غطرسة القضيب... تغير الذوق والفن والدين فهل تغيرت ممارسة الجنس؟

الأحد 29 نوفمبر 202006:06 م

هل مازلنا، كرجال مغايري الجنس، نمارس الجنس كما مارسه إنسان العصر الحجري، كأننا ورثنا الحياة الجنسية كمكعّب من الرخام المصمت، لا سبيل لتزيينه، تلوينه أو تغيير هيكله إلا بتحطيمه كلياً؟

كتب ديفيد هالبرين من جامعة ميشيغان: "الجنس ليس له تاريخ، لأنه يرتكز على عمل الجسد، ومن ناحية أخرى، له تاريخ محدد لأنه إنتاج ثقافي".

"حبو بعضن تركو بعضن"... هل تفتقر المغايرة الجنسية للإبداع والمغامرة؟

ففي حين يبدو الدافع الجنسي أصيلاً عند البشر كما عند الحيوانات وهو غريزي في أصله، لكن عندما ربط البشر معنى الجنس بوعيهم به ظهرت فكرة المغايرة الجنسيةـ إذ لم يكن "معرّفاً" من قبل الجنس بحدّ ذاته ليتمّ تقسيمه إلى مثلي ومغاير. رغم أن مصطلح مغايري الجنس تمت صياغته منذ ستينيات القرن التاسع عشر، إلا أنه لم يستخدم لأن العكس لم يمكن وارداً إلا في باب "الانحرافات الجنسية"، فالكلمة المستخدمة للجنس المغاير كانت "اعتيادي" أو "طبيعي"، وكأن ما دونها يدخل في "الغرائز المنحرفة"، وقد أسيء استخدام كلمة عادي أكثر مما أسيء استخدام كلمة "الله"، بحيث اتهم كل ما هو غير عادي بالمنحرف وكل من لا يؤمن بالله بالكفر.

وراثة المهنة السخيفة

في أرض "الجنس العادي" لا يوجد العديد من الأساطير ولا العديد من الأبطال، هناك نوع واحد من الجنس، يبدأ بمداعبات بسيطة وهامشية، ثم يتغلغل القضيب داخل المرأة كأفعى، وبمجرد أن يصل الرجل لمرحلة معينة من المتعة، يقوم "بطرد" حيواناته المنوية عاجلاً، كإنها تؤلمه أو تسمّم خصيتيه، بعد ذلك يمكن مشاهدة فيلم على نيتفليكس، قراءة الأخبار العاجلة أو إعادة ترتيب خزانة الملابس.

كان الكمال يكمن في هذا الواجب دائماً، كان الواجب السطحي، الشائع والسخيف كمالاً في الأداء، يكتمل بنهايات سعيدة، كأفلام "جيمس بوند".

العديد من الممارسات اليومية جرى عليها الكثير من التعديلات عبر التاريخ، بإدخال تفضيلات واكتشاف عناصر إضافية، أدوات وثقافات وتجارب، حتى الصلاة تغيّرت طرقها وأماكن ممارستها وطرق تقديم قرابينها، كذلك الحرب، وإذ ذكرت هاتين الممارستين فلأنهما الأكثر ارتباطاً بـ "الرجل" ومسيرته المثالية كما عرفتها الأديان والحضارات، لكن الجنس بقي عصياً لحدّ كبير على "الإضافة" و"الابتكار"، رغم الحريات العديدة والقوانين التي تمنح الرجال الحق بـ "تشريع" ما يمتعهم ويزيد من سعادتهم، بل وإكسابها صفة التعليمات واجبة الاتباع.

هل هدف عزل الجنس عن الخيال، كأنهما منطقتان ممنوع التداخل بينهما، الخشية من أوهام الهيمنة؟ هل يخشى القضيب أن يكتشف الشريك/الشركاء اللذة فتصبح هاجسًا ويخسر هو أن يكون الهاجس الوحيد؟ 

هل مازلنا - كرجال مغايري الجنس- نمارس الجنس كما مارسه إنسان العصر الحجري، كأننا ورثنا الحياة الجنسية كمكعّب من الرخام المصمت، لا سبيل لتزيينه، تلوينه أو تغيير هيكله إلا بتحطيمه كلياً؟

في اتباع الأساليب التقليدية في الجنس نتصرّف كأننا نتلقى أوامر رجل مات منذ آلاف السنين، قد يكون الله وقد يكون أحد رسله، وقد يكون الجد العاشر لسلالتنا العريقة، لكن الاحتمالات العديدة في عالم اللذة غير المشروطة. كيف سيكون شكل الجنس إن أصبح الخيال والإبداع مدخلين للمتعة، دون تحطيم مكانة القضيب، ودون حواجز وأدوار تتحكم بها أشكال التملك والهيمنة؟  

تكمن المشكلة الحقيقية في اعتبار الاختراق فعلياً شكل من أشكال الهيمنة والتملّك: يخترق الرجل المرأة، أي يمتلكها، يمتلك مهبلها وجسدها، وظيفتها ووجودها، خيالها ومتعتها، إنه "يسترجل" بها عبر فقر الخيال والخوف من التجريب. ارتداء ملابس الممرضات أو القيام بدور "الدليفري بوي" أو السبّاك، الممارسات السادو-مازوشية، العضّ والخمش وشدّ الشعر، التعرّي أمام عمود السرير ببطء، اختراق الرجل للوصول إلى البروستاتا، هذه ليست خيالات صنعتها أفلام البورنو فحسب، لكنها محاولة ناقصة لتبادل الأدوار، محاولة تعزز الأدوار الأساسية نفسها، ولا تساعد في التخلص من الهيمنة والغزو اللتين قامت عليهما الحياة الجنسية، ولا تفيد في توسيع المتعة للحد الذي يجب ألا يشعر فيه الرجل أنه المهيمن أو المُخضع، وتشعر المرأة بالتحرر من خضوعها كمستقبلة وطريدة وفريسة "سهم الرجل" الذي ينغرس فيها بقوة وعنف.

استخدام الفم ومن ثم اللسان في العملية الجنسية ينظر إليه على أنه تمهيد لـ "الطحن" الذي سيأتي، أو مجرّد إحماء للمحرك و"تشحيم" للقطع الجافة فيه، لكن يمكن اعتباره أيضاً عملية اتصال جنسي كامل بحد ذاته، فالأهم تبادل المتعة لا الاستحواذ عليها. إن الخوف التقليدي للذكور مغايري الجنس من اعتبارهم مثليين، أو أن يصبحوا كذلك إذا سمحوا لشريكتهم باختراقهم من الخلف بإصبعها أو بأداة مخصصة، لا أساس له من الصحة، لكنها واحدة من التجارب التي يجب ألا ندينها وكفى، إذ طالما لديك غرف متعددة في المنزل، فلم لا تقوم باستخدامها كلها.

كيف سيكون شكل الجنس إن أصبح الخيال والإبداع مدخلين للمتعة، دون حواجز وأدوار تتحكم بها أشكال هيمنة عززتها أوهام المغايرة الجنسية؟

يعترف العديد أن الجنس ليس فقط هو هذا الاختراق و"مداعبة المستطيل الشاقولي"، إنما هناك العديد من الأجزاء التي تتضمنه، لكن الفكرة التي زرعتها الأديان عن وظيفة الإنجاب ثم لاحقاً أفلام البورنو، أن الجنس ينتهي بقذف الرجل، ونشر "البذور السائل" على وجه وجسد المرأة، إمعاناً في امتهانها وإهانتها، وأيضاً هي وسيلة للتذكير أن مصلحة الرجل تحظى بالأسبقية، وبعد حصوله على "هزّته" فليذهب الشريك/الشركاء إلى الجحيم.

"المغايرة الجنسية القسرية"

عنوان الفقرة هنا، مصطلح من مقالة أدريان ريتش "المغايرة الجنسية القسرية ووجود المثلية الجنسية الأنثوية" "Compulsory Heterosexuality and Lesbian Existence"، ذكرت فيه مصطلح "المغايرة الجنسية القسرية"، وانتشر بعدها على نطاق واسع. ما يحققه المصطلح شقين: الأول عن هيمنة المغايرة الجنسية بوصفها مؤسسةً داعمةً لتسلط وهيمنة الرجال الذكورية على المجتمع، والشق الثاني، والأخطر، أنها قسرية وشاملة، بمعنى أن المجتمع يفترض أنّ الفرد مغاير جنسيًا حتى يُثبت العكس، وهو افتراض قائم على فكرة أنّ الميول الجنسية المغايرة جنسيا هي ميول فطرية. ريتش كتبت هذه المقالة قبل 40 عاما، وفي أيامها لم يكن صوت المثلية الجنسية الأنثوية مؤثرا. 

لكن المثير هنا أن عمر "المغايرة الجنسية" قصير جدًا. 

بدأت المدن تتوسع في أواخر القرن التاسع عشر، عندما بدأ الناس للانتقال للمدن الكبرى من القرى والأرياف البعيدة، فبدت المدن كأنها بؤر للسلوك الجنسي المفرط، خاصة مع ازدياد الوعي العام بالجنس والرغبة، وعادة ما ألقي اللوم على الفقراء والطبقة العاملة بالسلوك الجنسي "المنحرف"، وكان من المهم للطبقة المتوسطة الناشئة أن تقصي نفسها عن هذه الانحرافات المرتبطة بالطبقتين العليا والدنيا من المجتمع، عبر تقدير الممارسة المغايرة فحسب، وتقديسها اعتبارها قيمة مثلى: الأسرة، الكنيسة، العمل، الجنس العائلي المغاير فحسب.

في الماضي كان يمكن الاعتماد على الكنيسة لقمع "الانحرافات المثلية" في المدن والبلدات الصغيرة، لكن مع القوانين العلمانية التي تضمنتها المدن الكبرى، لم تعد موعظة الأحد شديدة الفاعلية في المجتمع، فأخذت الطبقة الوسطى على عاتقها ترسيخ الجنس المغاير لتفادي الانزلاقات غير المحمودة، فأضافت للممارسات المثلية صفات لم تكتف باعتبارها خطيئة تودي بصاحبها للجحيم، بل باعتبارها انحطاطاً أخلاقياً وإحدى أسوأ العلامات التي يمكن أن يتصف بها الشخص: أصبح النشاط الجنسي معياراً لتحديد مكانة الشخص.

في وقت ما، كان تحديد الطبيعة الجنسية وسيلة لتحديد هوية الشخص، من هو وماذا يفعل، كان هناك حاجة لأن يتخذ المرء موقفاً دفاعياً لإثبات حقه بالتواجد في مكان ما، على أساس هويته الجنسية، امرأة أو رجل.

 سيستمر الناس في المستقبل بالزواج وإنجاب الأطفال والدفاع عن المغايرة وإدانة الأشكال الأخرى للعلاقات الجنسية، لكن الأكيد أن العلاقة الجنسية المغايرة، كهوية وأسلوب حياة وعلامة اجتماعية على السموّ الأخلاقي، ستلاقي مصيراً محزناً قبل ذلك بكثير

لكن الطبيعة ليست مسؤولة عن التزاماتنا الأخلاقية، فغالباً ما ركزت النقاشات حول التوجهات الجنسية مفهوم "الطبيعي" أو "العادي" وتم منحه حالة أخلاقية خاصة لأنه يؤدي إلى التكاثر والإنجاب. الالتزامات الأخلاقية نحن مسؤولون عن تحديدها، حتى عندما لا نعي أننا نفعل.

لماذا نحدد ما هو طبيعي وأخلاقي من خلال طبيعة غرائزية أصلاً؟ العديد من الأشياء التي لها قيمة بالمفهوم البشري، كالطب والفن عموماً، هي غير طبيعية، ومن ناحية أخرى، يكره البشر العديد من الأشياء الطبيعية، كالموت والمرض، كيف نقع هنا في مغالطة منطقية حين نعتبر بعض الأشياء الطبيعية أخلاقية والأخرى غير أخلاقية؟

منذ حوالي قرن تقريباً أضفنا معاني جديدة للاتصال الجنسي مرفقة بالتناسلي، والولادات التي تتم في المخابر والعيادات في تكاثر مستمر، وأيضاً فقدت العلاقات الجنسية مكانتها المرتفعة بين الجنسين، ارتفعت معدلات الطلاق وما كان يعتبر فضيحة كبرى منذ نصف قرن، كالرسائل الغرامية المثلية أو الخيانات الزوجية، أصبحت أمراً من الماضي.

إن الخطوط التي تفصل بين العلاقات الجنسية المغايرة، المثلية، أو المتعددة أصبحت أقل صرامة، وأقل عرضة للحكم الأخلاقي، بالتأكيد، سيستمر الناس في المستقبل بالزواج وإنجاب الأطفال والدفاع عن المغايرة وإدانة الأشكال الأخرى للعلاقات الجنسية، لكن الأكيد أن العلاقة الجنسية المغايرة، كهوية وأسلوب حياة وعلامة اجتماعية على السموّ الأخلاقي، ستلاقي مصيراً محزناً قبل ذلك بكثير.

صورة المقال لــMohammadO Shokoofe.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard