"يقيّد الحريات"... لماذا يستمر النظام العراقي بالاعتماد على قانون حزب البعث؟

الأحد 26 سبتمبر 202111:39 ص

في العشرين من آذار/ مارس الماضي، اعتقلت السلطات العراقية الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم الصميدعي من منزله، بالاستناد على المادة 226 من قانون العقوبات العراقي لسنة 1969، بتهمة "إهانة السلطات".

تنص المادة المذكورة على المعاقبة بالسجن لمدة لا تزيد على سبع سنوات أو بالحبس أو الغرامة لمَن أهان بإحدى طرق العلانية مجلس الأمة أو الحكومة أو المحاكم أو القوات المسلحة أو غير ذلك من الهيئات النظامية أو السلطات العامة أو المصالح أو الدوائر الرسمية أو شبه الرسمية.

أداة للقمع

يبلغ عمر هذا النص التشريعي 52 عاماً، ويعود إلى حقبة حزب البعث الذي حكم العراق طيلة 35 عاماً (1968 - 2003)، وكانت أكثر فتراته ظلامية تلك التي حكم فيها صدام حسين بصفته رئيساً للجمهورية بين عامي 1979 و2003.

ينتقد الصحافيون والنشطاء استمرار العمل بهذا القانون الذي كان أداة أودت بحياة الكثيرين من أصحاب الرأي والمنتمين إلى أحزاب سياسية معارضة لحزب البعث، أو قادتهم إلى عتمة السجون.

تقول النائبة في البرلمان العراقي ريزان الشيخ لرصيف22 إن "قانون العقوبات العراقي المشرَّع في أكثر فترة قُيّدت فيها الحريات يحتاج إلى الإلغاء أو التعديل في أضعف الأحوال، لأن عقوباته لا تتناسب وحجم الأفعال التي نص عليها".

وتضيف: "سعينا كثيراً لتعديل هذا القانون، لكن جهدنا لم يكن كافياً، فمساعينا كانت على مستوى أفراد، كما أن أحزاباً سياسية وقفت بوجه أي محاولات لتعديله".

لا تقتصر مشاكل القانون المذكور على المادة 226 منه. تنص المادة 225 على المعاقبة بالسجن مدة لا تزيد على سبع سنوات أو بالحبس لمَن أهان بإحدى طرق العلانية رئيس الجمهورية أو مَن يقوم مقامه.

يرى خبراء قانونيون أن هاتين المادتين وغيرها من المواد التي يتضمّنها قانون العقوبات كان يُراد منها حماية حزب البعث وسلطته من أي انتقاد.

بعد تحوّل العراق في نيسان/ أبريل 2003 إلى نظام "ديمقراطي"، كان المجتمع المدني يعوّل على صدور تشريعات جديدة تتناسب والتغيير الذي شهدته البلاد، لكن ذلك لم يحدث.

تقول هناء إدوَر، وهي من أبرز المدافعين عن حقوق الإنسان في العراق لرصيف22: "مع تشكيل وزارة حقوق الإنسان عام 2005، رفعنا طلبات لتعديل قانون العقوبات وقدّمنا طلباتنا إلى الحكومة وإلى مجلس القضاء الأعلى".

"الأحزاب السياسية في العراق تعاملت مع إرث حزب البعث بانتقائية، فما يخدمها أبقته، وما يتعارض مع مصالحها ألغته واجتثته"

وتضيف: "كان الجواب يأتينا أن الوضع المجتمعي وهيمنة الأعراف العشائرية والتقاليد الاجتماعية لا تسمح بإجراء التعديلات، لكن في عام 2018 بادر مجلس القضاء الأعلى إلى تشكيل لجنة لمراجعة القانون، وعلمنا أن اللجنة أنجزت عملها، لكن لا ندري مكان الدُرج الذي وُضع فيه مشروع القانون".

الأحزاب الكبيرة "مستفيدة منه"

سعت الأحزاب الكبيرة بعد عام 2003 إلى إلغاء كل ما يتعلق بحزب البعث، بل حظرت عمل الحزب في العراق، لكنها أبقت قانون العقوبات "لأنها مستفيدة منه" وفقاً لسياسي عراقي.

يقول هذا السياسي الذي ينتمي إلى حزب كبير لرصيف22 بشرط عدم ذكر اسمه، إن "الأحزاب السياسية في العراق تعاملت مع إرث حزب البعث بانتقائية، فما يخدمها أبقته، وما يتعارض مع مصالحها ألغته واجتثته".

ويضيف: "حتى قانون المساءلة والعدالة الذي يجتث حزب البعث لم يشمل كل البعثيين الذين ارتكبوا مجازر بحق العراقيين أو الذين يشملهم القانون، وغُضَّ البصر عن الذين خدموا الأحزاب السياسية الحالية".

خلال السنوات الماضية، صدرت مذكرات قبض بحق صحافيين ونشطاء، كانت جميعها تستند إلى قانون العقوبات الذي يُسمّيه نشطاء بـ"البعثي".

"استمرار النظام الحالي باستخدام قوانين دولة البعث مرّده لسببين، الأول: هو أن القوى السياسية لا تريد بناء دولة حديثة تتجاوز الماضي، فالدول تقوم أساساً على القوانين وتطبيقها، وإنما تريد بناء سلطات فحسب"

وفقاً لمرصد الحريات الصحافية في العراق، تصدر مذكرات القبض بحق الصحافيين والناشطين وأصحاب الرأي في العراق مستندة على مواد قانونية تعود لأكثر من خمسة عقود، وقد تؤدي الإدانة ببعضها إلى عقوبة السجن المؤبد أو الإعدام، وهو ما يتناقض مع الدستور العراقي لعام 2005 والذي يكفل في مادته الـ38 حرية التعبير.

وأحصى المرصد وجود 15 مادة تقيّد الحريات وتجرّمها في هذا القانون، غير المواد الإشكالية الأخرى، خاصة المادة 398 التي تلغي كل عقوبة بحق المغتصب إذا ما تزوج من الفتاة التي اغتصبها، وتعتبر من أكثر المواد التي يكافح نشطاء المجتمع المدني لإلغائها.

يقول رئيس مرصد الحريات الصحافية زياد العجيلي لرصيف22 إن "السلطات ما زالت تعتمد على قانون موروث من حقبة البعث، وهذا مؤشر خطير على النظام الديمقراطي في العراق. نحن بحاجة إلى قوانين تنظّم الحريات وتحميها، لا قوانين تقيّدها وترهب أصحاب الرأي".

ويضيف أن "إبقاء هذه المواد التي يبلغ عمرها أكثر من خمسة عقود يؤكد وجود أطراف سياسية حالية مستفيدة من استخدامها ضد النشطاء والصحافيين وكل مَن ينتقدها".

يعاني القانون من "مطاطية" التعريفات وقلتها، ويضع مصطلحات قابلة للتأويل أبرزها "الآداب العامة"، وهذه مشكلة، خاصة وأن العراق بلد ثري بتنوعه الثقافي والديني والقومي، وما قد يكون "عيباً" لدى جماعة بشرية قد لا يكون كذلك لدى أخرى.

يقول الكاتب والصحافي عمر الجفال لرصيف22 إن "استمرار النظام الحالي باستخدام قوانين دولة البعث مرّده لسببين، الأول: هو أن القوى السياسية لا تريد بناء دولة حديثة تتجاوز الماضي، فالدول تقوم أساساً على القوانين وتطبيقها، وإنما تريد بناء سلطات فحسب".

ويضيف أن "السبب الثاني هو أن القوى السياسية والحكومات التي تتشكل من خلالها تستغل قوانين البعث لتثبيت سلطتها وإرهاب خصومها، إنْ كانت حركات احتجاجية أو حتى سياسيين".

لطالما كان قانون العقوبات العراقي فرصة للحكومات العراقية بعد عام 2003 لترهيب خصومها والصحافيين والنشطاء، خاصة في العامين الأخيرين اللذين شهدا اعتقال مئات المتظاهرين والعشرات من النشطاء، وفقاً للجفال.

ويستمر السياسيون العراقيون في استخدام ورقة قانون العقوبات ضد خصومهم، وهي ذات الورقة التي استُخدمت ضدهم قبل عقود وهاجروا بسببها إلى خارج العراق وأعلنوا معارضتهم لنظام صدام حسين.

ويشير الجفال إلى أن "الدولة التي تشكلت في العراق بعد عام 2003 هي دولة هجينة تسيطر عليها أحزاب أوليغارشية تطوِّع النظام والقوانين لمصالحها، وليس هناك أفضل من قوانين نظام قمعي مثل نظام البعث لتمكين سلطتها".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard