الحب والزواج في زمن الحبس والاعتقال

الاثنين 19 أبريل 202104:51 م
Read in English:

Love and Marriage Behind Egypt’s Prison Bars

"مكان مُكتظ بالمحتجزين\ات، خُصِصَ لنا كبنات مكان ضيق، أشبه بمطبخ صغير، أجلس فيه تائهة، لم يتخط عمري حينها الـ 18 عاماً، أول تجربة اعتقال لا أعرف ما ينتظرني، أعيش وأنتظر المجهول".

"سمعت منادياً ينادي: يا سناجق هذه الحلوى مُرسلة لكِ. تساءلت في دهشة من يعرفني هنا؟ أنا لا أعرف أحداً بالمكان، أخذت الحلوى لأفتحها، فأجد بداخلها ورقة مكتوب فيها "بحبك، وبدور عليكي من زمان، وعاوز اتجوزك" وموَقَعة باسم محمد"، تقول سناجق عمر، من طنطا، إحدى محافظات الدلتا في مصر.

"سيتزوجني فور إطلاق سراحه".

محمد زميلها من مرحلة الثانوية العامة، يطلب يدها داخل مقر احتجاز أمن الدولة، تحكي سناجق لرصيف22: "كان ذلك عام 2015 تم إخلاء سبيلي بعد 11 يوماً من الاعتقال، وأيضاً تم إخلاء سبيل محمد، لكني خرجت ووصلت بيتي، وظلَّ محمد داخل السجن بسبب تعنت أحد الضباط معه. تواصل محمد مع أهله لخطبتي، وواجهت رفضاً شديداً من والدي، بينما استمر في إرسال رسائل من داخل السجن يعبر فيها عن مدى تمسكه بي، وأنه سيتزوجني فور إطلاق سراحه، وخصوصاً أن قضيته بسيطة".

تكمل سناجق: "بضغط مني ومن أمي وافق الأب، وتمت الخطبة، وأعلنتها للأقارب، وبانتظار خروج محمد للعقد والزواج، وفجأة تمت إحالته للمحاكمة العسكرية، والحكم علية بـ 10 سنوات حكماً عسكرياً، الأمر الذي أربك العائلتين، وعلت أصوات من داخل عائلتي "ايه اللي يعلقك كل ده، أنت هتخللي"، "افسخي وربنا يراضيك بالأحسن منه"، " على ايه البهدلة دي إنت لسه صغيرة"، وغيرها من الجمل التي تذبحني كالسكين، في موقف لا أعرف كيف أتصرف فيه".

"أتمنى حدوث معجزة"

لم يعد أمام سناجق إلا انتظار مرحلة النقض على الحكم، وبعد طول انتظار تم رفض النقض، وجرى ترحيل محمد إلى سجن شديد الحراسة، وهنا مُنعت من زيارته، وأصبح الأمر صعباً، والحل الوحيد للزيارة هو إجراء رسمي للزواج "كتب الكتاب"، ليكون لديها صفة تسمح لها بزيارته، ولكن والدها رفض بشكل قاطع.

"وأنا محتجزة في مكان يشبه المطبخ، سمعت منادياً ينادي: يا سناجق هذه الحلوى مُرسلة لكِ. تساءلت: من يعرفني هنا؟ أخذت الحلوى لأفتحها، فوجدت بداخلها ورقة مكتوب فيها: بحبك، وعاوز اتجوزك"

تقول سناجق: "استمررت في الدعاء لمدة طويلة حتى وجدت أبي ذات يوم يفاتحني في أمر العقد وأنه فكر ووافق، وقال إنه مستعد للبدء في إجراءات العقد، وتم الزواج بحمد الله، وأستطيع زيارته أخيراً، وقضى من مدته سبع سنوات، وبقيت ثلاث سنوات، أتمنى من الله أن تحدث معجزة، ويتم عُرسي، وأتخطى مرحلة الزواج مع إيقاف التنفيذ".

من سناجق إلى سمية ماهر، التي انتظرت زوجها المعتقل بعد مشاركته في تظاهرة حتى يقضي مدته، ولم تمل يوماً واحداً من طلب الدعاء لزوجها بالخروج، وأخيراً تحقق الحلم، خرج زوجها، وبدأت أجواء الاحتفالات استعداداً ليوم العرس.

وقبل الفرح بساعات قليلة، وبعد شرائها الفستان، وإنهائها التجهيزات فوجئت سمية بعربة شرطة أمام منزلها، اقتادتها لمكان غير معلوم، وظهرت بعد فترة وقد سُجنت على ذمة قضية سياسية، ليقوم زوجها بدورها السابق في الانتظار، ويشارك عبر صفحته على فيسبوك الدعاء لها بالخروج.

أما أمنية، فتقول: "ليس الوفاء سمتهم جميعاً"، معبرة عن رأيها في وفاء المعتقلين لحبيباتهم، وتضيف لرصيف22: "بعد ستة أعوام من اللف في السجون، ومعاناة الوقوف في طوابير التفتيش المهينة، وعبء الزيارة الثقيلة، والنفقات التي أوفرها من بيع ذهبي الخاص بعد رفض أهله مساعدتي رغم يسر حالهم، عندما خرج واستقرت أموره، فاجأني بأنه يبحث عن عروس جديدة ليبدأ معها قصة حب جديدة".

سألته أمينة: "هل تلك مكافأتي على جريي وراك في السجون؟"، جاءها رده القاتل: "أنت بتفكريني بالسجن، أنا عاوز ابدأ حياة جديدة، مش عاوز حاجة تفكرني بيه"، وتنهي أمنية حديثها: "أجهز أوراقي لرفع الخلع بعد زواج دام عامين".

سنوات الانتظار والأمل

وسط الاضطرابات التي تحدث بالعلاقات داخل السجون، تحكي مريم (اسم مستعار) من المنصورة لرصيف22: "فَسَخَ أبي خطبتي من خطيبي المعتقل منذ خمسة أعوام خوفاً من كلام الناس"، والحديث هنا كما هو حال كامل التقرير، عن اعتقال لأسباب سياسية وليس جنائية.

كان الناس يلومون والدها كثيراً، قائلين: "بنتك فيها ايه عشان تربطها بواحد مسجون"، تقول: "سمعنا كلاماً عجيباً، تم فسخ الخطبة، ورد الذهب لأهله، ولكني أنتظره، وأرفض الجلوس مع غيره، أرفض كل من يتقدم لي، وأواجه صراعات كبيرة مع أبي، ولكن سأنتظر خطيبي لأتزوجه بعد أربع سنوات حين تنتهي مدته".

"لم أمل الزيارة رغم مُر العيش، وتنغيص أهل زوجي علي".

نهاية سنوات الانتظار كانت صدمات من العيار الثقيل لنادية (اسم مستعار)، التي عاشت خمسة أعوام تذهب كل 15 يوماً للزيارة، وترددت على أكثر من أربعة سجون مختلفة لزيارة زوجها، تقول لرصيف22: "لم أمل الزيارة رغم مُر العيش، وتنغيص أهل زوجي علي، وتقييد حريتي في غيابه، وعدم شكواي له تقديراً لظروفه".

وتضيف: "أفاجأ وأنا في قاعة الزيارة، أقول للأمين أنا زوجة فلان، يرد علي زوجته دخلت الزيارة جوا أنتِ مين؟ نعم! وبعد أن فقت من الصدمة، وجدت أنه بالفعل كتب كتابه على سيدة تم ترشيحها له من قبل أهله، وقام بعمل توكيل، وتم العقد".

وتتابع نادية: "حين اعترضت، رد علي "اخبطي راسك في الحيط، في غيرك هتيجي تزورني، وتريح أهلي، مع السلامة"، وكانت تلك نتيجة صبري، وكتماني، وعدم الشكوى، وتسليمه هو أذنه لأهله، فقد وصلت إلى هذا الموقف".

تشدد الدكتورة حسنية البطريق الاستشارية النفسية والأسرية في تصريح لرصيف22 أن مجتمع المعتقلين ما هو إلا ساحة مماثلة للحياة العادية، وتحدث فيه الكوارث، كما يحدث بالضبط في مجتمعنا، كذلك تكثر فيه قصص الوفاء والحب، لكن يجتمع كل أفراده على أن ما يميزه هو "الألم"، والمشاعر المرتبطة به، مقارنة بالحياة خارج السجون.

"أنا وزوجي وطفلي"

تحكي حليمة عبد العزيز من القاهرة لرصيف22: "جاء زوجي ليتقدم لي، وكان ينتظر ردي، وبعد ثلاثة أيام اعتقل، وجدت نفسي أبلغ أهله موافقتي، وتمت الخطبة، وانتظرت خروجه، فوجئت أنه من أول جلسة نزلها حُكم عليه بـ 15 عاماً عسكرياً، وتم ترحيله لسجن بعيد، والحل الوحيد لزيارته هو عقد الزواج، فأخذت الخطوة، رغم أن جميع من حولي كان يصفني بالجنون، يقولون لي عندما سيخرج ستكونين أربعينية، الحقي اتجوزي وخلفي".

وتضيف: "تركت كل كلامهم، وكان عندي يقين أنه ستحدث معجزة، ونلتقي. وبالفعل قدمت له في العفو الرئاسي أكثر من مرة، وفوجئت أنه ضمن المعفو عنهم، وخلال أربعة أيام تم الانتهاء من إجراءات الخروج، وها أنا الآن معي طفلي الأول أنس، وأنتظر مولودي الجديد".

 "سألته أمينة: "هل تلك مكافأتي على جريي وراك في السجون؟"، جاءها رده القاتل: "أنت بتفكريني بالسجن، أنا عاوز ابدأ حياة جديدة، مش عاوز حاجة تفكرني بيه"

في سياق متصل، تحكي ميمي منصور، التي تعيش بمدينة الزقازيق لرصيف22: "زوجي يُعتَقل منذ أيام مبارك، ويخرج، ويتم اعتقاله مرة أخرى وهكذا، كلها قضايا سياسية لا تنتهي، وحصل على البراءة في كل التهم تقريباً، أعطاني حرية الطلاق منذ 15 عاماً بعد تكرار اعتقاله، ظنًا منه أنه يظلمني، ولكني رفضت الأمر بشدة".

"وها أنا أنتظره، بعد 20 عاماً يأخذ البراءة، ويتم تدويره في قضية أخرى، وهكذا لا أعرف نهاية هذا المسلسل الساذج، ولكني أنتظر أن يشاركني فرحة تخرج ابنه، وابنته في كلية الطب البشري".

وبحسب تقارير، تشهد مصر انتهاكات متزايدة لحقوق الإنسان، واستهدافاً مستمراً للأصوات المنتقدة للنظام، ولجأت السلطات الأمنية المصرية إلى ابتكار آلية تمكّنها من التمادي في هذا القمع: "تدوير المعتقلين".

ولا يسمح القانون المصري باحتجاز أي شخص أكثر من عامين على ذمة التحقيق ثم يُفرج عنه. وظهر "التدوير" في ظل غياب أدلة أو "اتهامات حقيقية" لعدد كبير من المعارضين والمدافعين عن الحقوق والحريات، ووفقاً لمنظمات حقوقية فإنّ عدد السجناء السياسيين في مصر يناهز 60 ألف سجين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard