"هنا يهتز القلب في حب رب العالمين"... مقام ابن عربي في دمشق

الجمعة 16 أكتوبر 202010:50 ص

حتى تصل إلى مقام "الشيخ الأكبر"، في صالحية دمشق، لا بُدَّ ستتلمس المحبة في التعامل بين البشر، فأخلاقيات أصحاب محلَّات وبَسْطات "سوق الجمعة" مختلفة عن السائد في بقية أسواق دمشق، وكأن مُجاورة ضريح "سيد العارفين" زادت من سَماحَة النَّاس في الشارع الذي حمل اسمه "محيي الدين بن عربي".

والجميل أيضاً أنك ما إن تصل إلى بوابة المسجد في ساحة السوق، ستلاحظ الصِّدْق في ملامح من يقصد المقام للتبرُّك والصلاة وقراءة الفاتحة على أرواح من راحوا، وعلى مقربة من مدخله ستلمح نساءً ورجالاً من مختلف الأعمار يوزعون الخبز والطعام على بعض الفقراء المنتشرين قرب الضريح، وهناك نساء أخريات يدفعن ثمن مقدار معين من الخبز لأحد الأفران المجاورة، حيث يقوم بعض أهل الخير بإيصاله لأسر "مستورة" وفاءً لنذور، أو صدقات، يأملن أن تقبل بكرامة الشيخ محيي الدين.

لكن كيف انتقل ابن عربي إلى دمشق وهو الأندلسي الأصيل؟

نسعى لزيارة المقام لنُفاجأ بأنه قيد الصيانة والترميم، لكن ذلك لم يمنعنا من الدخول إلى المسجد والتجول فيه، والنزول إلى موضع الضريح، والتعرف على الشيخ إبراهيم مدينة المسؤول عن المقام، الذي أوضح في تصريح لرصيف22 بأن المقام حقق شعبية روحانية لدى الكثيرين من رواده، لسبب بسيط، وهو أنهم يعتقدون بما اعتقده الشيخ العظيم ابن عربي، وعلى الأخص الفتوحات المكية التي كتبها ووضعها على ظهر الكعبة، وصلى لله "يا رب إن قبلتها سأمرُّ في العام التالي لآخذها"، ورغم الأعاصير التي مرت طيلة العام عاد ووجدها كما وضعها.

كريمٌ في الحياة وبعد الممات

يقول إبراهيم مدينة بأن المحبة الشعبية التي يحظى بها الشيخ الأكبر عائد إلى كرمه في حياته وأيضاً بعد مماته، فهو من بني طي، ويُلقَّب بـ"أبي الدراويش"، إذ فتح فرناً للفقراء، وأنشأ مستوصفاً لهم، كما بنى التكية المجاورة للضريح أيضاً، وحتى الآن لديه أملاك وقفية تمتد من سفح قاسيون إلى مدينة دوما في غوطة دمشق الشرقية، يذهب ريعها للمحتاجين.

ويضيف المسؤول عن مقام ابن عربي: "عمر هذا المسجد حوالي 800 سنة، وكان عبارة عن مصلى صغير، ثم توسع إلى مسجد، ومن بعده إلى مقام، حيث تُقام فيه الحضرات، والصلاة على النبي والدروس، وجميعها ذات أجواء روحانية بهيجة، وأيضاً هناك مجلس البردة الشريفة لمحمد بن سعيد البوصيري، ومولد الضياء اللامع لمحمد بن صالح بن العثيمين، وكل شيخ له قراءاته المعينة، وجميعها تصب في محبة سيدنا النبي".

على مقربة من مدخله ستلمح نساءً ورجالاً من مختلف الأعمار يوزعون الخبز والطعام على بعض الفقراء المنتشرين قرب الضريح، وهناك نساء أخريات يدفعن ثمن مقدار معين من الخبز لأحد الأفران المجاورة، حيث يقوم بعض أهل الخير بإيصاله لأسر "مستورة" وفاءً لنذور، أو صدقات، يأملن أن تقبل بكرامة الشيخ محيي الدين

على بوابة المسجد التقينا بأحد أبناء الحي اسمه ابراهيم برنية، وكان يُصلي بخشوع بادٍ للعيان، وهو ما دفعنا لسؤاله عن علاقته بابن عربي ومقامه، فأجابنا: "يُقال عن الشيخ الأكبر إنه "الغوث الأعظم"، فأهل الله عز وجل لهم مقامات، والمقام العالي يستلمه شخص يسمونه "القطب الغوث الفرد". طبعاً الفردانية لله، لكن المشايخ لهم معلم واحد، ويقول أهل الله أنه حتى ذاك الشخص نفسه لا يعرف مكانته الروحية".

يشرح الرجل بأن محيي الدين بن عربي كان واحداً من الأقطاب والأغواث والأفراد، وبالنسبة لأهالي بلاد الشام من حلب للأردن للبنان لشرق سوريا، يتفق مشايخنا أن صاحب "فصوص الحكم" هو مفتاح الوصول للحضرة المحمدية. ويضيف: "طبعاً نحن لا نقصده من باب الشرك، وإنما من باب الوسيلة، ففلان يصلي لابنه المريض على نية الشفاء، وأخرى تريد الزواج فتقرأ موالد في الشيخ محيي الدين. هو وسيلتنا للوصول إلى الحضرة المحمدية ورضا رب العالمين".

أدين بدين الحُبّ

يتابع برنية حديثه بشغف: "في بداية القرن السادس عشر جاءت رؤيا على السلطان سليم الأول أن يعمِّر على ضريح الشيخ الأكبر جامعاً، اتسع وبات يضم عدة أوقاف منها التكية السليمية، وفيه اندفن ابن عربي إلى جانب ولديه سعد الدين وعماد الدين، وخُدَّام الجامع ومحبيه، كالشيخ أمين خربوطلي، والأمير عبد القادر الجزائري الذي قضى بقية عمره بعد أن نفاه نابليون الثالث في إعداد آثار ابن عربي للنشر. وأيضاً دفن بجانبه الشيخ محمد طه سكّر، والشيخ أبو راشد صيداوي وهو أحد الأولياء من أهل الظل".

وهناك روايات عديدة عن الشيخ محيي الدين كما يشرح لنا برنية، فهناك من يقول إن لديه الكثير من الكلام، بينما يتهمه البعض بالإلحاد، "لكن ذلك مُغرِض، فهو من محبته لله تصوّف، ولما وصل إلى مقام الفناء والشوق برب العالمين، بات يتكلم من دون أن يفهمه العوام، نتيجة أنه وصل إلى مقام عالٍ من المعرفة، حتى أنه لُقِّب بسلطان العارفين".

ويضيف الرجل بأن أهالي الحي متيقنون من صوابية معرفة الشيخ، ومن أنه صاحب كرامة عند الله عز وجل، لذلك يسعون إلى مواصلة كرمه، إذ يضعون في التكية الخواريف ويذبحونها، وبعد صلاة الفجر من كل خميس يصنع القائمون على التكية "الهريسة" أي القمح المهروس مع اللحم، وتوزع على الفقراء وعامة الناس، كما تُقام الحضرات صباح كل سبت بعد صلاة الفجر.

ولابن عربي تلاميذ حتى الآن، وهناك منسوبون عنه، إذ تفرعت ذريته بين الشام ومصر، وأجمل ما في تعاليمه أنه لا يفرق بين البشر ومعتقداتهم ومذاهبهم وطوائفهم، فهو القائل: "أدين بدين الحب أنّى توجَّهت مراكبه... فالحب ديني وإيماني".

القوة الروحانية

وما إن نزلنا عدة درجات عند الضريح حتى تناهى إلى أسماعنا صوتٌ شجي لمُقرئ يُجوِّد في قراءة الفاتحة بروحانية عالية.

انتظرناه حتى أنهى زيارته، وحين خروجه عرفنا أنه جاء من بلدة قارة في ريف دمشق الشمالي لزيارة مقام الشيخ ابن عربي، وعندما سألناه عن سر محبته بهذا المكان أخبرنا: "من أجل القوة الروحانية الموجودة في هذا المقام، إذ إن مكان دفن أي عظيم له رهبة وجلالة خاصة، والشيخ ابن عربي هو إمام الصوفية الحقة الصادقة النقية المضبوطة، التي تتخلى عن الخرافات، ولها ضوابط دقيقة، وفيها علمية. ورغم أنني أستطيع قراءة الفاتحة على نية الشيخ الأكبر من أي مكان، لكنني هنا أستطيع أن أتخلى عن الاهتزازات الجسدية وأدع القلب يهتز في حب رب العالمين".

ويضيف الرجل ويدعى سلطان سويدان: "هناك من يأتي إلى المقام كعادة أو عرف، أما من يريد التعمق بسيرة هذا الرجل وعلومه يكون تعلقه به غير. نحن العرب عاطفيون ونحب بالفطرة، من دون أن نعرف من هو صاحب هذا المقام ولو كنا نزوره منذ زمن طويل. لكن برأيي ينبغي معرفة تاريخ الرجل الذي تزوره، لاسيما أن الأخبار عنه متواترة من أكثر من طرف وكلها متقاربة، تقول إنه محمديّ، وروحانيته تأتي من طفولته وممن كانوا حوله، ومن ترتيب رب العالمين الذي أحاطه بأساتذة فضلاء نمّوا معارفه، حتى بات قُطباً في الإسلام ويتخصص بخلق واحد عند النبي، وهو الأدب".

مدينة العلم

لكن كيف انتقل ابن عربي إلى دمشق وهو الأندلسي الأصيل؟

أجاب الشيخ إبراهيم مدينة بالاعتماد على مقدمة كتاب "ترجمان الأشواق" لشارحه "عبد الرحمن المصطاوي"، بأن "محمد بن علي بن محمد ابن عربي، ولد جنوبي إسبانيا عام سنة 560 للهجرة (1165 للميلاد)، ودرس في إشبيلية، ثم طاف مختلف مدن الأندلس يقابل العلماء، ثم قام عام 598هـ برحلة إلى المشرق العربي، فحج إلى مكة، حيث شرع بتأليف الفتوحات المكية، وبعدها طاف في مدن الشرق العربي كالقاهرة والموصل وبغداد وحلب".

لابن عربي تلاميذ حتى الآن، وهناك منسوبون عنه، إذ تفرعت ذريته بين الشام ومصر، وأجمل ما في تعاليمه أنه لا يفرق بين البشر ومعتقداتهم ومذاهبهم وطوائفهم، فهو القائل: "أدين بدين الحب أنّى توجَّهت مراكبه... فالحب ديني وإيماني"

وفي جولته تلك، دخل ابن عربي في مجادلات مع الفقهاء عرضت حياته للخطر، خاصة بعدما أنكر عليه أهل الديار المصرية "شطحات" صدرت عنه، فعمل بعضهم على إراقة دمه، وحُبِسَ ثم أطلق سراحه، ليقرر في سنة 609هـ (1223م) أن يستقر في دمشق وسط حي المدارس، الذي كان مدينة للعلم وأكبر تجمع أكاديمي في القرون الوسطى.

"أراد ابن عربي بعد حياة تجاذبتها الأسفار أن يقضي سنواته الأخيرة بهدوء وسلام، وفي العمل المتواصل أيضاً، حيث أتم الفتوحات المكية الذي يحتوي على اليوميات الروحية لثلاثين سنة، وتوفي في دمشق سنة 638هـ (1240م)، ووري ثرى الصالحية عند سفح قاسيون شمال دمشق، تاركاً وراءه عدداً هائلاً من المؤلفات يتجاوز الأربعمئة، والتي كُنِّي بناءً عليها بـ"محيي الدين"، يضيف الرجل.

لقد احتفظ جامع الشيخ محيي الدين، بحسب المسؤول عن المقام بالكثير من معالمه القديمة، كالأعمدة، والمآذن، والجدران المزخرفة والمزينة على الطريقة العثمانية القديمة، إلاّ أن الزلازل والكوارث الطبيعية أصابت أجزاء منه بالتلف، وكان يعاد بناؤها من جديد، كما يتم الآن ترميم بعض الأمور الضرورية فيه.

ويُعَدّ جامع الشيخ محيي الدين اليوم، كما أخبرنا مدينة، واحداً من أشهر جوامع دمشق تقام فيه الحضرات وحلقات الذكر ويتبرك بالجلوس فيه، حتى أنه صار يشبه إلى حد كبير مسجد الحسين في القاهرة.


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard