أسئلة غائبة على هامش رحيل ميشيل كيلو

الجمعة 23 أبريل 202112:22 م

يثير رحيل الكاتب والمثقف والمعارض السوري ميشيل كيلو مشاعرَ حزنٍ وأسى كبيرة، كما يحفّز، في الآن عينه، على طرح أسئلة كانت وما تزال غائبة، ولا يبدو أن مجال طرحها بسهولة والنقاش حولها سيكون متاحاً في السنوات الكثيرة القادمة، سواء رُحِّل بشار الأسد عن السلطة أم لم يُرحّل.

كيلو، المناضل الذي قضى أكثر من نصف عمره في مقارعة نظام التوحش في دمشق، والمثقف الثمانيني الذي لم يكتم في معظم مقابلاته التلفزيونية شوقه للعودة القريبة إلى "سوريا الحرة" التي حلم بها وعمل لأجلها، قضى مؤخراً في بلد المنفى، فرنسا، في زمنٍ تبدو فيه "الحرية" التي نشدها طويلاً ممنوعة وممتنعة على السوريين و"بلدهم".

في هذا ما يبعث على الألم تجاه جيل سوري ينتمي إليه الرجل، جيلٌ بات اليوم في السبعينات والثمانينات، وأحياناً التسعينات من عمره، وباتت أسماء أبنائه علامات مقترنة بمقارعة نظام الأسدَين، الأب والابن، من دون أن يقطفوا ثمار القضية التي نذروا أعمارهم وحيواتهم لأجلها.

في المقابل، ثمة مسائل ونقاشات تبدو ملحّة اليوم، بالتزامن مع موجات الحزن الكبير التي تخللتها، أحياناً، رسائل لترهيب والتشكيك بوطنية ومعارَضة كل مَن يمكن أن يتفوه بعبارة نقدية على وسائل التواصل الاجتماعي أو في الصحافة تجاه "أبي أيهم" بعد وفاته.

وغنيّ عن القول إن مقولات من قبيل "حصانة الميت" و"حرمة الموت" هي من تلك "الكليشيهات" التي تنهل من منهل ديني، لا سياسي، في بلد يسبح كثرٌ من "مثقفيه" في بحار التقديس والتطويب والأيْقَنة وعبادة الفرد، هذا بالإضافة إلى أن المشتغل في الشأن العام يُفترض أن يبقى، على ما نفترض، عرضة للنقد في ما كتبه وقاله ونقَله إلى ما بعد رحيله. يصح ذلك في كارل ماركس كما يصح في أبي هريرة، رضي الله عنهما طبعاً.

وصل الفرز الفيسبوكي السوري على خلفية رحيل كيلو، في بعض محطاته ولَطمياته، إلى ضرورة التمييز بين أشخاص "محترَمين" وآخرين "غير محترمين"، بحيث يكون معيار الاحترام هو الموقف من ميشيل كيلو، وأصبح كل مَن ينتقد الفقيد في أحايين أخرى، من وجهة نظر البعض، "أقرب إلى النظام" منه إلى المعارضة، وهلم جراً من أجواء تغرف مما أنتجه "الربيع العربي" في سوريا من شعارات أبرزها "كسر حاجز الخوف"، عبر موجات التخويف والتخوين المستحدثة.

"في رحيل ميشيل كيلو ما يبعث على الألم تجاه جيل سوري ينتمي إليه الرجل، جيل بات اليوم في السبعينات والثمانينات وأحيانا التسعينات من عمره، وباتت أسماء أبنائه علامات مقترنة بمقارعة نظام الأسدَين، الأب والابن، من دون أن يقطفوا ثمار القضية التي نذروا أعمارهم لأجلها"

لا يهدف هذا النص إلى إعمال مبضع النقد في كتابات ونصوص كيلو، لا عبر النقد ولا عبر النقد المضاد، كما أن أداءه السياسي والذي وصفه بعض المتيمين به بـ"الإبداع السياسي والبراغماتية الفذة" يحتاج ورقة بحثية مطولة وخاصة في "البراغماتية" كمفهوم.

أضف أنه من الظلم تناول الرجل بالنقد، كشخص، وإغفال كونه جزءاً من إطار أوسع يحفل بالتناقضات وفي القفز غير المفهوم بين المراكب والأمكنة واستحضار الشعارات الرنانة وتحويلها إلى شرائع، أي باعتباره نموذجاً لحالة سورية يبقى كثيرون من رموزها، مثقفين أو سياسيين أو ممَّن يحوزون اللقبين معاً، على كل ما قاموا به من سلوك وأداء مأساوي، أشخاصاً لا يمكن تحميلهم بأي حال من الأحوال أي مسؤولية عن نتائج ومآلات كارثية كالتي آلت إليها سوريا، وإنْ يكن ثمة مسؤولية أخلاقية تتعلق بصون كرامة المعارضة وشرفها، أقلّه من خلال الاتساق المطلوب بين "الفكر" والممارسة.

ننحاز إلى ضرورة الفصل والتمييز بين ميشيل المناضل وبين ميشيل الكاتب والمثقف الذي وصل الأمر بالبعض بعد رحيله إلى وصفه بـ"وريث إلياس مرقص وجورج طرابيشي". فالإنسان -الكاتب أو المثقف أو غيرهما- يخطئ ويصيب في التحليل والتفسير والتأويل طبعاً، وهي سمة تلازم المناضل السياسي أيضاً وبالضرورة، مع ملاحظة فارق يبدو لنا أساسياً، وهو أن الراحل كان قادراً على دمج الاثنين معاً، الكاتب والمناضل، وهي حالة ليست الأولى من نوعها في التاريخ وكثيراً ما ثابر عليها كل مَن يمكن وصفه بـ"المثقف العضوي"، لكنها قد تكون كذلك من خلال امّحاء أي فارق أو حد يفصل بين هذين، لدى كيلو ولدى آخرين غيره، بحيث يصبح التمييز بينهما في النص مستحيلاً، كما يتعذّر، والحال على ما هو عليه، التفريق بين المقال وبين البيان السياسي-الحزبي الذي تتسرب الشعارات من شقوقه الكثيرة أكثر مما تتسرب الأفكار.

"إذا صح أن ميشيل كيلو كان مثقفاً عضوياً... يصير من الممكن القول إن تحوّلات مفهوم المثقف العضوي وتبدلاته تبقى منفية ومطرودة إلى خارج السياق السوري، ما يجعل من سوريا بلداً خارج الزمن وذا بعدٍ واحدٍ وقضية واحدة هي ‘الوطنية السورية’ المفترَضة"

واستطراداً، وباستعارة جزء من تعريف غرامشي للمثقف العضوي باعتباره "منتمياً إلى طبقة يتصدى دائماً للدفاع عنها وعن مصالحها"، وعلى رغم أن سوريا بلد لم تتشكل فيه الطبقات بالمعنى الحديث للكلمة، أسوةً ببلدان مشرقية (وشرقية كثيرة)، إلا أنه بلد شهد انقسامات وتمايزات ومفاضلات اجتماعية وطائفية وإثنية، وعصبيات واحترابات تحوّل كل منها إلى قضية بحد ذاته.

وإذا صح أن ميشيل كيلو كان "مثقفاً عضوياً" بالمعنى الغرامشي على ما يعتبر كثيرون، بات من الممكن القول إن تحوّلات مفهوم المثقف العضوي وتبدلاته مع تبدلات العالم ودور المثقف وأدواته، وطبيعة القضايا المحلية والعالمية اليوم، هي تحوّلات تبقى منفية ومطرودة إلى خارج السياق السوري في الحالة هذه، ما يجعل من سوريا بلداً خارج الزمن وخارج العالم وفوق التاريخ، بلداً ذا بعدٍ واحدٍ وقضية واحدة هي "الوطنية السورية" المفترَضة والمتخيَّلة، ويجعل كل انتباه إلى قضايا قديمة كانت مكبوتة وانفجرت في وجه الجميع، انتباهاً مرذولاً أو مردوداً إلى سوية واحدة هي "النظام فقط". فـ"كل أشكال التفرقة القومية والدينية والطائفية والمناطقية التي تُغرق السوريين راهناً، كان يراها كيلو وليدة ظرفٍ سياسي خاص فحسب، ناتج عن الاستبداد المديد. حيث سيعني وسيؤدي إسقاطه حسب الراحل إلى نهاية كل أشكال التفرقة والصراعات البينية تلك، وتالياً العودة إلى الأصول ‘البريئة’ التي كانت"، على ما أشار رستم محمود في مقال له.

كان ميشيل كيلو، فعلياً، مثقفاً عضوياً بالمعنى الحرفي للكلمة، وبالمعنى الذي ولد فيه المفهوم في "دفاتر السجن" لأنطونيو غرامشي قبل أقل من مئة عام بقليل، أي أنه المثقف الذي ينتمي إلى "طبقة سياسية" هي "المعارضة السياسية الرسمية"، علماً أنها "طبقة" من سوية عصَبية في جزء كبير منها، يدافع عن مصالحها باعتبارها صنو "الثورة" من منظوره ومن منظور حُكمه على هذه المعارَضة أو تلك، تبعاً لوجوده في أيّ منهما. وكان أيضاً يهدف إلى "التغيير الديمقراطي" الذي يعادل، بالقياس إلى ثلاثينيات القرن الماضي، "وصول الحزب المعبر عن مصالح الجماهير إلى السلطة".

هنا تغيب التمايزات لصالح "الوهم المقدّس" ممثلاً بافتراض أن القضية السورية قضية واحدة، وأن السوريين شعب واحد، ولا يهمّ تأجيل كل نقاش في ما هو تحت هذا السطح أو نفيه بحجة "القضية المركزية".

يمكن الاستفاضة كثيراً في هذا الموضوع، في إطار النقد السياسي والتعاطي الثقافي مع كيلو كظاهرة سورية من ضمن ظواهر كثيرة مشابهة أو مختلفة. يحتاج الخوض في الأعوام العشرة الأخيرة وما حصل فيها إلى مساحات وأوراق كثيرة، وإلى ورشات وحوارات جماعية مطولة وإلى ما يمكن تسميته بـ"عمل الذاكرة" المترافق مع مراجعات جارحة ومن العيار الثقيل جداً، ربما "وفاءً" لمناضل كبير في مواجهة الاستبداد مثل ميشيل كيلو كان يشدد دائماً في كتاباته على ضرورة المراجعة النقدية، وإن كان يعفي نفسه عن ضرورة الخوض فيها بشكل جدي.

بعيداً عن ذلك، يبقى مؤكداً أن النضال السوري المديد في مواجهة الاستبداد خسر واحداً من أبرز رموزه طوال خمسين عاماً من تاريخ هذا البلد ومن عمره القصير.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard