هشام بستاني ورحلة البحث عن الدولة

الأربعاء 21 أبريل 202110:26 ص

بالإضافة للغاز والنفط، تشتهر المنطقة العربية بأنها المولّد الأول للمشاكل العالمية، الإرهاب، الحروب الأهلية، بالإضافة للدكتاتوريات المستمرّة منذ بعيد الاستقلال وحتى دخول القرن الواحد والعشرين.

إذا أردنا فهم آلية عمل هذه الظواهر يجب تفحّص التاريخ القديم والمعاصر، ويجب أيضاً عدم اللجوء إلى قراءة واحدة لعشرين بلداً عربياً فهناك العديد من البيانات الجغرافية والاجتماعية والتاريخية التي تجعل لكل حالة وصفاً فريداً وغير متشابه، بالرغم من تشابه التاريخ إلى حد ما.

صدر مؤخراً كتاب الكيانات الوظيفية: حدود الممارسة السياسية في المنطقة العربية، للكاتب والمؤلف الأردني هشام البستاني، الذي يبحث في إشكاليات الدولة والسلطة والهوية في الكيانات العربية التي خلّفها الاستعمار في المنطقة

الكيانات الوظيفية

صدر مؤخراً كتاب الكيانات الوظيفية: حدود الممارسة السياسية في المنطقة العربية، للكاتب والمؤلف الأردني هشام البستاني، الذي يبحث في إشكاليات الدولة والسلطة والهوية في الكيانات العربية التي خلّفها الاستعمار في المنطقة، التبعية المزمنة وعجز الحكومات الوطنية عن انجاز الاستقلال الكامل والتنمية المفترضة، بالإضافة لدور التيارات الفكرية الرئيسية في استمرار هذا الشرخ القائم في وظيفة الدولة وعلاقتها بالتنمية والبعد عن التبعية، الأمر الذي أدى إلى ما عرف بسلسلة الثورات التي بدأت في عام 2011 فيما عرف بـ"الربيع العربي".

في تقديمه للكتاب، يقول المفكر الدكتور فيصل دراج: "هذا الكتاب لافتٌ للانتباه جديرٌ بالقراءة، لا فرق اختلف القارئ مع أفكاره -وفيه ما يثير الاختلاف- أم أقرّ أطروحاته واكتفى بأسئلة كثيرة، بل إن قيمته الحقيقية صادرة عن منظوره الإشكالي الذي يغاير الأفكار السائدة، وعن طموحه إلى تقديم قول سياسي نظري جديد، لا تقبل به المعايير الرّاكدة المسيطرة"، كل هذا "يجعل من كتاب الكيانات الوظيفية جديراً بالقراءة والاحتفاء، لكونه إضافة نوعية إلى 'العلم السياسي' الذي يحتاجه العالم العربي اليوم أكثر من أي وقت مضى".

كتاب الكيانات الوظيفية: حدود الممارسة السياسية في المنطقة العربية... مساهمة جديدة إلى 'العلم السياسي' الذي يحتاجه العالم العربي اليوم أكثر من أي وقت مضى"

يبحث المجلّد الأول من الكتاب، والذي يحمل العنوان الفرعي: "في الفرق بين الدولة والكيان الوظيفي: الجذور، الهوية، التبعية" أسئلة أساسية هي: لماذا عجزت الكيانات التي خلّفها الاستعمار في المنطقة العربية عن تحقيق التّنمية والديمقراطية وإنجاز الاستقلال الفعلي؟ وما الذي يربط مجموعاتها الحاكمة بدائرةٍ عبثيةٍ مدمّرةٍ تظلّ تعيد إنتاج التبعية والتسلّط والفساد؟

الكيان الوظيفي والدولة 

يختلف مفهوم "الكيان الوظيفي" عن مفهوم الدولة وخصوصاً لجهة تنفيذ تنمية مستدامة ترسّخ معنى الاستقلال السياسي عبر إنتاج استقلال اقتصادي، بينما اكتفت الحكومات العربية بعد إنجاز استقلالها بلعب الدور الأقلّ تأثيراً على بنية المجتمع العربي الثقافية والاقتصادية، عبر تبعيتها للغرب الاستعماري ليكون الهدف الأولي لها هو ضمان بقائها في سدة الحكم، وما سيتبع ذلك من تفريغ الحياة السياسية من مضمونها التعددي والمتنوع للوصول إلى حياة سياسية "متصحّرة"، ساهمت بزيادة تفكيك المجتمعات وصعود التيارات الإسلامية المتطرفة التي لعبت دوراً مزدوجاً في حماية السلطات من "بعبع" الإرهاب والتطرف، وبنفس الوقت ابتلعتها نتيجة تناميها، خصوصاً عندما نشاهد النتائج الكارثية لثورات الربيع العربي.

لا تختلف أشكال الحكم من حيث طبيعتها المتسلطة والفردية في الجمهوريات والممالك العربية، بل تبقى الطبيعة السياسية والاجتماعية لهذه الأنظمة متشابهاً، فالدول العربية اتخذت طريقين بعيد استقلالها، التقيا فيما بعد تحت مظلة الاستبداد، سواء التي أنشأت أنظمة ملكية وراثية أو التي أقامت جمهوريات برلمانية تحولت لاحقاً إلى أنظمة وراثية استبدادية، تحملت وزر مجموعة من الهزائم العسكرية التي خدمتها في صراعها على السلطة مع المجموعات المناوئة لها.

لا تختلف أشكال الحكم من حيث طبيعتها المتسلطة والفردية في الجمهوريات والممالك العربية، فالدول العربية اتخذت طريقين بعيد استقلالها، التقيا فيما بعد تحت مظلة الاستبداد، سواء التي أنشأت أنظمة ملكية وراثية أو التي أقامت جمهوريات برلمانية تحولت لاحقاً إلى أنظمة وراثية استبدادية

أمّا المجلّد الثاني من الكتاب، والذي يحمل العنوان الفرعي: "الأزمة التاريخية في مواجهة السّلطة: التيارات السياسية، وآليات استدامة السّيطرة"، فيبحث في أسباب عجز التيارات السياسية الرئيسية من اشتراكية وقومية وإسلامية، في إحداث أي خروج من دائرة الاستعمار والارتباط بالقوى الخارجية التي كانت وجهة أخرى للاستعمار الخارج آنفاً، كما يبحث في تكرار إنتاج العسكرة والتسلّط من قبل الممسكين بمنظومات الحكم في الدول العربية.

عن الفقر واليأس والفاقة والقمع... والحكومات العربية

ولدت إسرائيل في نفس الوقت تقريباً مع حصول الدول العربية على استقلالها، بفارق قصير فحسب، ومنذ ذلك الوقت، حافظت الأنظمة العربية على شعاراتها القومية الديماغوجية التي تدعو إلى الوحدة العربية وبناء المجتمع الاشتراكي، وبشيء من النفاق تدافع عن الهوية القومية للعرب وإرث الحضارة الإسلامية، وبنفس الوقت تستمد قوتها وبقاءها من اتصالها بالقوى الاستعمارية المرتبطة معها بنيوياً، وتحت الضغط والقمع البوليسي للتيارات الفكرية الأخرى، تحولت إلى شكل كاريكاتوري من العمل السياسي، في ظل إغلاق "الحلبة السياسي" ومنع دخولها، وتحولت العقائد والإيديولوجيات في ظل الأحزاب الفلكلورية إلى أحزاب طائفية وتجمعات عشائرية تحت مسميات "وحدوية واشتراكية وشيوعية"، ما ترك المجال رحباً لتنامي الأصولية الإسلامية في ظل الفقر واليأس والفاقة والقمع.

كتاب الكيانات الوظيفية: حدود الممارسة السياسية في المنطقة العربية ما بعد الاستعمار، من إصدار المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2021، ويذكر أن لمؤلف الكتاب، هشام البستاني، مساهمات فكرية عديدة منشورة في دوريات ومجلّات وصحف عربية وعالمية عدّة، من أبرزها الآداب وحبر وسطور، مونثلي ريفيو، راديكال فيلوسوفي، ميدل إيست ريبورت وجدلية، ترجم بعضها إلى أكثر من اثنتي عشرة لغة؛ فيما حازت كتاباته السردية والشعرية، المنشورة في خمسة كتب هي عن الحب والموت (الفارابي، 2008)، الفوضى الرّتيبة للوجود (الفارابي، 2010)، أرى المعنى (الآداب، 2012)، مقدّمات لا بدّ منها لفناء مؤجّل (العين، 2014)، وشهيق طويل قبل أن ينتهي كلّ شيء (الكتب خان، 2018)، على جوائز دولية، وترجم منها إلى الإنجليزية كتابان، بينما نشرت له نصوص أدبية وشعرية أخرى متفرّقة في مجلّات وأنطولوجيات متعددة بلغات سبع أخرى.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard