متحف الحضارة المصري... ما لا عين رأت ولا أذن سمعت

الخميس 15 أبريل 202110:05 ص

كان الذهاب إلى متحف الحضارة المصري خياراً حتمياً لم أستطع تجاهله، فذلك المكان استضاف ختام موكب المومياوات الملكي. فالحدث، اتفقنا مع صنّاعه أو اختلفنا، حقق نجاحاً ساحقاً وجذب كثيراً من الأنظار إلى أرض مصر، وتسبّب في موجات كبيرة من الجدل لا تزال تعيش بيننا حتى اليوم.

ما هذا المكان الذي اختير لاستضافة ختام هذه الفاعليات؟ وكيف سيكون الحال عليه عقب انتهاء كل شيء ورفع الكاميرات والأضواء؟

حسبتُ تاريخ زيارتي للمتحف بدقة، فلا هو باللصيق من موعد الافتتاح فأُخدع بقدر من زيف السجادات الحمراء والشوارع المنظمة والمواطنين الشرفاء المبتسمين، الذي يُصنع عادة مع الزيارات الرسمية وأيام الافتتاح الأولى، كما حرصت ألا أتأخر كثيراً إلى وقت تكون فيه زهوة المكان قد ضاعت بلا رجعة.

وهكذا انتظرت عدة أيام بعد يوم الافتتاح، وقررت زيارة ذلك المكان الذي شغل العالم كله منذ أيام.

الصعوبة الأولى التي واجهتني في طريقي للمكان هي المواصلات، فلا خطوط نقل عامة تصل بين المتحف وميادين القاهرة الرئيسية، ما يجعل السبيل الأيسر لزيارته هو الاعتماد على السيارات الخاصة؛ سواء كانت مملوكة لصاحبها أو مستأجرة/أوبر، وهو ما قد يخلق عبئاً مالياً إضافياً قد يُضعف من حماس الراغبين في زيارة المتحف.

بقايا الموكب الملكي

ما أن تجتاز بوابة الدخول حتى تطالع بقايا الموكب الملكي المهيب، لو كنت عاشقاً للتاريخ الفرعوني مثلي لشعرت بقشعريرة تسري في بدنك، وأنت تسير في ذات الدرب الذي سبقك إليه رمسيس الثاني وحتشبسوت، وغيرهم ممّن عشنا نتتبّع قصصهم في ثنايا الكتب لنشاركهم الحدث، ولم نحلم يوماً بأن نشاركهم المسار.

وفقاً لجهاز الإحصاء المصري، تمتلك مصر 77 متحفاً، وهو رقم لا يُعتبر بالهائل قياساً بمراحل التاريخ الطويل التي مرّت بها الدولة المصرية، وهي على كل حال ليست المشكلة الوحيدة التي يعاني منها قطاع الآثار في مصر

ولأني تابعت موكب المومياوات جيداً، فكنت لا أزال أتذكر بدقة الدقائق القليلة التي منحها التصوير لنا لتأمل تفاصيل هذه الساحة التي تحيط بالمكان. وللأسف لم يبدُ كل شيء رائعاً كما أظهرت الكاميرات عالية الجودة.

من النظرة الأولى تشعر أن ساحة المتحف أُعدّت لتبدو جميلة من أعلى وفي نظر عدسات الدرونز، فالمجسمات التي كانت تبرق بالأصفر في الكاميرات مجرد أجسام خشبية واهنة يسهل تحطيمها بضغطة قوية من أصابع يد واحدة، كما أن هناك بعض المسطحات التي لا تزال تجري فيها بعض أعمال الصيانة تجاهلتها الكاميرات تماماً.

"بقايا الموكب" لا تزال متناثرة في كل مكان، فلافتات الترحيب لاتزال معلّقة على الجدران وعلى أعمدة الساحة، بعضها تمزّق وبعضها بقي على حاله، ووسط المجسمات الخشبية التي حملت أسماء الملوك القادمين، انهمك مجموعة من العمال في فكّ وتركيب تلك الأجسام العالقة، حتى تفرغ الساحة تماماً ويعود المتحف سريعاً إلى مرحلة "ما بعد الموكب".

لم تكن بدايتي مع المتحف رائعة، فبضع خطوات في الطريق إلى القاعة الرئيسية والوحيدة المتاحة للزيارة حالياً، كانت هذه الخطوات كفيلة بأن أتعثّر في بعض أكوام القمامة الملقاة بين اللافتات الملكية، وهو ما بدا لي مشهداً هزلياً، بأن يستقبل أحفاد الملك رمسيس جدهم الأكبر ببقايا الطعام وزجاجات مياه فارغة ألقيت بلا اكتراث، ولم يهتم أحد بإزالتها، وهو ما منحني انطباعاً مقبضاً عن هذه الزيارة.

تغيّر هذا الانطباع في نفسي فوراً، ما إن عبرت البوابة الثانية التي تقودني إلى قاعة العرض، وهي القاعة الأكبر والوحيدة المتاحة الآن للزيارة، في ظل إغلاق قاعة مومياوات الملوك، والذين سيخضعون لترميم دقيق ينفض عنهم وعثاء الرحلة الشاقة من "متحف التحرير" إلى "متحف الحضارة"، وعلى الرغم من إغلاق القاعة، إلا أن طبيعة تصميم المكان تتيح للزائر رؤيتها والتعرف على طبيعة تصميمها على الأقل.

جميع المتاحف المصرية، بما فيها المتحف الأكبر في التحرير، ينقصها الكثير من البريق... مجرد فاترينات لا يعتني أحد بتنظيفها، تعرض منحوتات لا يعرف الكثيرون قيمتها، أحيانًا، بمن فيهم القائمون على المتحف ذاته

تجاوز البوابة الثانية يقودك إلى عالم مواز يفصلك عن الاستقبال السيء الذي أعدّه لك المكان خارج أسواره، فلتنسَ ثمن أجرة السيارة أو حتى ثمن التذكرة (60 جنيهاً)، الذي قد يكون مرتفعاً نسبياً إذا ما قارناه بمعدل دخل الفرد في مصر، لا بأس من كل ذلك، طالما أنها ستقودنا إلى لقاء فريد بالأجداد وبوجه آخر مجهول لمصر المتحفية.

مصر التي لا نعرفها

وفقاً لجهاز الإحصاء المصري، تمتلك مصر 77 متحفاً، وهو رقم لا نعتبره بالهائل قياساً بمراحل التاريخ الطويل التي مرّت بها الدولة المصرية، تجعل الواحدة منها زاخرة بالكثير من الآثار التي تستحق أن تعرض في عشرات المتاحف، ومقارنة بدولة خليجية حديثة كالإمارات (تمتلك 34 متحفاً)، يبدو الإسهام المصري في بناء المتاحف متواضعاً، ولم تكن هذه هي المشكلة الوحيدة التي يعاني منها قطاع الآثار في مصر.

جميع هذه المتاحف، بما فيها المتحف الأكبر في التحرير، ينقصها الكثير من البريق، مجرد فاترينات لا يعتني أحد بتنظيفها، تعرض منحوتات لا يعرف الكثيرون قيمتها، بمن فيهم القائمون على المتحف ذاته، تجاوزها الزمن في طريقة العرض والخدمات.

وهي الحالة التي كانت تثير في نفسي الكثير من الامتعاض كلما دخلت إلى المتحف الكبير في قلب ميدان التحرير، وهو ما كان يدفعني للتساؤل: إذا كان هذا حال أهم متحف في البلاد، فما هي أوضاع باقي متاحف القاهرة غير المشهورة؟ بل ماهي أوضاع المتاحف في المحافظات التي لا تسلط عليها الأضواء أصلاً؟

نتيجة هذا الإهمال المتراكم وصلنا إلى النتيجة التي نعرفها جميعاً: عزوف كبير في الزيارة حتى كادت أن تنعدم، وانقطعت سيرة بعض متاحف القاهرة، فلم يعد الناس يعرفونها، وأصبح زوارها الوحيدون هم موظفو المتحف، وهي الهوّة التي سقط فيها متحف الحضارة المصري نفسه، قبل أن يوضع على قوائم التطوير أخيراً، ويصبح بين ليلة وضحاها متحف مصر الأبرز، ويأتيه آلاف الزوار فور افتتاح أبوابه.

في حضرة كل الأجداد

صالة وحيدة للمتحف بالفعل، لكنها عملاقة تحتاج إلى عدد من الساعات حتى تتمكن من تفحص محتوياتها جيداً. نصف دائرية، تتيح لك مساراً ناعماً تُطالع فيه المعروضات التي اختار مصممو المتحف ألا تكتفي بالطابع الفرعوني القديم وحسب، وبالرغم من الطغيان الفرعوني على هوية المتحف بطبيعة الحال، إلا أن هذا لم ينعكس، لحسن الحظ، على فلسفة المتحف التي تهدف لاستعراض أبرز الحضارات التي عرفتها مصر وتشرّبت أرضها، وهي الفرعونية واليونانية والقبطية والإسلامية، ليُنصِّب نفسه رقعة من الانصهار الإنساني، خير معبّر عن مصر التي استوعبت كافة هذه الحضارات معاً ومزجتها سوية في كوكتيل نادر الوجود.

لن تجد في متحف الحضارة المصري "موال" التفاخر بأمجاد الأجداد وإنما سيأخذك بيدك في رحلة ينقل لك فيها بأكثر الأساليب بساطة ووضوحاً كيف كانوا يعيشون

ووفقاً لهذه الفلسفة الرشيدة، خصصت لنصف الدائرة المتحفية العملاقة مساحات متساوية، ازدانت كل واحدة منها بما لذ وطاب من مرحلتها. نظرة واحدة إلى المكان تخبرك أن هناك شيئاً مختلفاً هنا.

مرشدون سياحيون متحمسون في كل ركن يتحدثون مع الزوار بلباقة واقتضاب، عمال نظافة يجوبون الأرضية يمسحونها كل فترة وجيزة من الزمن، فاترينات عرض نظيفة، لامعة، مزودة بشاشات متطورة، تستعرض معلومات مكثّفة عن كل شيء معروض، عدد كثيف من الزوار الشغوفين بمعرفة تاريخ بلدهم. والأهم هناك قبضة انضباط إدارية نادراً ما تجدها في متاحف مصر، قبضت على الجميع وجعلت لحظات الخروج عن النص من الأمور النوادر.

هل هي حمّى البدايات؟ أتمنى ألا تكون الإجابة بلا.

لا يحصر المتحف نفسه في زاوية التفاخر بأمجاد الأجداد، فيستطرد في عرض مشغولاتهم الذهبية وأقنعتهم الزمردية، وإنما يأخذك بيدك في رحلة اجتماعية ينقل لك فيها بأكثر الأساليب بساطة ووضوحاً كيف كانوا يعيشون، بداية من مراحل صناعة الخبز ومسْح الأرض وطحن القمح، وانتهاء بالأزياء والبناء والترانيم الدينية ورحلات التخييم وعزف الموسيقى!

وهو ما يبدأ به الزائر يميناً بالحضارة الأقدم الفرعونية، ويتطوّر بعده إلى الحضارة اليونانية وتاريخ مدينة الإسكندرية، وحتى ملابس الشمامسة في ذلك العصر، وهو ما سيقودنا مباشرة إلى الحضارة القبطية التي احتضنتها مصر مبكراً، وهو ما تجلّى في عدد من المعروضات النفيسة، كنسخ الإنجيل النادرة، وانتهاء بالركن الأخير للحضارة الإسلامية، والذي أضيئت بعض أجزاء سقفه بمشكاوات زجاجية نادرة، أفسح ضوؤها للمشاهدين مطالعة فنون صناعة المنابر والمشربيات، وحتى آخر محمل صنعته مصر لكسوة الكعبة، قبل أن يحدث الخلاف الشهير مع السعودية وتنقطع تلك العادة المقدسة إلى الأبد.

في النهاية، خرجت من هذه الزيارة بساعات خالصة من المتعة، أحسبها ستكون متاحة لأي زائر، طالما بقي المتحف على حاله، لتمثّل تلك الساعات المحدودة التي قضيتها في التجول بين جنبات المتحف، فرصة لا تعوّض للتعرّف على مصر بأسرع وقت ممكن، طالما كنت قادراً على دفع ثمن التذكرة.

صورة المقالة من تصوير كاتب المقالة 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard