البحث عن فلسطين في مصر قبل مئة عام

السبت 28 نوفمبر 202006:05 م

لم أتوصل إلى كتابيْ "الصهيونية" لأنور كامل (1944)، و"فلسطين بين مخالب الاستعمار" لأحمد صادق سعد (1946)، وقد ذكر الكاتب الفلسطيني عدلي صادق في مقاله "النزاع وثقافة أخرى"، المنشور بصحيفة العرب اللندنية، 4 أكتوبر 2020، أن مصر قبل النكبة لم يصدر فيها ضد الصهيونية سوى هذين الكتابين، رغم وجود "عشرات الصحف الموالية للمشروع الصهيوني... وكان لافتاً منذ بدء الانتداب البريطاني على فلسطين، أن رموزاً وازنة من الحركة الثقافية المصرية أظهرت تزلّفاً لعملية بناء الدولة اليهودية."؛ حكمٌ يقيني يدفع القارئ العجول إلى استدعاء اثنين من رموز الليبرالية، ليصوّب إليهما سهامه، وهما مؤسس حزب الأمة أحمد لطفي السيد، وطه حسين، رئيس تحرير مجلة "الكاتب المصري"، وربما نجا من الاتهام ليبرالي آخر، هو الدكتور محمد حسين هيكل، رئيس تحرير جريدة "السياسة".

في كتاب "اليهود المصريون والحركة الصهيونية" تسجل الدكتورة عواطف عبد الرحمن أن "السياسة"، لسان حال حزب الأحرار الدستوريين، روّجت للتفاهم بين العرب واليهود، "من أجل إقامة الوطن المشترك"، واستهوت هذه النغمة صحفاً صهيونية في فلسطين، منها "هآرتس" التي أرسلت رداً نشرته "السياسة" في 28 سبتمبر 1928، للتعبير عن "أسفها الشديد لأنها لأول مرة فقط تسمع صوتاً مستنيراً في العالم الإسلامي يشجب سياسة العنف التي يسلكها الشعب الفلسطيني". وتبنى الدكتور هيكل رئيس التحرير فكرة التفاهم، داعياً إلى "تأليف لجنة يهودية عربية تضطلع بهذا العبء"، وأشادت صحيفة "إسرائيل" بمقال هيكل باعتباره "خير ما كتب إلى الآن باللغة العربية بأسلوب بريء من الهوى". ولم تكتف "السياسة" بذلك، وإنما استعْـدَت السلطات "ضد الفلسطينيين المقيمين في مصر مهددة إياهم بالطرد".

يفضّل النظر "في" ذلك المشهد من داخله، على النظر "إلى" المشهد نفسه من بعيد. مصر بلد محتلّ، ومنذ 1882 وقعت تحت احتلال مزدوج، تركي- بريطاني، وخلصها الثاني من الأول بإعلان الحماية البريطانية عام 1914. ولم يكن الاحتلال الثنائي يمنع وجوداً صهيونياً تؤكده خطة تيودور هرتزل لتوطين اليهود في سيناء عام 1903، وأرسل بعثة استكشافية لمعرفة ملاءمة سيناء لتأسيس مستعمرة يهودية بالقرب من فلسطين. وحضرت البعثة، بعد خمسة لقاءات لهرتزل مع السلطان العثماني الذي استضاف مؤلف "الدولة الصهيونية" مرتين بين عامي 1896 و1902، "وكان السلطان مشدوداً لمشروع هرتزل، لأن هدفه... كان تخليص الدولة من تبعيتها وديونها لأوروبا"، كما تذكر الدكتورة فدوى نصيرات في كتابها "دور السلطان عبد الحميد الثاني في تسهيل السيطرة الصهيونية على فلسطين 1876 ـ 1909". وفي القاهرة استقبل كرومر المندوب السامي البريطاني البعثة، وسهل مهامها. ولكن الحكومة المصرية رفضت التنازل عن السيادة على أرض مصرية. وبعد فشل هرتزل تكررت محاولة لتوطين اليهود في رفح، بسعي وكيل القنصل البريطاني في غزة اليهودي إسكندر كنزوفيتش إلى شراء الأراضي القريبة من فلسطين.

هرتزل

في مارس 1919 نُفي سعد زغلول ورفاقه إلى جزيرة مالطة، وحاولت سلطة الاحتلال امتصاص الثورة الشعبية بإعادتهم من المنفى. ثم فشلت المفاوضات، وتم التضييق على الوفد وتحركاته الميدانية، وفي ديسمبر 1921 قبض على سعد زغلول، ونفي مع رفاقه إلى جزيرة سيشل، ومنع ذكر اسمه في الصحف، فلجأ بديع خيري إلى التلميح إلى لقب الزعيم في أغنية "يا بلح زغلول" التي لحنها سيد درويش وغنتها نعيمة المصرية. وفي صراع القوى السياسية مع الاحتلال البريطاني والقصر حيث يقيم حفيد تاجر الدخان محمد علي، انشغلت الحركة الوطنية عن مدّ العين إلى ما هو أبعد من قضية الاستقلال. وقد توفي سيد درويش في صمت فسّره نجيب سرور في هجائيته "الأميات" بأنه مات في التوقيت الخطأ: "ميّت في يوم القيامة، مين على المرحوم هيبكي، والكل أصبح وشّه زيّ قفاه"، إذ مات "فنان الشعب"في "قيامة" احتفال المصريين بعودة سعد زغلول من المنفى.

لم يكن طه حسين زعيماً ولا رئيس حزب، ولم يتورط في عمل سياسي مباشر، ولكن قضية فلسطين لم تغب عنه، فنشر في صحيفة "كوكب الشرق"، مقالاً عنوانه "فلسطين." انتقد تعنت الاحتلال البريطاني، إذ يمنع الفلسطيني أن يدخل بلاده: "فما ينبغي أن يكون الرجل من أهل فلسطين غريباً في مصر وما ينبغي أن يكون الرجل من أهل مصر غريباً في فلسطين"

وفي "قيامات"الكفاح من أجل الاستقلال، لم تنشغل مصر عن فلسطين وحدها، بل عن اختراقات جعلتها ملعباً مفتوحاً تستبيحه منظمات صهيونية منذ فبراير 1897، وهو تاريخ تأسيس جمعية "بركوخبا"، أول جمعية صهيونية في مصر والعالم الإسلامي، وقد استمر نشاطها سبع سنوات في القاهرة والإسكندرية. أسى الاستباحة هو ما شعرتُ به عام 2010، حين قرأتُ ترجمة كتاب "صهيونية في ظل الأهرامات"الصادر عام 2009 في تل أبيب، ومؤلفته روث كيمحي ولدت عام 1944 في القاهرة لأب مصري وأم سورية، وهاجروا إلى فلسطين في مايو 1948. وقد جمعتْ مادة البحث من 20 أرشيفا في فرنسا وبريطانيا وأمريكا، وشهادات يهود غادروا إلى فلسطين بعد أن عاشوا في مصر مندمجين، اجتماعيا" وثقافيا" وسياسيا".

في نوفمبر 1913 انتخب ممثلو الجمعيات الصهيونية بالقاهرة والإسكندرية لجنة موحدة هي "اللجنة الصهيونية المركزية لمصر". وفي مارس 1917 انتخب جاك موتساري رئيسا للحركة الصهيونية في مصر، وأصدر مجلة أسبوعية عنوانها بالعبرية "وجهة نظر صهيونية"، استمرت حتى عام 1923، واستخدمت "في نقل الرسائل الصهيونية العامة للجالية اليهودية بمصر"، وكانت تنشر خطب قادة الحركة الحركة الصهيونية في أي مكان بالعالم، وتقارير عن تطورات أحوال المستعمرات الصهيونية في فلسطين، وأخبار الجمعيات الصهيونية، وأسماء المتبرعين اليهود للصندوق القومي الصهيوني. وفي مارس 1918 انضم إلى اللجنة المركزية المحامي ليئون كاسترو، وأسندت إليه الوكالة اليهودية عام 1943 رئاسة "اللجنة المؤقتة للاتحاد الفيدرالي الصهيوني في مصر"، ومن مهامها تدريب الشبان وتأهيلهم، استعداداً لإرسالهم إلى فلسطين.

سهلت سلطة الاحتلال البريطاني عمل المنظمات الصهيونية في مصر وفلسطين. وفي مؤتمر صحفي بفلسطين عام 1944 وجه كاسترو هجوماً إلى حزب الوفد لمناداته بالوحدة العربية، وأشاد بتبرعات اليهود المصريين، فأغضب الجماهير والأحزاب المصرية، واعتبرت صحيفة "البلاغ" تصريحات كاسترو "جريمة شنعاء في حق مصر"، وقالت صحيفة "فلسطين" في القاهرة إن الملايين التي استثمرها يهود مصر في المشروعات الصهيونية في فلسطين ألحقت أضرارا بالغة بمصر وفلسطين. ولم ينته عام 1944 إلا بمصرع الوزير البريطاني لشؤون الشرق الأوسط والمقيم بالقاهرة "اللورد موين"، على أيدي عضوين في منظمة إرهابية صهيونية، استخدما هويات مزورة خاصة بالجيش البريطاني. ومن المفارقات أن سلطة الاحتلال لم تغلق مكاتب المؤسسات الصهيونية في مصر، بعد الاغتيال، "وإنما اكتفت بحظر عقد المؤتمرات والاجتماعات"؛ لامتصاص غضب المصريين.

اللورد موين

بدا اليسار أكثر وعياً بالمخطط الصهيوني، فهاجم الحزب الشيوعي المصري وعد بلفور، ونشر في صحيفة "الحساب" مقالاً عنوانه "بلفور يزور ضحيته وفلسطين تقابله بالإضراب العام"، ورفض المحاولات الصهيونية لاغتصاب فلسطين. وفي عام 1925 مرّ جيمس بلفور بمصر، في طريقه إلى القدس، للمشاركة في افتتاح الجامعة العبرية، وواجهته مظاهرات ترفض وجوده، وتندد بوعده. واعتقل وزير الداخلية إسماعيل صدقي فلسطينيين هتفوا ضد بلفور، ومنهم أمين عبد اللطيف الحسيني، شقيق مفتي القدس، ومحمد علي الطاهر رئيس تحرير صحيفة "الشورى" الفلسطينية. وفي عام 1930 عُيّن إسماعيل صدقي "عدو الشعب" رئيسا للوزراء، فألغى الدستور، وأغلق صحيفة "الشورى"، ولم يمسّ صحيفة "إسرائيل" لسان حال الحركة الصهيونية.

ولكن الدكتورة سهام نصار، في كتابها "الصحافة الإسرائيلية والدعاية الصهيونية في مصر"، راجعت موقف اليسار المصري من الصهيونية، ورأت أنه لم يكن أول من أدرك خطورة الصهيونية ولا أول من حاربها، وقد خلا برنامج أول حزب شيوعي مصري عام 1921 "من أي إشارة لفلسطين". وتقول إن اليسار تحالف، من حيث لا يدري، مع الصهيونية في مواجهة الخطر النازي والفاشي، وتستشهد بكتاب "صفحات من اليسار المصري في أعقاب الحرب العالمية الثانية 1945 ـ 1946" حيث قال مؤلفه أحمد صادق سعد إن "كبار اليهود في مصر كانوا يخشون انتشار الحركة المعادية للسامية، ولذا رأوا مساندة بعض الماركسيين... أغلب هؤلاء الكبار كانوا يعملون في الوقت نفسه على محاولة استغلال النشاط الماركسي كفرس يجري مع الصهيونية". ولكنه مع بعض زملائه وقفوا ضد هذه المحاولات، لأنهم يرون الصهيونية "حركة معادية للشعوب العربية".

أهمل أحمد زكي، "شيخ العروبة"، دعوة لحضور حفل افتتاح الجامعة العبرية، ولم يرد عليها، وسافر مدير الجامعة المصرية أحمد لطفي السيد مندوباً رسمياً. وفي كتاب "المشروع الصهيوني.. الاختراق الصهيوني لمصر من 1917 حتى 2017" تقول الدكتورة عواطف عبد الرحمن إن لطفي السيد، أمام عاصفة احتجاج الفلسطينيين، زار المعاهد الإسلامية، وأصدر بياناً شرح فيه مهمته في القدس، وطبيعة الدعوة الموجهة "من معهد علمي من المفروض انعدام صلته بالسياسة"، ولكنه أبدى ارتيابه من المبالغة في احتفال "ينطوي على الترويج للدعوة الصهيونية" وعلم أن لغة الجامعة هي العبرية، فامتنع عن إلقاء كلمته في الاحتفال؛ لكي لا يفهم منها "تأييد مصر للعنصر الصهيوني وتفضيله على العنصر العربي في فلسطين". واستغلت الدوائر الصهيونية حضورَه دعائياً، حتى أن وكالة رويتر "لم تذكر من أسماء من حضروا ذلك الحفل إلا اسم لطفي السيد." وقالت صحيفة "بالستين ويكلي" الصهيونية: "إن حضور مندوب مصر... كان دليلاً على أن مصر العاقلة لا ترى في الصهيونية رأيَ أهل فلسطين."

الدكتورة سهام نصار، في كتابها "الصحافة الإسرائيلية والدعاية الصهيونية في مصر"، ورأت أن اليسار لم يكن أول من أدرك خطورة الصهيونية ولا أول من حاربها

غاب الوعي القومي العربي في مصر في العقدين الأول والثاني من القرن العشرين، كما تقول سهام نصار، وانغمس حزب الوفد "تماماً في القضية المصرية"، ونجحت الدعاية البريطانية والصهيونية في تضليل القوى السياسية المصرية، ومنها حزب الوفد فشغلته بقضاياه الوطنية المحلية عما "كان يجري لفلسطين"، ولم يقتصر ذلك على القوى المصرية، "وإنما شاركتها في عدم الوعي قوى عربية أخرى مثل الشريف حسين أمير مكة، وزعيم الثورة العربية ضد الترك الذي بعث إلى أتباعه يبلغهم أنه تلقى تأكيدات من بريطانيا تفيد بأن استيطان اليهود في فلسطين لن يتعارض مع استقلال العرب فيها، كما أوصى بنشر مقال في جريدته الرسمية "القبلة" عام 1918 يطلب فيه من السكان العرب الترحيب باليهود كإخوة لهم."

وسرعان ما أدرك حزب الوفد انتماءه العربي، ووعى أبعاد الخطر الصهيوني. وتبرع سعد زغلول بمئة جنيه لمنكوبي الزلزال في فلسطين عام 1927. وبعد ثورة البراق اشترك الحزب في المؤتمر الإسلامي بالقدس عام 1931. وفي عام 1936 حضرت القضية الفلسطينية في مفاوضات أنطوني إيدن وزعيم الوفد مصطفى النحاس الذي أوضح أن فكرة التقسيم ليست حلاً مرضياً. وفي العام التالي اقترحت لجنة تحقيق بريطانية تقسيم فلسطين، وقال النحاس للسفير البريطاني في مصر مايلز لامبسون، في 24 يوليو 1937، إنه لا يستطيع أن يشعر بالاطمئنان وهو يفكر في قيام دولة يهودية على حدود مصر، "إذ ما الذي يمنع اليهود من أن يدّعوا لهم حقاً في سيناء فيما بعد؟."

سعد زغلول

لم يكن طه حسين زعيماً مثل النحاس، ولا رئيس حزب مثل لطفي السيد، ولم يتورط في عمل سياسي مباشر، ولكن قضية فلسطين لم تغب عنه، فنشر في صحيفة "كوكب الشرق"، في 28 أكتوبر 1933، مقالاً عنوانه "فلسطين." وفي 4 مارس 1934 نشر في الصحيفة نفسها مقالاً ينتقد تعنت الاحتلال البريطاني، إذ يمنع الفلسطيني أن يدخل بلاده: "فما ينبغي أن يكون الرجل من أهل فلسطين غريباً في مصر وما ينبغي أن يكون الرجل من أهل مصر غريباً في فلسطين". ولكن الانتقادات لا تزال تلاحقه؛ لقبوله رئاسة تحرير مجلة "الكاتب المصري" الشهرية التي أصدرتها شركة الكاتب المصري للطبع والنشر، وكانت شركة مصرية مملوكة لأفراد من أسرة آل هراري اليهودية، ولم يذكر باحث أن أحدهم انتمى إلى تجمع صهيوني. واستمر صدور "الكاتب المصري" من أكتوبر 1945 إلى مايو 1948.

في عام 1925 مرّ جيمس بلفور بمصر، في طريقه إلى القدس، للمشاركة في افتتاح الجامعة العبرية، وواجهته مظاهرات ترفض وجوده، وتندد بوعده. واعتَقل وزير الداخلية إسماعيل صدقي فلسطينيين هتفوا ضد بلفور، ومنهم أمين عبد اللطيف الحسيني، شقيق مفتي القدس

ويرى منتقدو طه حسين أن المجلة أدت مهمة دعائية غير مباشرة للحركة الصهيونية، بتجاهل قضية فلسطين، ونشر معالجات سطحية لهذا الصراع. ولكن الانتقاد للموقف السياسي، وللعمل الإبداعي والفني أيضاً، يفترض ألا يوجه إلى المسكوت عنه، وأن يحاسب السياسي والمثقف على سلوكه اللفظي والعملي. وفي حالة طه حسين لم يجد دارسو محتوى "الكاتب المصري" تعاطفاً مع الصهيونية، أو حياداً في تناول قضية فلسطين.

وقد بدأت حرب الشائعات قبل الصدور، بسؤال طه حسين عن مساعدة "مشروع"، المجلة للصهيونية، فأجاب بأنها "لسان صادق للأدب العربي". ويرصد علي شلش في كتابه "المجلات الأدبية في مصر"عبور الشائعات للحدود، بتلقي طه حسين رسالة من الأديب الفلسطيني خليل شطارة يسأله عن الحقيقة، فردّ برسالة نشرتها صحيفة "البلاغ" الفلسطينية، موضحاً أن الشائعات "مصدرها المنافسة التجارية من جهة والضغينة السياسية من جهة أخرى، والحسد البغيض من جهة ثالثة... استقصيت وأحسنت الاستقصاء، وتبينت أن الأمر لا يتصل، ولا يمكن أن يتصل بالصهيونية من قريب أو بعيد... وهي مجلة مصرية عربية ظهر العدد الأول من أعدادها. وإني أتحدى من شاء أن يجد في هذا العدد وفي الأعداد التي ستليه إشارة للصهيونية أو تأييداً لها. ومن يدري لعل خصوم هذه المجلة يبهتون في يوم من الأيام حين يرون فيها خصومة عنيفة للصهيونية، وهجوماً عنيفاً على ظلمها ودفاعاً عن العرب في وطنهم فلسطين.

مما نشرته المجلة دراسة عنوانها "الجامعة العربية ومقوماتها الجغرافية والتاريخية"، شغلت 14 صفحة في العدد الرابع، يناير 1946، وفيها ينبه سليمان حزين إلى أهمية موقع فلسطين التي يجب أن تنال "ما يريده لها العرب من كيان سياسي عربي مستقل. وفوق ذلك فإن لفلسطين قيمة أخرى بالنسبة للعلاقات بين مصر وجاراتها العربية؛ فهي تعتبر قاعدة عسكرية من الدرجة الأولى؛ وتستطيع أية سلطة تسيطر عليها أن تهدد كيان الشرق العربي كله. وإذا لم يضمن العرب أعضاء الجامعة الجديدة أن تبقى فلسطين للعرب، وإذا لم يضمنوا فوق ذلك أن تبقى أرضها في أيدٍ صديقة حتى يتمّ إنشاء الدولة الفلسطينية العربية، فإنهم لا يضمنون شيئا بالنسبة لكيان الجامعة كلها من الناحية العسكرية. ولعل مصر تتأثر من هذه الناحية أكثر من غيرها."

وفي افتتاحية عدد يونيو 1946 كتب طه حسين عن رحلته "من القاهرة إلى بيروت"، وكانت السفينة تحمل نحو ألف من ضعاف اليهود المهاجرين، "يقودهم رسل من الحلفاء إلى فلسطين... ولكن أهل فلسطين لم يستشاروا ولم يستأمروا في إيواء هؤلاء البائسين، ولكن في الأرض أوطاناً كثيرة أقدر على إيوائهم من فلسطين".

فهل كانت فلسطين غائبة عن الوعي المصري في تلك الفترة؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard