المعاناة بين الوطن واللّجوء...النظام الأسدي في سوريا والانهيار في لبنان

الثلاثاء 13 أبريل 202105:15 م

فهمتُ بعد انفجار مرفأ بيروت معنى وجوه الأصدقاء الذين هربوا من سوريا. كنت أتساءل بيني وبين نفسي عن أسباب رفض ذكرهم للمأساة التي عاشوها ورفض خوضهم في التفاصيل. لكن بعد الانفجار فهمت. أحيانًا كان صديقي “فراس” يحكي عن الجثث التي كان يراها أمام منزله في حمص. لكنّه كان يعود دائمًا إلى الصمت عبر اللّجوء إلى أغنية جديدة كوسيلة منه لتغيير الحديث.لن أفهم معنى أن يفقد أحدهم بلده وأن يرفض العودة إلى حطامه. لكننّي رأيت الحطام من الداخل وفهمت كيف نفقد المدن وهي أمامنا. العام الماضي، بعد الانفجار جاءت “صباح” إلى بيروت، وهرعت إلى لقائها. فهي سافرت قبل انتهاء الحياة الطبيعية، ورؤيتها عنت لي رؤية حياتنا السابقة. حين جلسنا اكتشفت أن الحياة السابقة لن تعود، فقد تغيّرنا كلّ بطريقته وأن ما فعله بنا البلد أقوى من أي ذكرى. وعادت مجدّدًا وجوه أصدقائي الذين هربوا من سوريا إلى الواجهة. واستنتجت أن هذا الجمود الذي أراه ليس سوى محاولة للتغاضي عن التروما وأسلوب للعيش بسلام. وفي الوقت نفسه ظهرت أسئلة جديدة، فهؤلاء الذين هربوا من نظام قمعي، من موت ينتظرهم وتركوا خلفهم كل ما هو حميمي وشخصي ليحتموا في بيروت، مدينة الغرباء. والذين يعملون الآن في  القطاع الخدماتي كيف يتأقلمون اليوم مع مأساة جديدة ليست مأساتهم بل فرضت عليهم؟

أريد حقّي بالعيش بسلام وبالعمل، بعيدًا عن بشّار الأسد في سوريا وعن الانهيار الاقتصادي في بيروت. بعيدًا عن خذلان بلدي لي، وعن خذلان اللّجوء

الوجع مضاعف هنا وهناك

“يقولون إنه سيتم عزل البلد. وإنه متروك بعد الانفجار والانهيار الاقتصادي إذ لن تضع الدول الكبيرة يدها في لبنان لتنتشله. يتم التعامل معنا كأننا بقعة جغرافية على الخارطة. خالية من الأرواح البشرية. حسنًا، هذا البلد ليس بلدي لكنّه ملجأي الوحيد حاليًا، ولا أريد أن أتشرّد مجدّدًا.صحيح أن الخدمة العسكرية لم تفرض عليّ، وتمت مهاجمة عائلتي فقط بسبب آراء أدليت بها بالعلن ومن بعدها التزمت الصمت. لكن صوت القنابل وصراخ الأطفال دفعاني إلى الرحيل عن سوريا”. تقول “نينا” (29 عامًا)، تفضّل عدم الكشف عن اسمها الحقيقي كي لا تفقد عملها الذي حظيت به بعد بحث دام عدّة أشهر. فهي، بحسب قصّتها، كانت تعمل بدوام جزئي في إحدى حانات الجميزة لكنّها خسرت وظيفتها بسبب الانفجار لأن “المحل طار ” على قولها، وتشرح: “يتم تصنيفي مواطنة درجة ثالثة أو عاشرة. لست حتّى مواطنة. أنا لاجئة. وتالياً حظوظي بالنجاة في هذا البلد أقل من غيري، وفرص النجاح والعمل وتحقيق ذاتي ليست كثيرة. ولا بأس، قصدت لبنان لأحظى براحة البال بعيدًا عن الحرب. لكنني الآن أخوض حربًا جديدة لم يكن من المفترض أن تكون حربي. بعد اختبار حرب جسدية والآن اقتصادية، بإمكاني القول إن لا فرق بينهما. جهازي العصبي على وشك الانهيار. في السابق كنت أفكّر بكيفية حماية جسدي وأهلي من النظام، اليوم أفكّر بكيفية شراء وجبات الطعام ودفع بدل إيجار السرير الصغير الذي ألقي بنفسي عليه وحيدة كل ليلة. ماذا أفعل بالكهرباء؟ بالماء؟ وإلى أين أرحل؟ فالعودة إلى سوريا مستحيلة، منزلي تغيّر. البلد كلّه تغيّر. عودتي تعني تحفيز الصراع الدائم بين الماضي الذي أردناه والواقع الذي فُرض علينا. وغضبي أكبر من قدرتي على تقبّل الواقع. كما أن لا مستقبل لي هناك، ولا مستقبل لي هنا. عالقة في مطعم يدفع لي نصف ما يدفعه للموظّف اللبناني. بداخل بلد كان من المفترض أن يكون محطّة مرور سريعة، لكنّ العالم كلّه نبذنا، واليوم يتم نبذنا مجدّدًا في لبنان لأن معاناة الشعب أهم من معاناة اللاجئ”.

بالنّسبة لـ “نينا” الوجع بين رحيلها عن سوريا ورغبتها بالرحيل عن لبنان مضاعف ويبرهن أن هذه المنطقة تلعن كل من يرغب بالحياة وتستنزف كل قدراتنا على البقاء، وتفرض الوحدة والتشتّت على الشباب. فهي الآن تستيقظ لكي تعمل من أجل مردود مادي لا يتجاوز الـ 800 ألف ليرة لبنانية في الشهر وستحلم خلال السنوات القادمة بالسفر إلى بلاد بعيدة، لكنّها تعلم أن حلمها شبه مستحيل وأن الدمار القادم سيحلّ عليها من جديد.

عادت وجوه أصدقائي الذين هربوا من سوريا إلى الواجهة. واستنتجت أن هذا الجمود الذي أراه ليس سوى محاولة للتغاضي عن التروما وأسلوب للعيش بسلام

بشّار في سوريا والانهيار في لبنان

يشعر "رامي” (31 عامًا) أن لا حق له بالتعبير عن المصاعب التي يواجهها لأنه ليس من لبنان رغم أنه يعاني مثله مثل أي فرد آخر يعيش في "بلاد الارز". بدأت قصّة “رامي” حين هرب من سوريا في العام 2013 وقصد مدينة طرابلس التي يجهلها، ومنها لجأ إلى بيروت، المدينة التي حمته بحسب قوله من الخدمة العسكرية. في بيروت اختبر “رامي” معنى الانسلاخ عن بيئته، ومجتمعه وبلده. وإختبر أيضًا معنى الفقدان، لأنه قضى سنوات بعيدة عن أفراد عائلته ولم يتمكّن من زيارتهم، من محاولة البحث عن كفيل وصولًا إلى البحث عن عمل، تغلّب “رامي” على المصاعب وكان من الذين نجوا إلى أن حلّ وباء كورونا والانهيار الاقتصادي، ويقول: “كنت أعلم أن الانهيار قادم من الأخبار. لكن لم أتوقّع كل هذه المعاناة”.

يعمل “رامي” في واحد من مقاهي شارع الحمراء، وبسبب الإقفال العام، تحوّل عمله إلى مناوبات بينه وبين زملائه وتالياً لم يعد يملك سوى المال الذي يجنيه في الأيام التي يعمل بها. وذلك لأن الشركة بدأت تخسر مثل كل الشركات الأخرى. لم يُطرد من عمله لكنّه، بحسب ما يقول، لم تعد لديه وظيفة ثابتة: “كل تفاصيل حياتي تغيّرت، من الملابس التي أرتديها وصولًا إلى الطعام الذي آكله. في واحد من الإقفالات العامّة، تخيّلي أنني تواصلت مع والدتي لترسل لي القليل من مدخراتها من سوريا. لأنني لم أكن املك ألف ليرة واحدة لشراء ربطة خبز. وحين حاولت البحث عن وظيفة أخرى أُقفلت كل الأبواب في وجهي. لأن أبناء هذا البلد أنفسهم غير قادرين على العمل، لذا باتت حظوظي أنا السوري شبه معدومة.

الآن أخوض حربًا جديدة لم يكن من المفترض أن تكون حربي. بعد اختبار حرب جسدية والآن اقتصادية، بإمكاني القول إن لا فرق بينهما

يفكّر “رامي” حاليًا بالهجرة غير الشرعية رغم أن فكرة كهذه ما كانت لتخطر على باله في السابق: “أنا من سوريا ما هاجرت بطريقة غير شرعية، صرت بدّي أعملها هلق حتّى هاجر من لبنان”. لكن، بحسب ما يشرح، تبقى هذه الفكرة مهربًا في رأسه حين يسيطر عليه الخوف من المرحلة التي يعيشها والمرحلة القادمة. يفكّر “رامي” أيضًا بإمكانية عودته إلى سوريا في حال استطاع التحرّر من الخوف من النظام. خصوصًا أنه كان من المعارضين وكان عرضة للقبض عليه خلال الثورة السورية. وحين يذكر هذه الفكرة تبان علامات القلق على وجهه، يقول: “الأنظمة على أشكالها ظالمة، لا أريد أن أحارب ولا أن أسجن. لا أريد أن أهرب مجدّدًا. أريد فقط حقّي بالعيش بسلام وبالعمل من دون السياسات العنصرية والقمعية، بعيدًا عن بشّار الأسد في سوريا وعن الانهيار الاقتصادي في بيروت. بعيدًا عن خذلان بلدي لي، وعن خذلان اللّجوء".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard