بعد نجاحه في تشكيل الحكومة الليبية... هل ينجح الدبيبة في إرساء التوافق بين الفرقاء

الخميس 11 مارس 202106:46 م

أخيراً وبعد أكثر من ثلاثة أسابيع من الإخفاق المتكرر، نجح رئيس الحكومة الليبية الجديدة عبدالحميد الدبيبة في تقديم تشكيلته الحكومية ونيل ثقة مجلس النواب عليها.

نجاح الدبيبة هذه المرة يعود إلى أن تلك الحكومة ضمت شخصيات محسوبة على أطراف مختلفة من المشهد السياسي الليبي، كما مثلت من الأقاليم الليبية الثلاثة (برقة - فزان - طرابلس). ويعتبر الباحث في القانون محمد الصيد أن هذه الحكومة نالت الثقة بسبب حرص رئيسها على ترضية أغلب الأطراف المحلية الفاعلة في المشهد الليبي.

مشهد معقد

منذ اندلاع الثورة الليبية والبلاد تشهد انقسامات واقتتالاً أهلياً زاد من حدته تحول ليبيا إلى ساحة صراع دولي بين قوى اقليمية مختلفة المصالح والاهداف.
وفي مسار موازٍ، كانت بعثة الأمم المتحدة تسعى لتقريب وجهات النظر عبر المفاوضات التي قادها مبعوث الأمم المتحدة برناردينو ليون وأفضت لاتفاق الصخيرات، الذي تشكلت بموجبه حكومة الوفاق الوطني، وباشرت تلك الحكومة أعمالها في طرابلس في نيسان/إبريل عام 2016، بدون أن تحظى بثقة مجلس النواب.
وتعزز الانقسام في ليبيا بين حكومة الوفاق في الغرب، و"الحكومة الليبية" التي يرأسها عبدالله الثني في المنطقة الشرقية، وظل الوضع كذلك حتى نيسان/أبريل من العام 2019، عندما تقدمت قوات الجيش الليبي نحو العاصمة الغربية طرابلس في محاولة للسيطرة عليها، وهو ما أشعل الحرب بين قوات "الجيش الوطني الليبي" في الشرق، وقوات حكومة الوفاق الوطني. استمرت الحرب عاماً وعدة أشهر، قبل أن تنسحب قوات الجيش إلى خط سرت الجفرة وتتمركز هناك، لتعاود الأمم المتحدة تدخلها وفرضها على الفرقاء الليبيين الدخول في جولة مفاوضات جديدة.
بالرغم من شبهة الرشى التي تحيط بحصول الدبيبة على منصبه، سارع رئيس الحكومة الجديد إلى عقد مشاوراته من أجل تشكيل الحكومة، التي تواجهها عدة مشاكل وملفات، فهي كانت حكومة محاصصة بامتياز كما يقول الدبلوماسي السابق الطاهر اعريفة لرصيف22
اختارت مبعوثة الأمم المتحدة ستيفاني ويليامز جنيف ساحة للمباحثات بين الأطراف السياسية الليبية، التي بدأت جولات طويلة من التفاوض، توصلت بعدها لتثبيت وقف لإطلاق النار، واختيار 75 شخصية من أقاليم البلاد الثلاثة الشرق والغرب والجنوب، يكون على عاتقهم مسؤولية اختيار مجلس رئاسي جديد ورئيس للحكومة، ويتكون المجلس الرئاسي من ثلاث شخصيات: الرئيس من المنطقة الشرقية ونائبيه من الغرب والجنوب، ورئيس الحكومة من المنطقة الغربية.
وعلى رئيس الحكومة أن يقدم تشكيلته الحكومية لمجلس النواب خلال واحد وعشرين يوماً من إقراره رئيساً.
وتوكل لتلك الحكومة عدد من المهام، على رأسها توحيد مؤسسات الدولة، والإعداد للانتخابات التي تقرر لها الرابع والعشرين من أيلول/ديسمبر المقبل.

رأب الصدوع 

 تقدم للمنصب عدة شخصيات ودارت المنافسة بين بضع قوائم، لكن محمد المنفي السفير الليبي السابق لدى اليونان نال ثقة مجلس الـ75، وكان معه نائباه موسى الكوني ومحمد اللافي ورئيس الحكومة المسؤول في النظام السابق عبدالحميد الدبيبة الذي حسمت قائمته الانتخابات بحصولها على 39 صوتاً من مجموع 73.
وبرغم شبهة الرشى التي تحيط بحصول الدبيبة على منصبه، سارع رئيس الحكومة الجديد إلى عقد مشاوراته من أجل تشكيل الحكومة، التي تواجهها عدة مشاكل وملفات، فهي كانت حكومة محاصصة بامتياز كما يقول الدبلوماسي السابق الطاهر اعريفة لرصيف22، إذ يرى أن كل التيارات السياسية أرادت أن يكون لها نصيب في هذه الحكومة، فضلاً عن أقاليم البلاد التي ترى أنه من حقها أن تمثل في الحكومة بوزارات مهمة.
ويضيف اعريفة أن الأحزاب السياسية ضغطت من أجل أن تنال مكاسب أكثر في الحكومة التي يفترض أن يكون عمرها عشرة أشهر، فحزب العدالة والبناء الذراع السياسي للإخوان سعى من أجل كسب عدة وزارات سيادية له أو لأطراف محسوبة عليه، فنافس على وزارة المالية والخارجية ووزارة الداخلية وسعى إلى أن تكون له قدم قوية في وزارتَي النفط والتعليم، بخلاف الأحزاب الأخرى الأقل حماساً من العدالة والبناء التي دارت مطالباتها ضمن وزارات أقل شأناً.
كما أن بقية المكونات الاجتماعية في البلاد تسعى للحصول على حصصها في الحكومة المقبلة، فمكون التبو حظي بوزارة العمل عبر عدة حكومات، إضافة لعدة مناصب مهمة في أكثر من وزارة، ولن يستغني بسهولة عن هذه المكاسب حتى مع الدبيبة، لذا سعى لكسب وزارة او مناصب أخرى حتى بعدما فاته حظه من وزارة العمل والتأهيل، والأمازيغ منقسمون في التفاعل مع الحكومة الجديدة، وكذلك سكان الجبل الغربي، بخلاف المنطقة الشرقية التي ضمنت حصتها في إدارة مصرف ليبيا المركزي، وضمنت وضعاً أفضل فيما يخص المؤسسة العسكرية التي ستكون من مهام الحكومة العمل على توحيدها.

تحديات "النواب"

اصطدم كل ذلك بوضع مجلس النواب، الذي وقعت على عاتقه مسؤولية التنظيم والتجهيز لجلسة مكتملة النصاب من أجل منح الثقة للحكومة المقترحة، يقول المحلل السياسي إدريس عبدالسلام لرصيف22 إن على الدبيبة بعد أن ينجح في خلق التوافق بين الفرقاء الليبيين ومطامح السياسيين في حكومته، أن يحافظ على ثقة النواب، الذين لم يجتمعوا في جلسة مكتملة النصاب منذ سنين، خاصة أن بعضهم كان لديه مرشحون يريد الدفع بهم في الحكومة، وبعضهم غير راضٍ عن الطريقة التي وقع بها انتخاب هذه الحكومة، وبعضهم كان ولا يزال متضامناً مع رئيس مجلس النواب عقيلة صالح الذي فشلت قائمته أمام هذه الحكومة.
يتطلع الليبيون إلى أن تكون الحكومة الجديدة بداية النهاية لسنوات من الحرب والقتال والتهجير والنزوح والأزمات الاقتصادية، كما ينتظرون أن تضع الانتخابات المقبلة حداً للمراحل الإنتقالية التي لم تنتهِ منذ العام 2011 حتى الآن، راجين أن تكون حكومة الدبيبة بداية نهاية الأزمة الليبية
ويرى عدد من النواب أن الحكومة، بحكم أن عمرها عشرة أشهر أو أقل، عليها أن تكون حكومة مصغرة، تضم وزارات سيادية عددها خمس، والبقية تكون هيئات وزارية، ولكن هذا أيضاً اصطدم بتطلعات التيارات السياسية والأقاليم، وهو ما حدث في تشكيلة الوزارة المقدمة لمجلس النواب والتي ضمت ثلاثين وزارة، ناهيك بالهيئات والوكلاء.

بحسب اتفاق جنيف، فإنه في حال عجز مجلس النواب عن تقديم الثقة أو حجبها عن الحكومة المقترحة، ينتقل هذا الاختصاص لمجلس الـ75، وهو إجراء قد لا يرضي القيادات المتحكمة في مجلس النواب، لأنه يسحب منه صفة الشرعية التي تعتبر من صميم اختصاصه فيما يتعلق بشرعنة الجهة التنفيذية، لذلك توصل اليوم لمنح الثقة بغالبية 132 صوتاً.

ملفات الدبيبة

أمام الدبيبة الآن مهمة تفعيل حكومته، التي ستعالج ملفات مهمة، كما يرى الباحث في رئيس المناظرة والحوار بسبها، محمد الأنصاري، فأمام الحكومة ملف نازحي مدينة مرزق وتاورغاء وترهونة، وايضاً ملفات أضرار الحرب التي مرت بالبلاد خلال الأعوام الماضية، وملف البدء في تنمية المدن المتضررة من هذه الحروب وتأمين الطرق وإنعاش الاقتصاد المحلي، ووضع حلول جذرية لأزمة الكهرباء التي تنتظر البلاد في الصيف المقبل.
وستواجه الحكومة، كما يرى الأنصاري، صعوبات مختلفة في ما يخص مساعي المصالحة الوطنية وتنظيم الخدمات ومتابعة الخطاب الإعلامي التحريضي الذي كان سائداً بين أطراف الصراع الليبي، هذه المهام قد لا تنجز جميعها في فترة الأشهر العشرة.
يتطلع الليبيون إلى أن تكون الحكومة الجديدة بداية النهاية لسنوات من الحرب والقتال والتهجير والنزوح والأزمات الاقتصادية، كما ينتظرون أن تضع الانتخابات المقبلة حداً للمراحل الإنتقالية التي لم تنتهِ منذ العام 2011 حتى الآن، راجين أن تكون حكومة الدبيبة بداية نهاية الأزمة الليبية.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard