عن أسرار غرف البنات الممنوعة

الخميس 15 أبريل 202111:30 ص

غرفة البنات هي من تلك الغرف الحاوية لسرٍّ ما، سرٍّ أنثوي مثير للفضول وللعين والقلب والجسد. فهي الغرفة الممنوعة دخولها عند التونسيين المحافظين مثلاً. لذلك تظل مغلقة في وجه الضيف، ويظل الضيف مائلاً بإحدى أذنيه للاستماع لتك الضحكات المكتومة المنبعثة من هناك، من آخر الرواق من وراء باب موصد، ضحكات من لدن بنات شبيهات بسجينات في غرفهن: الصبايا.

  نظل ميالين لتلك الغرف بألوانها الأنثوية وبروائحها الشهوانية وبصورها الحائطية لنجوم مفضلين لديهن. كم مرة تاقت أنفسنا للتسلل إليها في غيابهن لنجول بأعيننا في مكوّناتها وبصمات الأنوثة على مراياها، فنقلّب مواد زينتهن وملابسهن الداخلية الشفافة وصور رجالهن المفضّلين. يُلعَنُ الذكر التونسي الذي يُقدم على ذلك الفعل ويُنعت بالخطير أو النسواني.

لا ينبغي الاقتراب من تلك الغرفة، فهي غرفة البنات الممنوعة. "الغرفة رقم 13" المرعبة كما في الأساطير، حيث تسكن إمكانية الخطيئة. فاكهة ممنوعة لا ينبغي المساس بها أو يصبح الضيف غير مرغوب فيه وغير مرحّب به في المستقبل. هي أيضاً إمكانية للمغامرة. الاختباء تحت السرير في صورة اقتراب وقع خطى ما.

الغرفة والدراما

سنجد لتلك الغرفة صدى في أعمال درامية تونسية معروفة. ففي فيلم "يا سلطان المدينة" للمنصف ذويب، تقيم الصبية "رملة" في غرفة صغيرة في انتظار عودة خطيبها من السجن، وقد تلوّنت تلك الغرفة بشهواتها ونزواتها إلى أن صغرت أمام طاقتها المتعاظمة، فحاولت الاستعانة بـ"فرج" المعتوه للفرار خارج سجنها.

سنجد نفس الغرفة في أفلام أخرى كثيرة، مثل فيلم "الهربة" لغازي الزغباني حيث يلتجئ سلفيّ متهم بجرائم متعلقة بالإرهاب إلى غرفة فتاة ليل في أزقة المدينة العتيقة الضيقة، ويطلب منها إخفاءه، فتستجيب. يظل "محسن" تحت السرير لساعات طويلة مقاوماً للإغواء. لم تدم تلك المقاومة طويلاً بل انتهت باستسلامه لها ونشوء قصة حب بينه وبين فتاة الليل.  

غرفة البنات هي من تلك الغرف الحاوية لسرٍّ ما، سرٍّ أنثوي مثير للفضول وللعين والقلب والجسد. فهي الغرفة الممنوعة دخولها عند التونسيين المحافظين مثلاً. لذلك تظل مغلقة في وجه الضيف

   هكذا هي الغرفة في عمومها فضاء حميمي يتخلص الفرد فيها من اجتماعيّته ليعود بالتالي إلى الفردانية والوحدة والتوحش، ربما. فضاء مختزل جداً تضيق فيه العلاقات ولا تكاد تتجاوز في الزمن الحديث الواحد أو الاثنين: الزوجة أو الأخ أو الأخت...

هذه الكلمة لا تعني في العربية البيت الذي تعنيه الكلمة في لغة أخرى مثل الفرنسية chambre، بل تعني ما يمكن لليد أن تحمل من ماء أو غيره، فيُقال "غُرْفَةُ ماء- بضمّ العين- كما ورد في لسان العرب: "غَرَفتُ الماء بيدي غَرْفاً. والغَرْفةُ والغُرفة: ما غُرِف، وقيل: الغَرْفة المرَّة الواحدة، والغُرفة ما اغْتُرِف".

والمعنيان لهذه الكلمة يلتقيان في الصغر والضآلة "غَرفَة الماء" و"غُرْفَة المنزل". هي مساحة يحمّلها الإنسان كل ما يشتهي من نزوات ونزق وشهوات وتحرر ومن رؤى جمالية أيضاً، يمارس فيها نوعا من "العملاقية" عكس الفضاء الخارج المتسع، حين يتحول إلى نقطة منخرطة في قوانين ونظم اجتماعية قد يكل منها، ولا يسترد أنفاسه إلا في تلك الغرفة، ولا تخضع هيأته ولا تسريحة شعره ولا جلسته أو عشوائيّته إلى تلك العين الرقيبة والمزعجة التي تحفر وعيه ولا وعيه.

الفرد يسارع إلى تلك العودة إليها نهاية النهار لا إلى منزله لأن المنزل مجتمع مصغّر قد تتكرّر فيه نفس القوانين والضغوطات، ضغوط الأب، الأخلاق، الدين والجماعة، بل إلى غرفته، إلى ركنه الحميم ليضع جانباً ذلك التصنع الإنساني وليعانق عفوية هي الفسحة التي تعتدل فيها الأشياء ويتخلّص وقتيّاً من نوع من المدنية ويلتحق بنوع من التسيّب وربما التوحّش لو أراد ذلك، هل هو غير الحنين إلى الغابة الأولى، العراء، الصراخ...؟

وإن مجموعات الإنسان البدائي في مغاويرها قد تكون بحثت عن تلك الاستقلالية ليتخذ كل فرد من الأفراد ركناً مستقلاً ينشد فيه العودة الهادئة تلك لنفسه وخلجاتها، وجسده وهزاته وانتفاضاته، حتى أنه مازلنا نعثر في تلك المجتمعات القبلية التي ما تزال موجودة إلى حدود اليوم في غابات الأمازون البرازيلية.

الغرفة في عمومها فضاء حميمي يتخلص الفرد فيها من اجتماعيّته ليعود بالتالي إلى الفردانية والوحدة والتوحش، ربما...

جماعات رغم أنها تعيش في نوع  من الغرف المشتركة إلا أنها تنزوي وتنعزل لممارسة حميميتها في جرف من الأجراف بعيداً عن الأنظار، الغرفة في هذا المثال تأخذ شكلا ذاتياً يصنع ارتجالاً في معناه "الفضائي" الساتر لتصرّفاته وممارساته التي لا يريد أن يشترك فيها مع أحد.

من هنا سنفهم لماذا يعتبر باشلار أن كل المنزل يساوي الإنسان في كليّته أما الغرفة فتعني حياته النفسية، وتعبّر تلك الغرفة عن ثقافته ومبادئه وما كل مكوّناتها من أثاث سوى نوع من تلك التعبيرات المتنوعة التي يريد أن يهتف بها، ولعل الدهليز الأسود ذلك، كما يقول باشلار، إنما هو صنو للاوعي الإنساني هذا، ويعتبر الخارج، خارج الغرفة أو المنزل، قناعاً للمرء، يتخلّص منه ما إن يطؤها، وقل إن السقف هو بمثابة حدود الوعي والإبداع.

الغرفة والحضارات

نعثر في عديد الآثار على كلام من نوع "الغرفة السرية" التي هي عبارة عن ممر وهي غرفة لا تطالها أعين الفضوليين، يملؤها الظلام ويخبئ الجانب الحالك للإنسان الذي يعيش عمره في إخفائه. في خرافة شعبية أعاد كتابتها الألمانيان الأخوان "غريم" للأطفال، عنوانها "ذو اللّحية الزرقاء"، نلقى الحديث عن تلك الغرفة السرية التي تحمل الرقم ثلاثة عشر 13 والتي لا يريد لأحد أن يدخلها.

هي مربع مثير للرعب كما كشفت الأحداث فيما بعد، عندما تجلت فيها حقيقة روحه الشريرة، إذ كانت مخبأ لجثث النساء اللاتي يتزوجهن فيقتلهن، سرّ حالك يودعه في تلك الغرفة ويوصد بابها.

أما في الحضارة الفرعونية القديمة فتوجد غرفة سرية تزخر جدرانها برموز طقسية، وتمثّل ممرّاً سرياً إلى حياة ما بعد الموت ويُعتبر مجرّد اقتراب الأحياء منها اقتراباً من عتبات الآلهة في أركانها المقدسة. سرية الغرفة إذن متأت إما من احتوائها على شيء إجرامي، كما هو الحال في مثال حكاية "ذي اللحية الزرقاء "أو مقدّس، حال حضارة الفراعنة، وحتّى البابليين والصينيين القدماء، فتواجد تلك الغرف التي ليست في متناول خطى وتطلعات الجميع.

لم تسلم عمارة اليوم من نوع من السرية التي ترافق تلك الغرف، هل تخلو منها غرفة نوم الأبوين ثم وخاصة غرف البنات التي لا يجرؤ أحد على دخولها دون استئذان، ولا ندري لأي سبب في غالب الأحيان؟

في كتاب "رمزية حكاية الجنيات" لدولاشو، يميّز الكاتب بين ثلاث غرف سرية تعادل كل منها درجة ضمن درجات بلوغ الحكمة التي هي في الغرفة الثالثة، ولكل منها قفل له مفتاح من معدن خاص به، فللأولى مفتاح فضي وللثانية مفتاح ذهبي أما الثالثة فمفتاحها من الألماس.

وفي التنقل بين تلك الغرف السرية الثلاث يمرّ المارّ رمزياً بمراحل ثلاث، ففي أولاها يتطهّر وفي الثانية يمتلك القدرة على التحكم بقوى الطبيعة وتسخيرها له، وفي الأخيرة يكتسب لمعان المعارف العليا والقدرة المطلقة، هي رحلة روحية سرية وجدت في الحضارات القديمة التي لا تخلو من غرف سرية.

يعتبر باشلار أن كل المنزل يساوي الإنسان في كليّته أما غرفته فتعني حياته النفسية، وتعبّر تلك الغرفة عن ثقافته ومبادئه وما كل مكوّناتها من أثاث سوى نوع من تلك التعبيرات المتنوعة التي يريد أن يهتف بها

ليعبر الإنسان عن اجتماعيته وحتى مدنيته صنع مفهوم ما يعرف بالغرفة المشتركة chambre commune مثل غرفة الفطور أو الجلوس للسهر والمسامرة والاشتراك في شيء ما واحد، كالتلفاز والنقاش والحكايات، لكن في ساعات نومه على الأغلب فلا يأوي إلا لمن يستطيع شرعياً ونفسياً مشاركته في وحشيّته وفردانيّته، وعموما ًهي الزوجة أو الخليلة في المجتمعات الليبرالية.

الغرف والعمارة

الغرفة تتخذ الشكل المربّع في غالب الأحيان، والدائري أحياناً، من ذلك غرف الملوك والملكات في إيرلندا التي تكون دائرية، لأن الغرف كما أشرنا ما هي سوى صورة أخرى للإنسان في علاقته بالعالم الآخر هذه المرّة، وغرفة الملك تكون دائرية لأن عليها أن تشبه السماء ليكون الملك فيها مثل الإله في عليائه، ولأن الملك أيضا أقرب الكائنات إلى الرب.

في كل من تلك الغرف الدائرية سبعة أسرة موضوعة دائرياً حول نار تتوسطها. أما السقف فهو عبارة عن قبّة من أجل تسهيل مناجاة السماء ومخاطبتها عبر صلوات الملوك الإيرلنديين، وهنا يتصف أولئك الملوك بصفة الكون بل هم انعكاسه على وجه الأرض.

لم تسلم عمارة اليوم من نوع من السرية التي ترافق تلك الغرف، هل تخلو منها غرفة نوم الأبوين ثم وخاصة غرف البنات التي لا يجرؤ أحد على دخولها دون استئذان، ولا ندري لأي سبب في غالب الأحيان؟ في مقابل غرف الأولاد المباحة والتي لا يغلق بابها بل هي شبه مشتركة، وهل لهذا الأمر أصول وجذور قديمة؟

قد تكون ذات الغرف المؤنثة التي خلقت شريحة يسمّيها الأدب، ولا سيما القانون الأخلاقي، "المُتلصّصين"، هذه العبارة لم تكن سوى مصطلح سياسي من أصل أمريكي يعود إلى عهد رونالد ريغن، الذي احتاج إلى نوع من المُتلصّصين كي يتلصّص على سياسة ليبيا في ثمانينيات القرن الماضي. ثم استعملت العبارة فيما بعد في لغة فلاسفة كدريدا ونعوم تشومسكي، بوصفها مصطلحاً دالّاً على نوع من الفضول الإمبريالي على الغرف السياسية والاجتماعية للعالم.

 على غرف البنات يقف متلصّصون من نوع آخر، من ثقب المفتاح الشهير يلتقطون لقطات جسدية أنثوية يعمّرون بها ذاكرتهم الصورية في غياب المرأة من الشوارع. في هذه الحال اتخذت الغرفة النسوية شكلاً مثيراً للغرائز وللفضول. وازدادت بذلك بعداً وتعقيداً على المستوى المعماري، فهي في مكان خافت من المنزل، في الطابق الأعلى، أو بشاكلة لا تسمح لعين المُتلصّص أينما كانت أن تسترق النظر إليها، تلك العين الملعونة، فلا يمكن لتلك الغرف مثلاً أن تكون في مدخل المنزل.

  انبنت على التلصّص نصوص كثيرة من رواية وشعر وأفلام خاصة، فمن منا لا يتذكر فيلماً يستعمل فيه البطل نوعاً من العدسات كأداة للتلصّص على المنزل المقابل. ومن ذلك التلصص أيضاً توالدت قصص حب بلا عدد.

اتخذت الغرفة النسوية شكلاً مثيراً للغرائز وللفضول. وازدادت بذلك بعداً وتعقيداً على المستوى المعماري، فهي في مكان خافت من المنزل، في الطابق الأعلى، أو بشاكلة لا تسمح لعين المُتلصّص أينما كانت أن تسترق النظر إليها

نجد لذلك الفضاء الحميم المؤنّث في التراث الموسيقي صدى كبيراً، فهذه امرأة وصلها خبر قدوم حبيبها القريب فراحت تُعد الغرفة:

"قالولي جاي قمت نكحّل ونفوّحْ )...( صدّقت الغِيرْ وقُمْت نَعَلِّي في السِّدَّة، وفراش حريرْ عْلِيهْ ملاحِفْ ومخدّة، شناشن في إيدي حرام وسورية، ونقول شوية عن ولفي غايب من مدّة، قلولي راح قلت جعالته لا روّحْ!"
 وأخرى أرسلت لحبيبها رسالة طالبة حضوره إلى "بيتها" وتعني غرفتها، إذ البيت في تونس كلمة تعنى الغرفة تماماً: "دزّيتيلي هاني جيتِكْ رفضْ عليّا النّوم، عييت واقف قدّام بيتِكْ رقدتِ خذاك النّوم".

يحدث أن تسرق الغرفة الحبيبة من لقائها، فتكتنفها بنومة عميقة ليظل الحبيب في الخارجِ محروماً من ذلك التسلل إلى نعيم غرفة البنات الممنوعة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard