"مهابة إيزيس"... كيف حافظت الألحان القبطية على بقايا سحر "كلام الإله"؟

الأربعاء 14 أبريل 202103:47 م

لم تهدأ التساؤلات حول طبيعة اللغة التي تغنت بها السوبرانو المصرية أميرة سليم مع أوركسترا حفل نقل المومياوات الملكية من المتحف المصري بميدان التحرير إلى المتحف القومي للحضارة في مدينة الفسطاط، وعرفنا فيما بعد أنها مقطوعة ترانيم "مهابة إيزيس" المدونة على معبد دير الشلويط بالأقصر، وهي رسالة حب وسلام للإلهة إيزيس، سيدة الجبل الغربي وسيدة مصر.

وتُطرح تساؤلات في هذا السياق حول الارتباط بين اللغة المصرية القديمة المدونة على جدران المعابد، واللغة القبطية التي تصلي بها الكنائس التقليدية حتى اليوم.


تمثل اللغة القبطية بالنسبة إلى عموم المسيحيين وسيلة للتسبيح الإلهي، وتحمل مفرداتها الملحنة نغمات ذات صبغة دينية وسحرية، لكن أهميتها ليست روحانية فحسب، بل إليها يرجع الفضل في حفظ الإيمان المسيحي، وتسليمه من الآباء الأولين في مهد عصور انتشار المسيحية إلى معتنقيها اليوم.

 بداية تغير اللغة المصرية

اللغة القبطية هي آخر محطات تطور اللغة المصرية القديمة، التي تكلم بها وكتبها قدماء المصريين منذ أكثر من خمسة آلاف سنة. وبقايا هذه اللغة حية، وباقية، ومحصورة في العديد من الصلوات داخل أروقة الكنائس، وشاهدة على قدرة المصريين على حفظ تراثهم الضارب بجذوره في عمق الحضارة القديمة، ويتمكن الأقباط من فهم بعض كلماتها وليس كلها، أما ألحانها فيحفظها الكبير والصغير على السواء، ويتولى الشمامسة أو "المرنمون" مسؤولية قيادة المصلين بالقداسات، والعمل كدليلهم لنقطة بدء اللحن القبطي ونهايته.

كانت اللغة اليونانية هي اللغة الرسمية للمصريين في ظل التبعية المصرية للإمبراطورية الرومانية، طوال أكثر من 670 عاماً خلال الفترة الممتدة من 30 ق.م حتى 641 م، ومع ذلك صمدت اللغة المصرية القديمة وامتدادها في القبطية بسبب تحدث الشعب بها.

يقول الباحث الأثري محمد محيي لرصيف22: "لغة المصريين القدماء كانت تدعى (لي نتر مي تو) أي (كلام الإله)، وهناك تعبير آخر استخدمه المصري القديم للإشارة إلى لغته اسمه (را إن كيميت) ومعناه لسان كميت وهو أحد أسماء مصر القديمة".

تحولت ترانيم اللغة القبطية المستلهمة من معابد فرعونية لـ"سحر"، يجمع الناس على ضفاف نهر النيل حول ثقافتهم العتيقة، ويحقق لهم تماسكاً مقاوماً للاتينية الغربية، واللغة الأخرى القادمة من صحراء الجزيرة العربية

كان المصريون القدماء يتحدثون هذه اللغة، ويكتبونها بثلاث طرق مختلفة "الخط الهيروغليفي، والخط الهيراطيقي، والديموطيقي"، بحسب محيي.

ويوضح محيي أنه حين حاولت الثقافة الإغريقية اليونانية فرض نفسها على اللغة المصرية القديمة، ابتدأ المصري يكتب لغته بخط جديد، وهو عبارة عن خط مكتوب بالحروف اليونانية مضافة إليها علامات من الخط الديموطيقي، ومن هنا نشأ خط جديد يسمى "الخط القبطي"، الذي ظل باقياً في مصر، وأصبح أشهر الخطوط استخداماً، ومع مرور الوقت نسى المصريون باقي الخط الهيروغليفي، والهيراطيقي.

الألحان القبطية كنز

المرنمة المصرية مونيكا جورج ذهبت في تقديرها لأهمية اللغة القبطية لأبعد من كونها حالة روحية، وأكدت على قيمتها في حفظ الإيمان المسيحي وتسليمه من جيل إلى جيل، مطالبة مؤسسات الدولة بالالتفات إلى هذا الإرث الهام الذي يمثل تاريخاً مصرياً خالصاً.

"انتقل لنا هذا التراث عبر الـ oral tradition أو التقليد الشفهي".

تقول مونيكا لرصيف22: "الألحان القبطية هي تراث موسيقي ضخم مكون من ١٠٤٨ لحناً حفظته الكنيسة لأكثر من ٢٠٠٠ عام، في عصور لم يكن بها تسجيلات أو تدوين موسيقى، وانتقل لنا هذا التراث عبر الـ oral tradition أو التقليد الشفهي، وخصصت الكنيسة مرتلين أو معلمين مكفوفي البصر لقدرتهم الهائلة على اختزان قدر كبير من الألحان في الذاكرة، وتحفيظ هذه الألحان للآخرين حتى وصلت إلينا أخيراً".

ويمكن للراغب في تعلم اللغة القبطية الانضمام إلى الدراسة في أحد الأماكن، التي تشرف عليها الكنائس، منها الكليات الإكليريكية، وكلية اللاهوت، ومعهد الدراسات القبطية، ومعهد الرعاية، هذا بخلاف وجود دراسات في جامعة حلوان، وكلية تربية موسيقية لدبلوم الموسيقى الفرعونية لتدريس اللغة القبطية.

لكن المسيحيين الأرثوذكس "الطائفة الأكثر حفاظاً على التقليد"، مع الكثير من المهتمين بالتاريخ يرون ضرورة وجود تعاون بين مؤسسات الدولة المصرية من جهة، والكنيسة من جهة أخرى، بهدف تعميم الدراسة القبطية، التي يرونها جوهر الشخصية المصرية المقاومة للغزو اللاتيني الغربي، والشرقي القادم من صحراء الجزيرة العربية.

تقول مونيكا: "الكنيسة سعت بكل جهدها لتعليم اللغة والألحان من قبل، وهناك مبادرات بدأت فى كنائس كثيرة لتعليم الألحان بالنوتة الموسيقية، مثل مبادرة قادها الراحلان الفنان محمد نوح، والأديب الدكتور جمال الغيطاني، إذ اقترحا أن يتم تعليم اللغة القبطية في المدارس، فهي لغة المصريين جميعاً".

وتضيف: "نتمنى أن تسعى الدولة لتوعية المصريين بحضارتهم القبطية، والتعرف على الموسيقى القبطية وجذورها الفرعونية وتدريسها كمرجعية للهوية المصرية القديمة، وتقديمها في الحفلات والمناسبات التي تخص الدولة".

"غولغوثا" الوصل والقطيعة

الألحان والنغمات الكنسية أيضاً تمتد إلى العصور المصرية القديمة، هذا ما يؤكده المهندس جورج كيرلس، مدير مشروع المتحف المصري الكبير، ومؤسس فرقة "دافيد" للألحان القبطية، ويشير في حديث لرصيف22 إلى أنه منذ دخول المسيحية لمصر على يد القديس مار مرقس الرسول، كانت الألحان حاضرة في المعابد المصرية القديمة، واعتنق المسيحية أفراد من بين المتغنين بها.

ويستعين كيرلس بكلام المؤرخ السكندري "فيلو" الذي عاش بالقرن الميلادي الأول لانتشار المسيحية، واصفاً المصريين بأنهم "لا يقضون وقتهم في تأملات فحسب، بل يؤلفون الأغاني والترانيم بكل الأوزان".

ويضيف المؤرخ السكندري: "إن جماعة المسيحيين الأولين أخذوا ألحاناً من مصر القديمة، ووضعوا لها النصوص المسيحية، مثل لحن غولغوثا".


وتعتمد الكنيسة لحن "غولغوثا" مرة واحدة كل عام، تحديداً يوم الجمعة العظيمة/ الحزينة الذي يوافق "موت السيد المسيح بالجسد"، وكان هذا اللحن يقال بالجنائز وأثناء عمليات تحنيط الملوك في الحضارة المصرية القديمة، وفق فيلو.

وللآلات مثل التريانتو والدُف نصيب من التراث والأصول المصرية، فهي الآلات الوحيدة التى تستخدم فى "الليتورجيا" أي العبادات الطقسية لضبط الايقاع وسرعة اللحن.

ويوضح كيرلس أن هذه الآلات موجودة منذ القدم، وذكرها القديس كليمندس السكندري مدير كلية اللاهوت بالاسكندرية فى قانونه رقم 80، الذي يوضح فيه استخدام آلات في الليتورجيا باستثناء الناقوس والمثلث.

منذ دخول المسيحية إلى مصر، كانت الألحان حاضرة في المعابد المصرية القديمة، واعتنق المسيحية أفراد من بين المتغنين بها. ووصف أحدهم المصريين قائلاً: "لا يقضون وقتهم في تأملات فحسب، بل يؤلفون الأغاني والترانيم بكل الأوزان"

توضح المرنمة مونيكا أن السبب في استخدام المسيحيين جميع الآلات الموسيقية في الكورالات في الكنيسة، وخارج الليتورجيا حتى يتم إبعاد أذهان المصليين، أو قطع صلتهم بـ"العبادات الوثنية"، وذلك بحسب قانون "كليمندس" وتوصياته بشأن العبادات التي منعت في مهدها الرقص والتماثيل والآلات الموسيقية لتركيز المصلين على الكلمات الإلهية المسيحية والصلاة.

الألحان القبطية واللغة العربية

مع وجود العصر الإسلامي في مصر، أصدر الوالي عبد الله بن عبد الملك قراراً بتعريب الدواوين عام 706، لتصبح لغة الدواوين الرسمية في المراسلات، ثم أصدر الخليفة المتوكل منشوراً عام 849، يدعو فيه أن يتعلم اليهود والمسيحيون اللغة العربية، ولكن الشعب المصري استمر في التحدث باللغة القبطية في حياتهم اليومية.

ومنعت في القرن الـ11 الميلادي، اللغة القبطية تماماً بأمر الحاكم بأمر الله سواء في المنازل أو الشوارع، من هنا تم تعريب اللسان المصري، وانتشرت العربية تدريجياً محل القبطية، حتى اضطر البابا غبريال الثاني "بن تريك" إلى تغيير القراءات الكنسية والعظات من اللغة القبطية إلى العربية والقبطية معاً، لوجود أجيال داخل الكنيسة لا تفهم القبطية، بحسب الروايات التي تتداولها الكنيسة القبطية.

هذه الحركة أو الحاجة لتمصير الصلوات المسيحية بالقداسات بشكل كلي لا تزال موجودة بالكنيسة ولها مؤيدون، لا سيما في أجيال من نشأوا خارج الكنيسة المصرية في بلاد المهجر، ويجدون أنفسهم يصلون بلغة لا يعرفون عنها شيئاً، ومع وجود البابا تواضروس الثاني، طالب العديد بتمصير الصلوات، حتى يفهمها الجميع، هنا كانت للألحان والترانيم القديمة دوراً هاماً، دينياً ومصرياً، لتتشابك وتتداخل الهويتان، في روح جالية مصرية، رأت في نفسها مسؤولية الحفاظ على ما تبقى منها من الضياع.

يقول الأنبا رافائيل السكرتير السابق للمجمع المقدس: "اللغة القبطية ميراث وتراث، ونحن لسنا حماة للتراث لكننا نعيشه، كونه ممتعاً، أما الألحان فهي ميراث آبائنا القديسين الذين صلوا هذه الصلوات، ووضعوا كلمات ونغمات بمنتهى العمق في الليتورجية ببعديها اللغوي والموسيقي وقد ربطت الناس بالإيمان والمسيح والكنيسة".

ويوضح الأنبا رافائيل أن نهضة إحياء اللغة القبطية حدثت في عصر البابا كيرلس الرابع والخامس والسادس والبابا شنودة، والمعلم حبيب جرجس مضيفًا أنه "لم يعد ترفاً فكرياً أن أحفظ لحناً أو أعزف لغة قبطية. هذا أصل إيماننا".

ويشير رافائيل إلى دراسة قدمها الأنبا توماس، أسقف القوصية، تكشف عن ترك شمال أفريقيا المسيحية بسبب اللغة اللاتينية التي لم تأخذ بعداً قومياً، ولم تصمد مع الثقافة الأخرى الوافدة، على عكس القبطية التي صمدت أمام اليونانية، والعربية، ووضعت "نكهة قبطية في المزيكا والفن واللغة، وبالتالي مهما جاءت عليها ثقافات فمن الصعب اقتلاع جذورها".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard