اللوح المحفوظ وإنزال القرآن.. ليلة القدر في الثقافة الإسلامية

الأربعاء 5 مايو 202110:00 ص

 يؤمن المسلمون بأن القرآن الكريم قد أُنزل في ليلة القدر، والتي تقع -في أغلب الأقوال- في واحدة من الليالي العشر الأخيرة من شهر رمضان. هذا المعنى ظهر في الآية الأولى من سورة القدر "إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ"، والتي تحدث شمس الدين القرطبي عن سبب تسميتها بهذا الاسم، فقال في تفسيره: "سُميت بذلك لأن الله تعالى يقدر فيها ما يشاء من أمره، إلى مثلها من السنة القابلة، من أمر الموت والأجل والرزق وغيره. ويسلمه إلى مدبرات الأمور، وهم أربعة من الملائكة: إسرافيل، ميكائيل، عزرائيل وجبريل عليهم السلام".

النقاش حول ليلة القدر في الثقافة الإسلامية، ارتبط بالعديد من القضايا الجدلية المهمة، ومنها الحديث عن بعض المصطلحات الغامضة نوعاً ما، كاللوح المحفوظ والبيت المعمور وبيت العزة، والاختلاف في المعنى والدلالة بين تنزيل القرآن وإنزاله، هذا فضلاً عن السؤال حول ضرورة الاحتكام للسياق التاريخي لنزول الآيات ومراعاة أسباب النزول وربطها بالتشريعات والأحكام.

مصطلحات غامضة: اللوح المحفوظ والبيت المعمور وبيت العزة

ارتبط القرآن بمجموعة من المصطلحات الغامضة نوعاً ما، والتي ورد ذكرها في سياق الحديث عن نزول القرآن من السماء إلى الأرض. أهم تلك المصطلحات كان اللوح المحفوظ والبيت المعمور وبيت العزة.

فيما يخص اللوح المحفوظ، فقد أشار إليه القرآن الكريم في الآيتين رقم 21 و22 على التوالي من سورة البروج: "بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ"، كما وردت الإشارة إليه في العديد من مدونات الحديث النبوي، ومن أهمها صحيح البخاري، والذي جاء فيه نقلاً عن النبي: "كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض"، وهو الحديث الذي علق عليه ابن حجر العسقلاني في كتابه فتح الباري بقوله: "الذكر هو اللوح المحفوظ".

كتب التراث الإسلامي -السنية التوجّه- أوردت العديد من التفاصيل المُختلف عليها حول شكل ووصف اللوح المحفوظ، من ذلك ما ورد في تفسير القرطبي عن عبد الله بن عباس: "اللوح من ياقوتة حمراء، أعلاه معقود بالعرش، وأسفله في حِجْر ملك يقال له ماطريون... ينظر الله عز وجل فيه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة".

وما ورد عن أنس بن مالك أنه قال: "إن اللوح المحفوظ هو في جبهة إسرافيل"؛ وأيضاً ما ذكره  أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب "العظمة" عن التابعي سعيد بن جبير: "اللوح من ياقوتة وأنا أقول كان من زمرد، كتابتها من الذهب، وكَتَبَها الرحمن عز وجل بيده، وسمع أهل السماوات صرير القلم"، وفي السياق نفسه ورد في تفسير الحافظ ابن كثير أن اللوح المحفوظ طوله ما بين السماء والأرض وعرضه ما بين المشرق والمغرب وهو من درة بيضاء.

كتب التراث الإسلامي سنيّة التوجّه أوردت العديد من التفاصيل المُختلف عليها حول شكل ووصف "اللوح المحفوظ"، أما في النسق الشيعي الإمامي، والذي يعطي تصوراً أكثر مرونة لمفهومي القضاء والقدر، تجتمع الروايات على وجود لوحين، لا لوحاً واحداً

في النسق الشيعي الإمامي، والذي يعطي تصوراً أكثر مرونة لمفهومي القضاء والقدر، تجتمع الروايات على وجود لوحين، لا لوحاً واحداً، وفي ذلك يقول علامة الشيعة محمد باقر المجلسي في موسوعته "بحار الأنوار": "اعلم أن الآيات والأخبار تدل على أن الله تعالى خلق لوحين، أثبت فيهما ما يحدث من الكائنات، أحدهما: اللوح المحفوظ الذي لا تغيّر فيه أصلاً وهو مطابق لعلمه تعالى، والآخر؛ لوح المحو والإثبات، فيثبت فيه شيئاً ثم يمحوه لحكمٍ كثيرة لا تخفى على أولي الألباب".

أما في النسق الصوفي، فقد تم تناول المصطلح بشكل رمزي باطني بعيداً عن التوصيفات الغيبية التقليدية الشائعة في المصادر السنية المتقدمة، من ذلك ما ذكره الصوفي عبد الوهاب الشعراني عندما قال إن اللوح المحفوظ هو قلب العارف، ثم أضاف بعدها مفسراً: "ومما نُقل عن القوم قولهم: اللوح المحفوظ هو قلب العارف، ليس مرادهم نفي اللوح المحفوظ، وإنما مرادهم أن قلب العارف إذا انجلى ارتسم فيه كل ما كُتب في اللوح المحفوظ نظير المرآة إذا قابلها لوح مكتوب".

في السياق نفسه تحدثت المصادر الإسلامية كثيراً عن البيت المعمور وبيت العزة، إذ ورد في تفسير الطبري أن "البيت المعمور مسجد في السماء بحذاء الكعبة، لو خرّ لخرّ عليها، يدخله سبعون ألف ملك كل يوم، إذا خرجوا منه، لم يعودوا". أما بيت العزة، فهو البيت الموجود في السماء الدنيا والذي يقع أسفل البيت المعمور.

رحلة القرآن من السماء إلى الأرض: بين التنزيل والإنزال

كان اختلاف المصطلح القرآني حول توصيف عملية نزول القرآن إلى النبي، ما بين التنزيل والإنزال، من أهم النقاط الجدلية التي أهتم العديد من مفسّري القرآن وأهل البلاغة واللغة بمناقشتها في كتاباتهم.

المفسّر والبلاغي المعتزلي جار الله الزمخشري تحدث في كتابه الكشاف عن تلك النقطة، مفرّقاً بين دلالات المعنيين، الإنزال والتنزيل- فقال" "قالوا أنزل –القرآن- جملة واحدة من السماء السابعة إلى السماء الدنيا، وأمر السفرة الكرام بانتساخه في ليلة القدر، وكان جبريل عليه السلام ينزله على رسول الله صلى الله عليه وسلم نجوماً نجوماً".

"نزل القرآن إلى سماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة، ثم نزل بعد ذلك منجماً في عشرين سنة، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، على حسب الخلاف في مدة إقامة النبي  بمكة بعد البعثة"

هذا القول الذي يفرق بين عمليتين للنزول، الأولى وقعت من السماء السابعة إلى السماء الدنيا بشكل كامل، والثانية حدثت بشكل جزئي على مدار سنين طويلة، قال به العديد من المفسرين، ومنهم على سبيل المثال جلال الدين السيوطي في كتابه الاتقان في علوم القرآن، إذ ذكر: "نزل -القرآن- إلى سماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة، ثم نزل بعد ذلك منجماً في عشرين سنة، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، على حسب الخلاف في مدة إقامة النبي صلى الله عليه وسلم بمكة بعد البعثة".

المعتقد الإسلامي التقليدي يذهب إلى أن الكتب السماوية السابقة على القرآن، قد نزلت دفعة واحدة، وذلك تأسيساً على بعض الآيات القرآنية، ومنها الآية 3 من سورة آل عمران: "نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل"، والآية رقم 44 من سورة المائدة: "إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ". وما ورد في مسند أحمد بن حنبل، منسوباً إلى الرسول: "أنزلت صحف إبراهيم عليه السلام في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل الفرقان لأربع وعشرين خلت من رمضان".

الأمر الذي أكد عليه الزمخشري في كتابه بقوله: "فإن قلت: لِمَ قيل: نزل الكتاب، وأنزل التوراة والإنجيل؟ قلت: لأن القرآن نزل منجماً، ونزل الكتابان جملة".

الفارق بين لفظي الإنزال والتنزيل حظي باهتمام العديد من الباحثين المعاصرين كذلك، إذ عملوا على فهمه بطريقة معاصرة. على سبيل المثال تحدث الراحل محمد شحرور عن تلك القضية في كتابه "الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة"، فقال إن التنزيل هو عملية نقل موضوعي خارج الوعي الإنساني، أما الإنزال فهو عملية نقل المادة المنقولة خارج الوعي الإنساني، من غير المدرك إلى المدرك، أي أنها قد دخلت مجال المعرفة الإنسانية، وهو الأمر الذي وقع واكتمل في حالة القرآن أثناء تنزله على النبي.

فهم القرآن: بين أسباب النزول والسياق التاريخي

عرف المسلمون ظهور علم أسباب نزول الآيات القرآنية منذ فترة مبكرة من عمر الحضارة العربية الإسلامية، إذ صنّفوا عدداً من الكتب المهمة في هذا المجال، ومنها "لباب النقول في أسباب النزول" لجلال الدين السيوطي، و"أسباب نزول القران" للواحدي النيسابوري، و"العجاب في بيان الأسباب" لابن حجر العسقلاني.

وعلى الرغم من قيام علم أسباب النزول، كأحد أهم العلوم القرآنية المعتبرة في حقل الثقافة الإسلامية، واهتمام بعض الباحثين المعاصرين بمفهوم تاريخية النص القرآني، ومنهم على سبيل المثال، الباحث المصري الدكتور نصر حامد أبو زيد الذي أكد في كتابه "دوائر الخوف: قراءة في خطاب المرأة" على تاريخية القرآن، فقال: "هو مفهوم لا يعني دائماً الزمانية بل يعني أننا ملزمون باستعادة السياق التاريخي لنزول القرآن من أجل أن نتفهم مستويات المعنى وآفاق الدلالة فنستطيع التمييز في مجال الأحكام والتشريعات بين مستويات لم ينتبه إليها أسلافنا"؛ فإن رجال الدين قد عملوا على الفصل بين الحكم التشريعي للآيات من جهة والسياق التاريخي الذي صادف نزول تلك الآيات من جهة أخرى، وذلك من خلال التفرقة بين سبب النزول وعلته.

 نصر حامد أبو زيد عن تاريخية القرآن وأسباب نزوله، قال: "هو مفهوم لا يعني دائماً الزمانية بل يعني أننا ملزمون باستعادة السياق التاريخي لنزول القرآن من أجل أن نتفهم مستويات المعنى وآفاق الدلالة فنستطيع التمييز في مجال الأحكام والتشريعات بين مستويات لم ينتبه إليها أسلافنا"

الأغلبية الغالبة من رجال الدين المسلمين عبر القرون، أكدوا على أهمية التعرف على علة الحكم حتى يمكن فهمه والقياس عليه، وفي ذلك يقول الإمام أبو حامد الغزالي في "المستصفى": "كلُّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ أَمْكَنَ تَعْلِيلُهُ فَالْقِيَاسُ جَارٍ فِيهِ".

الإشكال كمن في تعريف العلة، ففي حين عرفها المعتزلة على أنها "المؤثر في الحكم بذاتها لا بجعل الله. وهذا على بناء قاعدتهم في التحسين والتقبيح العقلي. فالعلة وصف ذاتي لا يوقف على جعل جاعل"، فقد ذهب أغلبية فقهاء السنة على كونها "الوصف المؤثر في الحكم لا بذاته بل بجعل الشارع"، معنى ذلك أن الزنا لم يكن هو علة الرجم، وأن السرقة ليست هي علة القطع، وإنما هي مجرد أسباب، استمدت فاعليتها وتأثيراتها من خلال العلة الغيبية التي لا يعرفها إلا الله عز وجل.

هذا التوجه تسبب في تهميش السياق التاريخي، إذ عدّه مجرد سبب للنزول، ورفض أن يتقبله كعلة للحكم، وفي ذلك يقول الإمام أبو اسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي، في كتابه "الموافقات": "إن الشارع غلَّب في باب العبادات جهة التعبد، وفي باب العادات جهة الالتفات إلى المعاني، والعكس في البابين قليل"، بما يعني أن التعبد والتقليد دون التفكر هو الأساس الذي يُبنى عليه في أمور الأحكام والتشريعات.

المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري تحدث في أحد مقالاته عن قضية تهميش السياق التاريخي فيما يخصّ استنباط الحكم الشرعي والقياس عليه فقال: وعند معظم الفقهاء والمفسرين أن "سبب النزول" لا يعني أنه الدافع أو العلة للنزول بل "هو ما نزلت الآية أو الآيات متـحدِّثةً عنه أو مُبَـيِّنَةً لـحكمه". وقد اختلفوا في تقدم أو تأخر الآية عما يعتبر سبباً في نزولها، وقد اشترط بعضهم مساوقة النزول لوقوع ما يعتبر سبباً له، كأن يكون سؤالاً وجه إلى النبي عليه السلام أو حادثاً حدث بمحضره فنزل الوحي في شأنه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard