الوجه الآخر لألبير آرييه كما عرفته

الجمعة 16 أبريل 202105:24 م

منذ أن أعلن بالأمس عن وفاة ألبير آرييه، المناضل المصري، ولا حديث للعديد من المواقع، أو على وسائل التواصل الاجتماعي من المهتمين بالحركات اليسارية في مصر أو بالتراث المصري، إلا عنه، باعتباره آخر المناضلين الشيوعيين في مصر من حركة "حدتو"، أي الحركة الديموقراطية للتحرر الوطني، وباعتباره أكبر سكان القاهرة من اليهود سناً، والذاكرة الحية للحركات الشيوعية على مدار تسعين سنة هي عمره.

لعب القدر دوره معي في أن أكون على مقربة منه بشكل دوري على مدار سنة ونصف، من سبتمبر 2019 وحتى قبل وفاته بأسبوعين، لتحرير سيرته الذاتيه كاملة، وهي قيد النشر الآن.

ألبير آرييه المناضل الشيوعي، الذي حُكم عليه بالسجن لمدة ثماني سنوات مع الأشغال الشاقة، وتنقل بين سجون مصر، بدءاً من السجن الحربي وليمان طرة ومعسكر الواحات وسجن مصر، حتى عودته لمعتقل الواحات -الذي بني وقتها في منطقة المحاريق- لمدة ثلاث سنوات، فقد جرت العادة وقتها أن من يفرج عنه يعتقل فوراً من جديد، وكان هذا خاصاً بالمساجين السياسيين في مصر.

تتشابه حياته مع العديد من رموز الحركة الوطنية في مصر الذين سجن معهم، مثل صلاح حافظ، شريف حتاتة، رفعت السعيد وغيرهم، إلا أن كونه يهودياً أضفى على حياته بعداً آخر، فهو صمم على البقاء في مصر رغم السجن والاعتقال، وكافح ضد الاستعمار والصهيونية، ورفض أي عرض لترك البلد الذي أحب، مهما كانت الضغوط والمغريات.

التركيز على يهودية ألبير آرييه أمر غير أساسي، لأنه مارس النضال الوطني والحياة السياسية باعتباره مصرياً.

قصة نضاله معروفة هو وأبناء جيله، ولكن يبقى الأهم إصراره على مصريته وتمسكه بها في أحلك الأوقات، وقدرته على بناء نفسه من جديد على الرغم من كل ما تعرض له.


تعليم وحياة علمانية

تلقى ألبير آرييه تعليماً علمانياً تماماً، وكانت حياته الخاصة أيضاً علمانية، فالطقس الديني فيها شبه منعدم، إلا في الاحتفالات الدينية، ويكون الاحتفال قاصراً على تناول الأطعمة. تلك الحياة العلمانية أذابت الفروق الدينية بين المنتمين للحركة الشيوعية في مصر، فلم يكن الدين شيئاً أساسياً في التعامل، بل إن بعضهم لم يعرف دين الآخرين إلا بالصدفة.

تظهر تلك العلمانية فيما رواه في أنه لم يدخل المعبد اليهودي، بسبب أن والدته وهو طفل رفضت أن تتركه بمفرده في مكان الذكور وتذهب هي لمكان النساء، قائلة إن "المكان الذي لا تستطيع أن تدخله مع ابنها لن تدخله"، لذلك لم تطأ قدماه يوماً ذلك المكان الديني.

لذلك أعتبر بأن التركيز على يهودية ألبير آرييه أمر غير أساسي، لأنه مارس النضال الوطني والحياة السياسية باعتباره مصرياً في الأساس وفي المقام الأول. وكانت عبارة الكاتب الإنجليزي آرثر كوستلر "لا أحد يختار السرير الذي يولد عليه" هي جملته المفضلة، فهو لم يختر أسرته أو ديانته أو محل ميلاده، إلا أنه اختار "مصريّته".


وجهات نظر خاصة

الوجه الآخر لألبير آرييه يبدأ بعد خروجه من المعتقل في نيسان/ أبريل سنة 1964، وإصراره على البقاء في مصر، ومواجهة مصاعب البدء من جديد، حتى تمكن من العمل في التصدير والتجارة، واستعاد نشاطه مرة أخرى.

ولم تنقطع علاقته بالسياسة، فلعب أدواراً سياسية كبيرة وتحت غطاء رسمي، مثل دوره في مؤتمر السلام سنة 1969، وتعاونه مع رفعت السعيد في إعادة إنشاء الحزب الشيوعي المصري من جديد سنة 1975، وعلى الرغم من قوله إنه "قام بعمليات دقيقة لصالح الحزب"، لكنه كان يرفض تماماً الحديث عنها، معتبراً إياها من الأسرار، وفي نهاية المطاف لم يعد العمل السياسي في ذلك الوقت مناسباً له، فهو مختلف عما مارسه من العمل السياسي السري في الأربعينيات والخمسينيات.

لم يدخل ألبير آرييه المعبد اليهودي، بسبب أن والدته وهو طفل رفضت أن تتركه بمفرده في مكان الذكور وتذهب هي لمكان النساء، قائلة إن "المكان الذي لا تستطيع أن تدخله مع ابنها لن تدخله"

وعلى الرغم من معارضته التامة للصهيونية، كان يرفض مبدأ "المقاطعة التامة" لكل ما هو إسرائيلي، وعلى حد قوله: "هناك أشخاص يعيشون في إسرائيل ضد الصهيونية ولم نعرف الاستفادة منهم، فبعضهم من اليهود الذين فروا من ألمانيا أثناء الحرب العالمية الثانية ولم يجدوا مهرباً غير إسرائيل". ولم يكن معجباً باللهجة الحادة الخاصة بالمعارضة الإسرائيلية، إضافة لموقفة من العمليات ضد المدنيين الإسرائيليين، لأنه كان يرى أنها تضعف الموقف الفلسطيني أمام العالم.

قد تكون وجهة نظره هذه صادمة للبعض، إلا أنها نتيجة خبرات سياسية وثقافة رفيعة، جعلته يقرأ الأحداث من منظور مختلف.


جانب إنساني

أشهر ألبير آرييه إسلامه سنة 1966 لكي يستطع الزواج من السيدة سهير شفيق، ولم يكن لهذه الخطوة أي غرض آخر، ولم تأت -كما يروج أنصار الإسلام السياسي- ضمن إطار أن يهود مصر أسلموا للبقاء فيها، وهذا غير صحيح، فمن بقي منهم في مصر، بقي لأنه مصري، ولأن مصر هي الوطن. ومن اللافت أن كثراً لم يلقوا بالاً لإسلام ألبير، وظل الجميع يذكره باليهودي المصري، وعلى الرغم من تغيير اسمه في الأوراق الرسمية، إلا أنه ظل يعرف باسم ألبير.

وعلى الرغم من علمانيته هو ومن حوله، إلا إن إسلامه واجه رفضاً من صديقه المحامي المصري شحاتة هارون، ليس لسبب ديني، وإنما بسبب قلقه من نقص عدد اليهود في مصر، والخوف من اختفاء الثقافة اليهودية مع الزمن.

ألبير آرييه في النهاية شخصية مصرية، عاش حياة ثرية على مدار تسعين عاماً، يصعب اختصارها في كونه يهودياً أو مناضلاً شيوعياً. لم يشعر بالندم إزاء ما تعرض له من سجن لمدة أحد عشر عاماً، بل يعتبرها من أجمل أيام حياته، فعلى حد قوله، قابل في تلك الفترة كل أطياف المجتمع، من مجرمين، سياسيين وأشخاص عاديين متهمين في جرائم بسيطة، بالإضافة للضباط والسجانة وغيرهم، وهو شبّه المجتمع داخل السجن، بالمجتمع في الخارج، حيث الطبقية موجودة أيضاً بين المساجين.

أشهر ألبير آرييه إسلامه سنة 1966 لكي يستطع الزواج من سهير شفيق، ومن اللافت أن كثراً لم يلقوا بالاً لإسلامه، وظل الجميع يذكره باليهودي المصري، وعلى الرغم من تغيير اسمه في الأوراق الرسمية، إلا أنه ظل يعرف باسم ألبير

وجوده في مصر كان دليلاً على تنوع المجتمع المصري في السابق، وتقبله لأي مختلف عنه، فقد ولد في الفترة الذهبية للحياة السياسية في مصر إبان ثورة 1919، وشهد تطورات المجتمع المصري السياسية، الإيجابي منها أو السلبي.

ويظهر البعد الإنساني له والنظرة الثاقبة للأمور فيما قاله عن الرئيس جمال عبد الناصر، بأنه "لم يسئ لمصر بل أساء له"، فهو لم يحمل الشخصي على العام، فعلى الرغم من سجنه في عهد عبد الناصر وقمعه للشيوعيين، إلا أنه يرى أنه عمل من أجل مصلحة مصر مهما وجد لديه من سلبيات.

بوفاة ألبير آرييه فقدت مصر جزءاً كبيراً من جانبها الإنساني، وشاهداً على عصر كامل من تاريخها الحديث.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard