زيارة البابا إلى العراق... "رضا" شيعي و"عَتَب" سنّي و"انتظار" مسيحي

الثلاثاء 2 مارس 202106:50 م

"برنامج زيارة البابا تجاهل وجود مكوّن أساسي، هو أهل السنّة، ولديهم المجمع الفقهي لكبار علمائهم في العراق". هكذا علّق النائب السنّي البارز مثنى السامرائي على جدول أعمال زيارة البابا فرنسيس إلى العراق.

بدا السامرائي منزعجاً من عدم وجود لقاء بين زعيم ديني سنّي، والبابا الذي سيصل إلى العراق في الخامس من آذار/ مارس الحالي، وسيلتقي المرجع الأعلى لدى الشيعة السيّد علي السيستاني، وسيلتقي زُعماء أكراد ومسيحيين في بغداد وأربيل.

زيارة البابا فرنسيس هي أول زيارة لرأس الكنيسة الكاثوليكية إلى بلاد وادي الرافدين، واعتبرها البعض "داعمة" لحكومة مصطفى الكاظمي التي تشكلت بعد موجة احتجاجات شهدتها وتشهدها البلاد.

يمرّ العراق بفترة عصيبة، مثل غيره من البلدان. يعيش أزمتين اقتصادية وصحية بسبب فيروس كورونا، لكنه يُعاني في ذات الوقت من صراع سياسي يحتدم مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية المبكرة.

ومنذ تشرين الأول/ أكتوبر 2019، يشهد البلد احتجاجات كبيرة دفعت بحكومة عادل عبد المهدي "المقربة من إيران" إلى الاستقالة وحلّت محلها حكومة مصطفى الكاظمي "المُقربة من واشنطن"، بعد سقوط أكثر من 560 قتيلاً من المحتجين وفقاً للأرقام الحكومية.

وسط هذه التحديات الكبيرة، يزور البابا العراق، ويلقي كلمة في مدينة أور الأثرية، في عاصمة الاحتجاجات محافظة ذي قار، حيث تستمر أعمال العُنف والصِدامات بين المحتجين والقوات الأمنية، ما يشكل تحدياً أمام الزيارة "التاريخية".

ما زالت الحكومة العراقية تعمل على تهدئة الأوضاع في ذي قار وإقناع المحتجين بضرورة إيقاف احتجاجاتهم إلى ما بعد زيارة البابا، لكنهم ما زالوا يرفضون، وهو ما سيدفع بالسلطات إلى فرض حظر شامل للتجوّل لتأمين انسيابية الزيارة.

البابا والسيستاني

سيلتقي البابا بالمرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني، وهو صاحب فتوى "الجهاد الكفائي" عام 2014 للتطوع والقتال ضد تنظيم داعش.

السيستاني الذي لم يظهر في أي تسجيل فيديو وهو يتحدث بشكل مباشر، ولا يقيم تجمعات جماهيرية مثل أسلافه، سيستقبل في بيته الصغير في مدينة النجف حيث مرقد الإمام علي، رأس الكنيسة الكاثوليكية القادم من مبنى الفاتيكان الكبير في إيطاليا.

تقول مصادر عراقية رسمية لرصيف22: "لم يكن في الجدول الأول لزيارة البابا إلى العراق أي موعد للقاء السيستاني، وكان فريق الفاتيكان يتوقع أن يحضر السيستاني إلى الصلاة في مدينة أور، لكنهم عرفوا أن المرجع الأعلى لم يخرج من منزله منذ سنوات، فعُدِّل الجدول ووُضعت زيارته في جدول الأعمال".

وتضيف: "طاقم حماية البابا زار النجف منذ أسابيع، واطّلع على المنطقة وأجرى أكثر من استطلاع لكل الأماكن التي سيزورها البابا، ولديه فكرة كاملة عن السيستاني ودوره وأين يسكن أيضاً".

يسكن السيستاني في فرع صغير يبعد عشرات الأمتار عن مرقد الإمام علي في مدينة النجف، في بيت "مُستأجر" منذ عام 1970 بمبلغ يصل إلى 500 دولار أمريكي شهرياً، ولا تتجاوز مساحته الـ70 متراً في أزقة النجف القديمة، وفقاً لوثيقة عقد الإيجار التي ظهرت للإعلام قبل سنوات.

سيكون اللقاء بين الرجلين ودياً، ولن يتجاوز النصف ساعة بحسب المصادر، ولن تنتج عنه أي وثيقة موقعة أو إعلان عن مبادرة، وفقاً لما صدر عن مكتب المرجع الأعلى قبل أيام، في نفي لما صرّح به سفير العراق في الفاتيكان رحمن العامري.

سعي إلى نيل الاعتراف

يقول الباحث في شؤون الأديان والأقليات سعد سلوم لرصيف22 إن "الزيارة تُعَدّ شكلاً من أشكال الاعتراف بأي طرف يزوره البابا، لهذا فإن بعض الطوائف الدينية غير المعترف بها رسمياً مثل البهائيين والزرادشتيين والكاكائيين، يعدّون مجرد دعوتهم لصلاة ‘أسيزي’ اعترافاً بهم من أعلى سلطة دينية مسيحية".

عتّب من سنّة عراقيين على البابا بسبب "عدم وجود زيارة لمرجعية سنّية في جدول أعماله": "كان ينبغي على مَن أعدّ جدول زيارته أن يضع في حسبانه كل مكونات الشعب العراقي"

ويضيف أن "السنّة أيضاً يُطالبون بزيارة مُعادلة لزيارة السيستاني، فالزيارة أصبحت شكلاً من أشكال الاعتراف تُطالب به الطوائف الدينية في العراق، وانعكست الانقسامات والتنافس لنيل الاعتراف على الزيارة المقررة بالدرجة الأساس من أجل الأخوة الإيمانية وليس للتعبير عن الانقسامات".

حيث الاحتجاجات في ذي قار، سيُقيم البابا في مدينة أور، مكان بيت النبي إبراهيم، صلاة "أسيزي"، وهي صلاة يجمع فيها الطوائف والأديان من أجل السلام، وهي أبرز ما سيقوم به من نشاطات في العراق.

يعتقد السنّة أن البابا يجب أن يزور رجل دين سنّي أو على الأقل المجمع الفقهي العلمي، وهو مؤسسة أريد لها أن تكون موازية للحوزة العلمية الشيعية، على الرغم من أن المذهب السنّي ليس فيه تقليد كما الحال لدى نظيره الشيعي.

لم يتمكن السنّة على مدى السنوات الماضية من إيجاد مرجعية دينية يُتّفق عليها على الأقل من قبل نصف أتباع المذهب، ولم تبرز أي شخصية للتصدي لهذه المهمة، لذا بقي الحال على ما هو عليه: رجال دين دون رمزية.

وقد لا يكون السنّة وحدهم مَن "يعتب" على عدم وجود لقاء بهم على جدول أعمال زيارة البابا، فقد يكون هناك عتب من مراجع شيعية أخرى تُعتبر أدنى مرتبة من السيستاني، مثل محمد إسحاق الفياض، ومحمد سعيد الحكيم، وبشير النجفي، فضلاً عن الزعيم السياسي والشعبي مقتدى الصدر.

قد لا يكون السنّة وحدهم مَن "يعتب" على عدم وجود لقاء بهم على جدول أعمال زيارة البابا، فقد يكون هناك عتب من مراجع شيعية أدنى مرتبة من السيستاني، ومن الزعيم السياسي والشعبي مقتدى الصدر

ويعتب مصطفى البياتي، إمام وخطيب جامع أبو حنيفة في بغداد، وهو أبرز أماكن السنّة الدينية في العراق، على "عدم وجود زيارة لمرجعية سنّية في جدول أعمال البابا"، ويقول إن "زيارته يجب أن تبعث رسالة سلام للجميع".

ويضيف لرصيف22: "كان ينبغي على مَن أعدّ جدول زيارة البابا أن يضع في حسبانه كل مكونات الشعب العراقي".

مع ذلك، سيحضر بعض رجال الدين السنّة إلى الصلاة في أور، وإلى لقاء رسمي داخل المنطقة الخضراء الحكومية، لكن هذا لا يعني أنهم لم يشعروا بـ"التهميش".

"ذات فائدة للمسيحيين"؟

تأتي زيارة البابا إلى العراق بعد نحو عقد ونصف العقد على بدء هجرة المسيحيين إلى خارج البلاد بسبب أعمال العنف التي تعرضوا لها بعد عام 2003، وتدمير كنائسهم وترك مناطقهم واضطرارهم للهجرة من أرض عاشوا فيها منذ عقود طويلة.

تقلص الوجود المسيحي في العراق من 1.5 مليون نسمة عندما كان عدد سكان العراق 27 مليوناً، إلى نحو 250 ألفاً مع وصول عدد العراقيين إلى 40 مليوناً.

عانى المسيحون خلال السنوات الماضية من التهجير والقتل على يد جماعات مسلحة وإرهابية وعلى يد تنظيمي القاعدة وداعش الذي دمّر الكنائس واستولى على منازلهم في محافظة نينوى، حيث يتركز وجودهم، فضلاً عن ذلك معاناتهم بسبب بعض التشريعات القانونية.

يعتقد البعض أن الزيارة فيها دافع كبير للمسيحيين، لكن هناك مَن يُقلل من أهمية ذلك، ويعتبر أنها لا تُقدّم ولا تؤخر ولا تؤثر إيجاباً على حياة المسيحيين المهددة في العراق، وفقاً للنائب المسيحي السابق جوزيف صليوا.

يقول صليوا لرصيف22 إن "الزيارة لن توقف هجرة المسيحيين، ولن تنصفهم في التشريعات، ولن تقلل من التهديدات التي يتعرضون لها، ولن تُعيد لهم حياتهم وما كانوا عليه، لذا نعتقد بأنها غير مؤثرة ولن تكون ذات فائدة للمسيحيين".

يتهم صليوا رئيس الجمهورية برهم صالح والنائب المسيحي يونادم كنّا، وبطريرك الكلدان في العراق والعالم الكاردينال لويس ساكو، بتحقيق مصالح شخصية من هذه الزيارة.

وأشارت الحكومة العراقية في بيان رسمي لوزارة الخارجية إلى أن زيارة البابا "تمثل حدثاً تاريخياً وداعمة لجميع العراقيين من كافة القطاعات، كما تمثل رسالة سلام للعراق والمنطقة بأسرها".

كانت المساعي العراقية موجودة منذ سنوات لإقناع البابا بزيارة العراق، حتى جاء عام 2019 ليُعلن عن الزيارة في 2020، لكن يبدو أن إجراءات الوقاية من كورونا أجّلتها إلى العام الحالي.

يقول المؤسس والرئيس السابق لمؤسسة "أديان" في بيروت الأب فادي ضو، لرصيف22 إن "لكل زيارة للبابا لأي دولة بعدين: بعد وطني عام لما يمثل ويحمل من قيم إنسانية عابرة للطوائف والأديان، وبعد كنسي خاص كونه على رأس الكنيسة الكاثوليكية في العالم".

ويضيف: "لا أرى أثراً للخلافات المسيحية على هذه الزيارة، وإنْ كانت بعض التجاذبات بين المذاهب موجودة، لكن البعد المعنوي للزيارة ولشخص البابا ومواقفه الجامعة أبعد من ذلك وتحتضن الجميع".

نحو 20 ألف مسيحي ينتظرون البابا في في محافظة نينوى لاستقباله، ومثلهم عشرات الآلاف ينتظرونه في أربيل وأور. وسيُقام له استقبال رسمي وحفل بحضور الفرقة السيمفونية العراقية في قصر السلام بضيافة الرئيس العراقي برهم صالح.

ومع اقتراب موعد وصوله، وإنهاء الاستعدادات، تبقى هناك ترجيحات باحتمالية تأجيل الزيارة نظراً لما تمر به محافظة ذي قار من تصاعد في موجة الاحتجاجات وعودة ارتفاع الإصابات بفيروس كورونا في العراق، خاصة بعد تحذيرات أطلقها خبراء وبائيون من تأثيرات سلبية لهذه الزيارة على انتشار المرض أكثر في العراق.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard