دلالات الألوان في القرآن والفكر الصوفي

الثلاثاء 20 أبريل 202102:40 م

للألوان أهميّة بالغة في حياتنا الاجتماعية، ويتجلّى اهتمامنا بها في اختيار ملابسنا وأثاث بيوتنا، ودفاترنا وأوراقنا. ونَصِفُ هذا اللون بالبنّاتي أو العجائزي أو الشبابي أو الطفولي. وربّما يتعرّض الإنسان لنوع من التنمّر بسبب اختياره لون دون سواه، وقد يُرشق بعبارات مُحبطة أو مُخجلة أو مُزعجة، على الرغم من أنّ اختيار اللون يدخل في إطار المزاج الخاصّ أو الذوق الفردي، لكن يبقى للثقافة الجمعيّة دور مهمّ في التأثير على اختياراتنا وأذواقنا وإن كانت خصوصيّة!

ويورد ابن منظور في لسان العرب تحت مفردة "اللون": هيئة كالسّواد والحُمرة، ولوّنته فتلوّن. ولونُ كلّ شيء: ما فصل بينه وبين غيره، والجمع ألوان، وقد تلوّن ولوّن ولوّنه. والألوان: الضُّرُوب. واللون: النّوع. وفلان متلوّن، إذا كان لا يثبت على خُلق واحد. واللون: الدّقَل، وهو نوع من النخل. قال الأخفش: هو جماعة واحدها لينة. وقال الفرّاء: كلّ شيء من النخل سِوى العجوة فهو من اللّين واحدته لينة.

ترتبط الألوان بالثقافة ارتباطاً وثيقاً، وكلّ لون يرمز إلى حزن أو فرح أو تفاؤل أو راحة أو همّ، إلخ. فاللون الأحمر في الثقافة الصينيّة يدلّ على السعادة والفرح والنجاح، وعند بعض القبائل الهندية يدلّ على الهزيمة، وفي بعض البلدان الإفريقيّة يدلّ على الموت، لكنّه يدلّ على الرجولة في بريطانيا وفرنسا. ويرتبط بالغضب والخطر في الثقافة اليابانية، أمّا في الثقافة العربيّة فيدلّ على الجاذبية والإثارة والشهوة، ويدلّ أيضا على الغضب والخجل. أمّا في القرآن الكريم والفكر الصوفي فله معان خاصّة.

اللون الأزرق

يرى الفيروزآبادي في كتابه "بصائر ذوي التمييز" أنّ الزّرق والزُّرقة: لون معروف بين البياض والسّواد. والزرقة: العمى. ومنه قوله تعالى: "يوم يُنفخ في الصّور ونحشر المجرمين زُرقا" (طه: 102)، أي يحشرهم الله عمياناً، فلا نور لعيونهم لأنّهم استخدموا بصيرتهم في الحياة الدنيا لتحصيل اللذّات الحسّيّة والماديّة وتخلّوا عن المعاني الروحيّة والنورانيّة كما يرى ابن عربي في تفسيره المعروف "تفسير ابن عربي".

واللون الأزرق هو لون الطينة الآسنة بسبب بقائها فترة طويلة تحت الماء الآسن الملوّث، فتتحوّل الطينة ذات اللون الأوكر أو الترابي إلى اللون المزرق الآسن فيخرج ريح آسن، فالغاية من هذا التحوّل الآسن أن يعتبر الإنسان بذلك فيلجأ إلى تطهير ذاته من الكدر وأن يتجرّد من شوائب التعلّق بما سِوى الله ليحافظ على نور الاستعداد الكامن في الفطرة السليمة، ويطيل التفسير ويعلّق عليه الدكتور ضاري الصالح في مؤلّفه مدلولات اللون في القرآن والفكر الصوفي.

اللون السماوي

هو اللون الذي ينجم عن امتزاج اللون الأزرق باللون الأبيض. وله الكثير من المدلولات الروحية، فهو يزيل الهمّ، ويقلّل الوسواس، ويزيل الخوف والوهم، ويفتح الآفاق للتفكّر في عظمة الله الذي خلق هذه السماء الواسعة والعظيمة كما ذكرها الإمام الغزالي في رسائله.

اللون السماوي يفتح الآفاق للتفكّر في عظمة الله الذي خلق هذه السماء الواسعة والعظيمة كما ذكرها الإمام الغزالي في رسائله

اللون الأخضر

يقول الفيروزآبادي في كتابه سالف الذكر بأن الأخضر هو لون بين السّواد والبياض، وإلى السّواد أقرب. وسواد العراق لأنّه فيها خضرة. والدهمة هي الأخضر الغامق.

وربّما يدلّ اللون الأخضر على التخلّي كما في قصة آدم عليه السلام الذي بدأت رحلته مع اللون الأخضر من الجنّة إلى اللون الأخضر الأرضي، وندم على فعلته، فاللون الأخضر الأرضي للتأمّل والعبرة لكن لا نقف عليه لأنّه زائل. وقد ذكر ابن عربي في تفسيره اللون الأخضر دلالة البهجة والحسن والنظرة الموجبة للسرور.

اللون الأصفر

يعرّف الراغب الأصفهاني في كتابه "مفردات ألفاظ القرآن الكريم" عن الصفرة بأنّها لون بين السواد والبياض. لكن الدكتور ضاري الصالح يقول إن الأصفر صبغة أساسية تسهم عبر مزجها بغيرها من الألوان الأساسية في إيجاد ألوان جديدة كاللون البرتقالي والأخضر وغيرها. واللون الأصفر يبعث في النفس السرورَ لأنّه أقرب إلى عميلة الإشراق التي تقضي على الظلمة. كما أنه يدلّ على القهر أو الجلال أو الابتلاء للعباد، تماماً على عكس دلالة السرور. وهذا يعني أنّ لهذا اللون ثنائية الدلالة والسرور والتعاسة، والجمال والجلال، ويدلّ على النفس اللوّامة أيضاً.

اللون الأحمر

الحمرة من الألوان وقيل الأحمر والأسود للعجم والعرب اعتباراً بغالب ألوانهم. والأحمران: اللحم والخمر. والموت الأحمر أصله بما يُراق فيه الدم. وسَنة حمراء: جدبة.

ويعرفه الدكتور ضاري الصالح بأنه أحد الألوان الثلاثة الأساسية، وهو من الألوان الحارّة، له من الدلالات الروحية الشيء الكثير. والنور الأحمر هو لون النفس الملهمة التي ورد ذكرها في القرآن.

ويرى ابن عربي في تفسيره أن معنى قوله تعالى "كأنّهم حُمُر مستنفِرة" (المدثر: 50)، حمر الوحش كأنّها تطلب النّفار من نفوسها لشدّة الخوف. وربما أريد بالحُمر المستنفرة التعبير عن حالَي الظاهر والباطن كوصف لأهل المعصية فجرى وصفهم بالحمر الخائفة من الأسد أي: المحجوبين عن رؤية الحق تعالى في الوجود وما يؤول إليه مصير الوجود، فهم مثل الأنعام التي تفرّ من الأسد ولا تدري بمصيرها وهلاكها هل يكون على يد هذا الأسد أم تنجو منه. أمّا في قوله تعالى "فإذا انشقّت السماء فكانت وردة كالدّهان (الرحمن: 37).

فيرى ابن عربي في تفسيره أن معنى "فكانت وردة" أي: حمراء، لأنّ لونها متوسّط بين لون الرّوح المجرّد وبين لون البدن، ولون الروح أبيض لنوريّته وإدراكه للذّات، ولون البدن أسود لظلمته وعدم شعوره بالذات، والمتوسط بين الأبيض والأسود هو الأحمر كما ذكر الدكتور ضاري الصالح.

اللون الذهبي

من الألوان الحيادية، وهو لون معدن الذهب، ومن خاصّيته أنّه لا يصدأ، ويرمز إلى الفتنة، وهي من متاع الدنيا الزائل. فاللون الذهبي يدلّ على التمسّك باللذة المحدودة على حساب اللذة المطلقة التي عند الله كما يرى السلمي في كتابه حقائق التفسير.

اللون الأبيض

يرى الفيروزآبادي في كتابه السابق ذكره أن الأبيض هو ضدّ الأسود. قال تعالى "يوم تبيضّ وجوه" (آل عمران: 106)، وابيضاض الوجوه عبارة عن المسرّة، فاللّون الأبيض يدلّ على الاطمئنان الروحي بحسب رأي الراغب في كتابه سالف الذكر.

اللون البنفسجي

هو اللّون الذي يأتي نتيجة مزج اللون الأزرق مع اللون الأحمر بنسب متساوية، يقول الدكتور ضاري الصالح: وهو –أي البنفسجي- ما يكون من لون ورد البنفسج. ومرّ بنا في هذا المقال دلالات اللون الأزرق والأحمر أيضاً، ويبدو أنّ مرتبة البنفسجي هي أشبه ما تكون من طبيعة النّار المحرقة، لكن وقودها تلك الصفات الذميمة التي تتحلّى بها مرتبة النفس الأمارة بالسوء ذات اللون الأزرق.

اللون الوردي يدلّ على ارتقاء القناعة الروحية التي تقبل وجهي الخير والشرّ بكلّ أشكال دونما اعتراض

فاللون البنفسجي هو ارتقاء مبارك لأنّه اختصر الكثرة من المراتب باتجاه الحقّ في سفر مبارك. والبنفسجي هو التفاتة الله لعبده الذي كان على وشك السقوط في حفرة من حُفر النار. وبالتالي فهو لون الأوّابين أي العائدين إلى الله، المتخلّين عن الخلق ولهم عزم أكيد على ترك الأوصاف السفلية والتخلّق بأخلاق الربوبية كما أشار إلى ذلك عبد القادر الكيلاني في كتابه "الفيوضات الربانيّة".

اللون الوردي

يعرّفه الدكتور ضاري الصالح بأنّه مزج اللون الأحمر واللون الأبيض وهو لون له دلالة التوسط ما بين النفس الملهمة والنفس المطمئنة. واللون الوردي يدلّ على ارتقاء القناعة الروحية التي تقبل وجهي الخير والشرّ بكلّ أشكال دونما اعتراض. كما يدلّ اللون الوردي على العلم والحكمة فالنفس الملهمة صارت عالمة عبر المورد الإلهي.

اللون البرتقالي

يعرفه الدكتور ضاري الصالح بأنّه مزيج من اللون الأحمر والأصفر بنسب متساوية. ويدلّ على الشهوة، فالوجه النازل باتجاه الأصفر (النفس اللوامة) فيه نزعة وميل باتجاه ملذّات الحياة الدنيا، والوجه الصاعد باتجاه الأحمر (النفس الملهمة) فيه ميل ونزعة باتجاه اللذات المعنوية والروحية والكشف عن المعاني النورانية.

اللون الأسود

كثيراً ما نسمع في ثقافتنا أنّ الأسود ملك الألوان، ويرى الراغب في كتابه السابق أنّ السواد مضاد للبياض، فبياض الوجوه عبارة عن المسرّة وسواد الوجوه عبارة عن المساءة. وقد يدلّ على الخوف، ويبدو أنّ العرب قد استعارت معنى السيادة من سيادة اللون الأسود على باقي الألوان، ذلك لعدم ظهور هوية أي لون مازج.

واللون الأسود هو تحصيل مزج الألوان الأساسية (الأصفر والأزرق والأحمر) كذلك الحال مع تحليل الضوء الأبيض، فإنّه يتحلّل إلى سبعة ألوان تسمّى ألوان الطيف الشمسي، فإذا اجتمعت هذه الألوان المضيئة فوق بعضها تكوّن اللون الأسود. وبهذا التحليل يخالف الدكتور ضاري الصالح ابنَ عربي الذي رأى أنّ اللون الأسود لون مستقلّ. ولاريب أنّ هناك فرق بين العلوم التي كانت سائدة في زمن ابن عربي وبين العلوم المعاصرة التي تتصف بالدقّة عبر مختبرات علمية حديثة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard