 1919... أحكام عرفية وارتفاع أسعار

في الثامن من آذار/ مارس 1919، اعتقلت سلطت الاحتلال الإنكليزي سعد زغلول ورفاقه، على خلفية جمعهم توكيلات من الشعب المصري للسفر إلى مؤتمر الصلح في باريس (18 كانون الثاني/ يناير 1919- 21 كانون الثاني/ يناير 2020) لعرض قضية استقلال مصر، وأصدرت قراراً بنفيهم إلى جزيرة مالطا.

أشعل القرار لهيب الثورة في قلوب المصريين، ما أدى إلى تراجع بريطانيا، وإعلانها الإفراج عن سعد زغلول ورفاقه في السابع من نيسان/ أبريل من نفس العام، والسماح لهم بالسفر إلى باريس لحضور المؤتمر وعرض قضية مصر.

في أعقاب هذه الأجواء، جاء شهر رمضان من العام 1337هـ، وكانت غرته في 30 أيار/ مايو 1919. ورغم أن لهيب الثورة هدأ نسبياً بعد سفر الوفد إلى فرنسا، إلا أن الأحكام العرفية كانت مستمرة، وبمقتضاها كانت حركة الناس محدودة ليلاً، مع تشديد على عدم إشعال المصابيح. وبسبب هذه الظروف كان الاحتفال برؤية هلال رمضان بدون موكبه المعروف.

ويذكر عبد الرحمن الرافعي في كتابه "ثورة 1919... تاريخ مصر القومي من سنة 1914 إلى سنة 1921"، أن وزارة محمد سعيد باشا، التي تشكلت بعد الثورة وجوبهت برفض شعبي كبير، أرادت أن تتودد إلى الجمهور بعمل تخفف به من تيار الاستياء والسخط الذي كان يكتنفها، فأذاعت منشوراً طويلاً في 28 أيار/ مايو 1919 بمناسبة قرب حلول شهر رمضان، قالت فيه إن وزارة الداخلية اتفقت مع السلطة العسكرية البريطانية على إزالة بعض القيود لتسهّل على المسلمين إحياء ليالي رمضان بقراءة القرآن وسماع الذكر الحكيم وتأدية الصلوات المفروضة والمسنونة وقراءة ما جرت عليه العادة من الأدعية والأحزاب والأوراد في مساكنهم، وتمضية الليالي في المقاهي.

وبحسب الرافعي، كان الظاهر من أسلوب هذا المنشور رغبة الوزارة في صرف الأمة عن الكفاح السياسي، بتكبير بعض الظواهر التقليدية كقراءة الأحزاب والأوراد، أو تمضية ليالي الشهر في المقاهي والمطاعم.

ويذكر خالد أبو بكر/ في كتابه "رمضان والثورة في مصر"، أن وزارة الداخلية أصدرت بياناً ثانياً في التاسع من رمضان، أشادت فيه بحالة السكينة والهدوء التي عمت البلاد خلال شهر الصوم، وبناء عليه أعلنت الحكومة بدء رفع الأحكام العرفية.

ودخل السلطان فؤاد هو الآخر على خط التقرّب من الشعب، فأخرج مبلغ ألفي جنيه لتوزيعها على فقراء القاهرة.

ويذكر الدكتور أحمد الملا، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر لرصيف22 أن شهر رمضان في ذلك العام شهد ارتفاعاً كبيراً في أسعار السلع الغذائية، بسبب أحداث الثورة التي قيّدت حرية نقل البضائع من محافظة إلى أخرى بسبب تعطل القطارات وغلق كثير من الطرق.

محاكمات عسكرية وإعدامات

في الـ15 من آذار/ مارس 1919، أي بعد خمسة أيام على قيام الثورة، شكّلت سلطة الاحتلال البريطاني محاكم عسكرية لمحاكمة الثوار، وبحلول شهر رمضان كانت هذه المحاكم معقودة في كل مديرية من مديريات مصر.

وفي هذا الشهر، حوكم البكباشي محمد كامل محمد مأمور بندر أسيوط، لاتهامه بالتحريض على مهاجمة البريطانيين وتسلحيه عدداً من الثوار ببنادق البوليس والخفر، ما شجّعهم على الهجوم على الحامية البريطانية في أسيوط، بحسب الرافعي.

ورغم محاولات المأمور دفع التهمة عن نفسه، لكن شهادة بعض المرتزقة الذين تصيّدتهم السلطة العسكرية حالت دون ذلك، ومن ثم حكمت المحكمة العسكرية عليه بالإعدام.

عكس أول شهر رمضان أعقب ثورة 23 تموز/ يوليو 1952 المصرية حجم التغيير الذي حدث في مصر، إذ اكتسى بـ"اللون الكاكي"، لون ملابس أفراد الجيش

ويذكر الرافعي أن وفوداً عدة سافرت من أسيوط إلى القاهرة لطلب تخفيف الحكم عن هذا البكباشي، لكن ذهبت مساعيهم عبثاً، ونُفّذ الحكم فيه رمياً بالرصاص يوم الـ12 من رمضان 1337هـ (10 حزيران/ يونيو 1919).

ومن أهم المحاكمات العسكرية التي انتهت في شهر رمضان ذلك محاكمة المتهمين في مقتل ثمانية ضباط وجنود بريطانيين في الـ18 من آذار/ مارس 1919، وتُعتبر أشد وقائع الثورة عنفاً إذ بلغ عدد المتهمين فيها 91 شخصاً.

ويذكر الرافعي أن المحكمة قضت في الـ17 من رمضان (15 حزيران/ يونيو) بالإعدام على 51 شخصاً، ثم عفا القائد العام يوم 21 رمضان عن واحد منهم، وعدّل عقوبة الإعدام إلى الأشغال الشاقة لعشرة آخرين، وبعد وساطة رئيس الوزراء محمد سعيد باشا، عدلها أيضاً بالنسبة لستة إضافيين، ونُفّذ الحكم في الباقين.

ثورة 23 يوليو... رمضان بـ"اللون الكاكي"

كانت غرة شهر رمضان الأول بعد ثورة 23 تموز/ يوليو 1952، في 14 أيار/ مايو 1953، أي بعد حوالى عشرة أشهر من قيامها. وما جرى في هذا الشهر يعكس بدقة حجم التغيير الذي حدث في مصر، إذ اكتسى شهر رمضان بـ"اللون الكاكي"، لون ملابس أفراد الجيش.

ويذكر أبو بكر في كتابه أن أزمة ارتفاع الأسعار ونقص السلع ومنها الخضار، وخاصة الطماطم، كانت حاضرة في هذا الشهر، وللحد منها لم يجد وزير التموين حينذاك محمد صبري منصور حلاً سوى الاستعانة بالجيش لفرض رقابة صارمة على الأسواق ومراقبة الأسعار.

ورمى الجيش بثقله لتخليص العاصمة من المشكلة، ومن ثم أعلن في الخامس من رمضان (19 أيار/ مايو 1953) إشرافه على تموين القاهرة، وقرر استيراد شحنة كبيرة من "الصلصة" لحل أزمة نقص الطماطم.

وأمام الارتفاع الكبير في أسعار السلع، قررت وزارة التموين تطبيق نظام "التسعير الجبري" الذي تحدد الحكومة بمقتضاه الأسعار، بغض النظر عن نظام العرض والطلب وتعاقب مَن يخالفه. وبررت ذلك في بيان بأن "نظام التوزيع والتسعير الإجباري عرفته مصر أيام القحط في عهد سيدنا يوسف، كما أن معظم البلاد الأجنبية اتّبعته خلال الحربين العالميتين الأخيرتين، وذلك لحصول كل فرد على نصيب من المحاصيل".

فتح القصور الملكية أمام الجمهور

وفي اليوم الثاني من رمضان، فتحت حكومة الثورة قصر المنتزه في الإسكندرية للمواطنين بآثاره وحدائقه، وحددت تذكرة الدخول بعشرة قروش للفرد، وتبعه فتح قصور أخرى.

ويذكر  أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر الدكتور عاصم الدسوقي لرصيف22 أن قادة الثورة هدفوا من وراء ذلك إلى مغازلة الشعب، وإتاحة الفرصة أمام المصريين لرؤية أماكن لم يكونوا يتخيّلوا يوماً أنهم سيدخلونها، وإلى تعريفهم بالبذخ الذي كانت تعيش فيه الأسرة المالكة، بينما كان الشعب يعاني من الفقر.

صبغت ثورة يناير 2011 المصرية أنواع البلح المباع في رمضان بروحها، فظهر بلح "الشهداء"، وكان من أغلى الأنواع، وبلح "جمعة الغضب"، وبلح "التنحي"، وبلح "شباب الثورة"... فيما أُطلق مسمى "مساجين طرة" على أقل الأنواع جودة

ولأن العمل على استمالة الشعب وكسبه إلى صف الثورة كان مجهوداً رئيسياً لقادتها، خرجت فروع "هيئة التحرير"، التي شكلتها الثورة بعد حل الأحزاب في الـ16 من كانون الثاني/ يناير 1953، لجمع زكاة رمضان من الميسورين وإنفاق ما تجمعه على إطعام الفقراء.

وباسم هيئة التحرير، مُدَّت 150 مائدة في أنحاء القاهرة، لا يقل عدد المدعوّين إليها عن 25 ألف مواطن من الفقراء، وكان الضباط يستقبلون المواطنين الفقراء بالبشاشة والترحيب.

محاكمة رموز النظام السابق وجدل الدستور

وشهد العاشر من رمضان الأول بعد الثورة أول محاكمة لرموز العهد الملكي، ضمن ما يعرف بـ"محاكمة الغدر"، والتي تأسست في 22 كانون الأول/ ديسمبر 1952، لمحاكمة الموظفين وأعضاء البرلمان عن اتهامات استغلال النفوذ والفساد، بحسب الدسوقي.

وكان أول مَن حوكم كريم ثابت، المستشار الصحافي للملك فاروق، ومدير مستشفى المواساة في الإسكندرية الدكتور أحمد النقيب، وذلك بتهم استغلال النفوذ وإفساد الحياة السياسية والفساد المالي.

وبحسب أبو بكر، اشتدّ في هذا الشهر الجدل حول الدستور، ففي السابع منه أجرت جريدة "الأهرام" حديثاً طويلاً مع عضو مجلس قيادة الثورة صلاح سالم بشأن الانتقادات التي وُجّهت للطريقة التي تُختار بموجبها لجنة وضع مشروع الدستور الجديد، وهي التعيين.

وثار جدل أيضاً بشأن المادة الأولى من دستور 1923 الذي أسقطته الثورة، والتي تنص على أن "الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية"، إذ لم يكن يتصور البعض دستوراً بدونها، بينما كان آخرون يرون أن الدساتير العصرية لا تحتوي مثل هذه المواد، بل تؤكد على حرية العقيدة ضمن الحريات والحقوق الديمقراطية الأخرى.

ودفع هذا الصراع البكباشي جمال عبد الناصر للتصريح في الثامن من رمضان (22 أيار/ مايو 1953): "إني أرى أن يكون نظام الدولة جمهورياً، وأن ينص الدستور على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام".

في هذا الشهر أيضاً، اشتعلت قضية جلاء القوات البريطانية عن منطقة قناة السويس، وقرر مجلس قيادة الثورة حظر توريد المواد الغذائية وخامات الصناعة والبناء إلى هذه القوات، وذلك لضمان عدم حصولها على شيء من المواد والسلع التي تحتاج إليها مصر.

وشهد هذا الشهر أيضاً زيادة الحشد الجماهيري للعمل الفدائي والكفاح المسلح في منطقة قناة السويس، فزار أعضاء مجلس قيادة الثورة مدينة السويس في الثالث منه، والتقوا الناس هناك، وكانت الصحف رأس حربة في هذا التوجه الرافض للمفاوضات من الأساس، وتولّدت قناعة بأن الإنكليز لن يخرجوا من مصر بسهولة، وتصاعدت تصريحات مجلس قيادة الثورة في هذا الاتجاه.

ثورة 25 يناير... ياميش بطعم الثورة

بعد نحو ستة أشهر من قيام ثورة 25 كانون الثاني/ يناير 2011، حلّت أول أيام شهر رمضان في الأول من آب/ أغسطس. يروي أبو بكر أن احتفال دار الإفتاء المصرية برؤية الهلال شهد حضور أربع شخصيات كان مستحيلاً أن تحضر في ظل نظام الرئيس السابق حسني مبارك، وهم رئيس حزب الوفد السيد البدوي، والمرشح المحتمل للرئاسة وقتها حمدين صباحي، ومرشد جماعة الإخوان المسلمين محمد بديع، والقيادي في الجماعة الإسلامية عصام دربالة.

وصبغت الثورة ياميش رمضان (الفواكه المجففة والمكسرات) بروائحها، وظهر ذلك في أنواع البلح، مثل بلح "الشهداء"، في إشارة إلى شهداء الثورة، وكان من أغلى الأنواع، وبلح "جمعة الغضب" في إشارة إلى أحداث يوم 28 كانون الثاني/ يناير الذي اشتعلت فيه الثورة الشعبية في جميع محافظات مصر، وبلح "التنحي" ويُقصد به تنحي مبارك عن السلطة، وبلح "شباب الثورة".

كما أُطلق مسمى "مساجين طرة" على أقل أنواع البلح جودة، في إشارة إلى رجال النظام السابق الذين كانوا سجناء في سجن مزرعة طرة، جنوب القاهرة.

محاكمة القرن وجدلية الدستور

وشهد اليوم الثالث من رمضان الجلسة الأولى لمحاكمة الرئيس السابق وولديه جمال وعلاء، ووزير داخليته حبيب العادلي وستة من كبار مساعديه، ورجل الأعمال حسين سالم، في المحاكمة التي سُمّيت بـ"محاكمة القرن".

ويذكر أحمد محمد شلبي، في كتابه "محاكمة القرن... أسرار ووثائق قضية مبارك"، أن عدداً كبيراً من أسر الشهداء تجمعوا في هذا اليوم أمام مكان محاكمة مبارك في أكاديمية الشرطة، وظلوا يهتفون مطالبين بالدخول إلى القاعة لرؤية مبارك في القفص. وأمرت قيادات الأمن جنودها بالاستعداد للتعامل في حالة الهجوم، إلا أن شاشة كبيرة تبث ما يحدث في القاعة وُضعت أمام الأكاديمية نفّست عن العاضبين.

ومن أبرز القضايا التي شغلت حيزاً كبيراً من الاهتمام خلال رمضان الأول بعد الثورة قضية "الدستور الجديد" وشكله، بعد أن أسقط دستور 1971، وظهر خلاف حاد بين قوى مطالبة بوثيقة لـ"مبادئ حاكمة لصياغة الدستور الجديد" تتضمن مقومات الدولة والحقوق والحريات الأساسية للمواطنين، ومعايير انتخاب الجمعية التأسيسية التي ستتولى وضع الدستور، وبين تيار الإسلام السياسي الذي اعتبر أن هذه المبادئ يجب أن تضعها الجمعية التأسيسية المنتخبة من قبل البرلمان.

وخلال هذا الشهر، عُقد 22 لقاءً شارك فيها ممثلون عن الأحزاب والنقابات العمالية والمهنية والطرق الصوفية والجمعيات الحقوقية وغيرها، وانتهت بتأييد طرح إعلان المبادئ الأساسية وبالاتفاق على معايير تشكيل الجمعية التأسيسية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard