من رسائلي إلى ماريا... "هل تعلمين لماذا أكره الاشتراكيين؟"

الاثنين 16 نوفمبر 202009:29 ص

من هذا الكون الفسيح، ومن على ضفاف إحدى الطرقات العامة، وبالتحديد من طابور محطة البنزين، أكتب لك.

صباح الخير حبيبتي ماريا... لقد استيقظت للتو. أكاد لا أشعر بقدميّ، فالنوم في السيارة يجبرني على ثنيهما طوال الليل. ولكنني أشعر بالتفاؤل، فقد أخبرونا أن الصهريج سيأتي اليوم.

رقمي هو 846 على دور محطة البنزين. إنه رقم كبير قليلاً، ولكنني أقضي وقتي في التخطيط للحياة التي سأؤسسها في خيالي، وأحاول جعلها هادئة قدر الإمكان.

لا تقلقي، فأنت جزء منها بالطبع.

كيس تبغي ووسادتي معي، ومعي نصف زجاجة من المياه الراكدة. الكلس يتجمع في الأسفل ومادة الكلور تطفو في الأعلى، والشيء النقي الذي قد يروي عطشي يقع بينهما.

أود إخبارك أنني اكتسبت صديقاً جديداً وهو عجوز ظريف يدعى "أبو لؤي" يبلغ من العمر 76 عاماً، وهو لا ينفك يتكلم عن أولاده الخمسة وعن فخره بهم وبنجاحهم في حياتهم. أجاريه في حديثه وأبتسم رغم أن حديثه هذا يأتي على مسمعي كالسكاكين التي تغرز في قلبي، فأنا أيضاً حلمت بأن أكون ناجحاً في حياتي وأجعل أبي يتحدث عني بفخر هكذا أمام الغرباء.

ويا له من عجوز لطيف ينتظر على الدور بدلاً عن ابنه. لو أنني طلبت من أبي أن ينتظر في الدور بدلاً عنّي لقام بصلبي، وبعد وفاتي سيدفنني مكبلاً بالسلاسل حرصاً على ألا أستطيع القيامة مجدداً.

الحياة مزدهرة جداً هنا. أكشاك جديدة افتُتحت احتفالاً بالطوابير الطويلة، وبائع المثلجات يتبختر ذهاباً وإياباً على دراجته الهوائية، حتى أنني في الأمس شهدت على عقد بيع إحدى السيارات التي تنتظر معنا في الدور.

أخبرونا أن أزمة الوقود ستنتهي قريباً جداً ولكن بالطبع لا أحد سيصدّق هؤلاء الاشتراكيين.

هل تعلمين لماذا أكره الاشتراكيين؟ لأنهم دائماً يكذبون يا ماريا. يعدوننا بأمر ويفعلون عكسه دائماً، والحجة جاهزة دائماً ألا وهي أن الدول الرأسمالية تحاربنا.

هل تعلمين ما الفرق بين الرأسمالية والاشتراكية؟ الفرق أنه في الاشتراكية تقفين في الطابور لأجل الخبز أما في الرأسمالية فالخبز يصطف في الطوابير لأجلك يا ماريا.

هل تعلمين ما الفرق بين الرأسمالية والاشتراكية؟ الفرق أنه في الاشتراكية تقفين في الطابور لأجل الخبز أما في الرأسمالية فالخبز يصطف في الطوابير لأجلك يا ماريا

والآن، كفى كلاماً عن الديناصورات الناجية من الانقراض، ودعينا نتحدث قليلاً في الغزل.

هل تعلمين مقدار حبي لك وكم أتمنى لو أنك تمتلكين جنسية أجنبية؟ لتقدمت لك على الفور يا ماريا.

هل تذكرين عبوة الغاز التي أهديتها لجدتك كعربون سلام بيننا؟ أخذتها بنظرة ساذجة وكأنها تقول لي: "لو أن حفيدتي أحبّت أحد أقربائنا الأثرياء لأهداني حقلاً من الغاز الطبيعي!"

دعك من هذا. لقد أتى الصهريج. الناس غمرتها السعادة. يا للفرحة يا ماريا!

الصهريج سيحتاج قرابة الساعة للتفريغ وحوالي الساعتين لتعبئة سيارات مَن على رأسهم ريشة بيضاء، فمَن على رأسهم ريشة حمراء يصل الوقود إلى منازلهم معبئاً بعبوات بلاستيكية نحلم أن نشرب المياه بها يا ماريا.

لقد بدأ الدور بالتحرك. الناس هلعت إلى سياراتها. بدأنا التحرّك بمقدار خمسة سيارات كل 45 دقيقة.

"المشكلة أنهم يدوسون على وجوهنا من الصباح حتى المساء في هذه البلاد، وحين آتي لأكتب لك أنني مشتاق لك، فجأة أتذكر أن لديّ كرامة وكبرياء"

الليل حلّ. تبقّى لي كيلومتر واحد لأصل إلى المحطة. كيس التبغ أوشك على النفاذ. زجاجة المياه ينقصها ظرف شاي لتصبح قابلة للشرب!

توقف الدور ولم يتحرك منذ قرابة الساعتين! والعدو لم يبعث لنا برسول يخبرنا عمّا يحدث!

قررنا بالإجماع أن نرسل مستطلِعاً على صهوة قدميه.

تطوّع أحدهم وذهب، وها قد عاد بعد نصف ساعة ليخبرنا أن الوقود نفذ.

كل الوجوه صارت حزينة، كل القلوب باتت ثكلى.

ولكنني أثق أننا سنجد المواساة في سهرتنا الجماعية واستماعنا إلى القصص التي يرويها لنا المسنون الذين ينتظرون معنا، ومن ثم سنخلد للنوم كلٌ في سيارته.

أعلم أنني لا أخبرك عادةً عن مدى شوقي لك.

المشكلة أنهم يدوسون على وجوهنا من الصباح حتى المساء في هذه البلاد، وحين آتي لأكتب لك أنني مشتاق لك، فجأة أتذكر أن لديّ كرامة وكبرياء.

ولكن اليوم ليس كباقي الأيام. لم يعد لديّ قوة على الكبرياء، فقواي كلها خارت بسبب الجوع.

اشتقت لك يا ماريا.

انتظريني، انتظريني ولا تستمعي لكلام جدتك.

إلى اللقاء...

مع حبي،

أسعد.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard