من ذاكرة العم دانيال... عندما غنّت جين مانسون في اللاذقية

الخميس 22 أبريل 202112:08 م

اسمي دانيال، وسأسرد لكم أحداثاً وقعت يوم الخميس 16 آذار/ مارس 1980 وهو يوم ليس بعادي أبداً، لأنه اليوم الذي سبق موعد حفلة جين مانسون، المطربة الفرنسية العالمية التي أتت إلى اللاذقية لأول مرة وغنّت على مسرح سينما أوغاريت.

أتى معها أيضاً المطرب الفرنسي كلود جيروم. لم أكن أعلم عنه شيئاً ولكنني سمعت البعض يتكلمون عن أنه حائز على جائزة كبيرة من التلفزيون الفرنسي.

في الحقيقة، أنا أيضاً لا أعلم شيئاً عن جين مانسون، وإذا سمعتها تغني في الراديو لن أستطيع تمييز صوتها، كما أنني لا أفقه شيئاً باللغة الفرنسية، لكنها من الشقراوات الفرنسيات الجميلات اللواتي اعتدت، أنا وأصدقائي، أن أشتري صوراً لهنّ من على بسطات الكتب والدفاتر في منطقة الشيخ ضاهر.

من الأسباب الأخرى التي دفعتني لحضور هذه الحفلة قدوم المذيع الشهير حكمت وهبي لتقديم الحفل، وكنّا اعتدنا على التجمع حول الراديو وسماعه وهو يقدّم برنامجه عبر إذاعة "مونت كارلو" الدولية ولدينا فضول كبير لنسمعه وهو يتحدث أمامنا ونرى شكله للمرة الأولى.

لكن السبب الرئيسي لحضوري هذه الحفلة هو أن أختي أخبرتني أن كارولين، ابنة تاجر الأقمشة، تلك الفتاة التي أحبّها، ستحضر الحفلين اللذين ستحييهما جين مانسون مع أهلها، واشترت ثوبين مختلفين تماماً، أحدهما لحفلة "الماتينيه" الساعة الثالثة والنصف والآخر لحفلة "السواريه" الساعة السادسة والنصف.

لم أستطع النوم حتى الساعة الخامسة صباحاً وأنا أفكر في كيف سأجمع المال لحضور الحفلة، فسعر التذكرة الواحدة هو مئة ليرة سورية وهو مبلغ ضخم جداً.

لكنّي نمت أخيراً واستيقظت في السابعة صباحاً وارتديت ملابسي وهممت بالخروج متجهاً نحو مدرستي "جول جمّال" والتقيت في طريقي بأصدقائي جوني ومصطفى.

- رح تحضرو الحفلة شباب؟

- إي أكيد رح نحضرها.

- طيّب كيف رح نجيب حق التذكرة.

- جوني: ما بعرف. أنا أبوي عطاني مية ليرة وقلي روح انبسط.

- مصطفى: طبعاً يا أخوي انت ابن الأكابر أما أنا إذا بقلو للحجي هات مصاري بدي احضر حفلة يمكن يطلّق الميمة، كيف بدنا ندبر حالنا يا دانيال؟

- والله ما بعرف، تْرِكا ربّك بحلها.

وصلنا إلى المدرسة ودخلنا الصف وجلسنا نفكر بالأمر، إلى أن أتت إلى ذهن مصطفى فكرة عبقرية جداً، وسرعان ما هممنا بتنفيذها، وهي أن نهرب من المدرسة في الحصة الثانية ونذهب إلى الميناء لنعمل كعتّالين مقابل بعض المال.

"في الحقيقة، لم أكن أعلم شيئاً عن جين مانسون، وإذا سمعتها تغني في الراديو لن أستطيع تمييز صوتها، لكنها من الشقراوات الفرنسيات الجميلات اللواتي اعتدت أن أشتري صوراً لهنّ من على بسطات منطقة الشيخ ضاهر"

وهذا ما حدث. تسلقنا سور المدرسة وهربنا إلى الميناء وبدأنا بتنزيل حمولة كبيرة من الجوز القادم من اليونان.

وبعد أن انتهت الحمولة كنّا قد أنهكنا تماماً من التعب ولكن سرعان ما زال تعبنا حين أتى رئيس العمال وأعطى كل واحد منّا ثلاثين ليرة، وهو أكبر مبلغ تلقيته مقابل عملٍ في حياتي كلها.

ثم طلب منّا رئيس العمال أن نأتي كل يوم فضحكنا وأخبرناه أننا سنأتي في الحفلة القادمة إن شاء الله وتوقعنا منه ألا يفهم الدعابة ولكنه فهم تماماً ما نقصد. كل البلد كانت "مطبولة" بقصة جين مانسون.

ولكن لا زال ينقصنا الكثير لنستطيع شراء تذكرتين لحفلة الثالثة والنصف.

توجّهنا إلى أخ مصطفى، وكان يعمل ميكانيكياً في ورشة قريبة، وطلبنا منه المال لكنّه لم يعطنا سوى خمسين ليرة جناها مقابل عمله لمدة أسبوع في الورشة.

لم يكن لدي أيّ خيار سوى أن أذهب إلى البيت وأفتح درج أبي وأسرق منه تسعين ليرة.

فعلتها وعدت إلى مصطفى وذهبنا سريعاً إلى شبّاك بيع للتذاكر قبل أن يغلق فهو لم يكن يفتح سوى من الساعة الواحدة حتى السابعة مساءً.

وحين وصلنا، وقفنا في الطابور ننتظر وصلول دورنا وفي هذه الأثناء سمعنا بعضهم يتحدث عن أنهم أرسلوا رسالة إلى السيد كمال نعمة، مستثمر السينما، مفادها أن عليه إلغاء الحفل وإلا سيحرقون السينما.

انتابنا توتر شديد، ولكن ما إنْ وصل دورنا واشترينا التذكرتين حتى انتابتني فرحة شديدة وكأنني حققت كل أحلامي ونسيت كل ما مررت به خلال هذا اليوم.

افترقت عن مصطفى وعدت إلى المنزل ونمت من الساعة الثامنة والنصف حتى أمرر الوقت بسرعة.

وفي اليوم المنشود، يوم الجمعة العظيم، استيقظت منذ الساعة العاشرة صباحاً وذهبت إلى الحلاق وقصصت شعري وقلّمت سوالفي على شكل "جزمة" وبعدها توجهت نحو معرض السيارات القريب من بيتنا وطلبت من صديقي ابن صاحب المعرض أن يعيرني بنطاله الشارلستون وقميصه الخمري، وبالفعل أعارني إياهما.

"أذكر أن جين مانسون غنّت أغنية ‘وينن’ لفيروز باللغة العربية كما أنها ظهرت في آخر الحفل ببدلة رقص شرقية تُظهر ما لم نكن نراه إلا في الصور التي اعتدنا أن نشتريها"

ثم عدت إلى المنزل واستحممت وارتديت الملابس وذهبت للقاء جوني ومصطفى في ساحة أوغاريت.

- شبَك يا مصطفى ليش خايف؟

- ليش ما سمعت؟! فجّروا الصبح عبوة ناسفة قريب من هون وعم يقولو ممكن تنلغى الحفلة.

- لا تقولها يا زلمة!

لكن سرعان ما فتحت السينما أبوابها وبدأ الناس بالدخول وتوجهنا معهم.

أثناء دخولنا، أخبرني أحدهم قاصداً إخافتي بأن هنالك عبوة ناسفة مزروعة داخل السينما. في البداية، وددت الرجوع ولكنّي حين رأيت كارولين وسط الزحام تمالكت نفسي وبقيت.

رحّب حكمت وهبي بالحضور ورأيناه يتحدث لأول مرة. انطلقت الحفلة وكانت من أجمل الحفلات التي حضرتها في حياتي. أذكر أن جين مانسون غنّت أغنية "وينن" لفيروز باللغة العربية كما أنها ظهرت في آخر الحفل ببدلة رقص شرقية تُظهر ما لم نكن نراه إلا في الصور التي اعتدنا أن نشتريها.

كما أن المصور "روبيك" التقط لنا بعض الصور ونحن نرقص.

لكنّي لم آبه لذلك كله، فكل ما كنت أستمتع بمشاهدته هو كارولين بثوبها الأسود وشعرها الحريري يتمايل على خصرها وهي ترقص على أنغام أشعلت المسرح.

حاولت كثيراً أن أكلّمها لكنني لم أمتلك الشجاعة الكافية لذلك خصوصاً وأن أمها تجلس بقربها وقد كانت مديرة مدرسة حازمة ترتدي "تايوراً" رمادياً فخفت وتراجعت.

انتهى الحفل وبدأنا بالخروج وفجأة سمعنا صوت انفجار وبدأت الناس بالهرب. قاموا برمي إصبع ديناميت في إحدى حاويات القمامة القريبة، لكن الشرطة طوّقت المكان بسرعة وأمّنت خروج الجمهور.

كان يوماً من العمر ولن أنساه ما حييت خصوصاً أنه وفي اليوم التالي تشابه قدري مع قدر سينما أوغاريت.

لقد وفوا بوعدهم وقاموا بإحراق سينما أوغاريت وظلت مقفلة حتى يومنا هذا.

وأيضاً تم إعلان خطوبة كارولين على طبيب يافع عائد من فرنسا وأبوه يملك وكالة ألبسة في شارع هنانو وسيستطيع أخذها إلى جميع الحفلات، فاحترق قلبي وظل مقفلاً حتى اليوم.

كما أن أبي أحرقني بسيخ حامٍ بعد أن عرف أننا هربنا من المدرسة وأنني سرقت نقوداً من دُرجه المقدس.

لكنني لم آبه للأمر كثيراً وكل ما فعلته هو أنني بدأت بالتفكير كيف سأجمع مئة ليرة أخرى لأحضر حفلة داليدا التي سمعت أنها ستأتي إلى الشاطئ الأزرق في الصيف.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard