"لو كان حراً لما صار أسطورة"... زيارة إلى متحف محمود درويش

الأربعاء 9 ديسمبر 202009:27 ص

كأنَّ حواسك تسير على رؤوس أصابعها أمام رهبة مكان تنبض كلّ زاوية من زواياه بصورة أو رسالة أو قلم فاضَ حبره يوماً بشعر صار يردِّده الكبار والصغار. فهو لا يضمّ مجرد حديقة مليئة بالأشجار والأزهار فحسب، بل يحتوي متحفاً أُعيدت إليه الحياة بعرض مقتنيات الشاعر وكتاباته وتفاصيل شخصية وقفت كحصان طروادة المنيع أمام الموت الذي لم يحسب لهذا الأثر أي حساب.

يُعتبر محمود درويش أحد أهم الشعراء على الصعيد الفلسطيني والعربي والعالمي، فقد تركت أشعاره آثاراً لا تُنسى في نفوس القرّاء، وكانت مصدر إلهام للباحثين في جماليات الشعر، ولدارسي الأدب الفلسطيني والعالمي المعاصر.

تصوير جان دوست

وُلد درويش في قرية البروة بتاريخ 13 آذار/ مارس 1941 وتوفي في التاسع من آب/ أغسطس 2008 في تكساس، الولايات المتحدة الأمريكية. بعد وفاته، وفي ذكراها الرّابعة، أُنشئت مؤسسة تحمل اسمه؛ كنوع من التكريم والتخليد لفنّ شاعر ارتبط اسمه بالرواية الفلسطينية خلال النكبة وما بعدها. ليكون بمثابة منارة يتحلَّقها الأدباء والشعراء في ليالي الصيف الدافئة وبرد الشتاء. ثمّ قامت المؤسّسة بتشييد متحف خاصّ بالشاعر فوق الأرض التي دُفن فيها، والتي سُمّيت بحديقة البروة.

أُطلق اسم محمود درويش على شارع في مدينة شفاعمرو في الداخل الفلسطيني، وعلى المجمّع الثقافي في مدينة جنين وأُطلق اسمه أيضاً على قسم الدراسات الفلسطينية في جامعة براون. وعلى ساحة في برتران ديلانويه في باريس، كتوثيق لعمق الأثر الذي تركه درويش في نفوس الفلسطينيين والأجانب، على الصعيدين العربي والعالمي. إنّ هذا الاحتفاء يفتح أسئلةً حول منابعه؛ هل هي سياسية أم شعرية أم أنّها حاجة الشعب إلى رمز وطني وأسطورة أم هي حاجة الأمم لأبطال تعاصرهم حتّى تؤكّد صحّة الزّمن الذي تعيشه وتقاوم تردّيه؟

ضريح محمود درويش

من الوطن إلى محمود درويش

تستقبل هذه العبارة زوّار الضريح الذي تؤطره الأشجار والمياه ويستظلّ بعلم فلسطين المُطلّ على مدينة رام الله وتلال القدس، تبلغ مساحة المتحف حوالي 9000 متر مربع تقريباَ. وهي عبارة عن مجمع ثقافي وحديقة عامّة. أما بالنسبة إلى الصرح الثقافي فهو يضمّ قاعةً متعددة الأغراض، ومكتبة، ومتحف محمود درويش، ومسرحاَ صيفياَ خارجياَ. داخل مبنى المتحف نرى متعلّقات درويش الشخصية من تذكارات ومقتنيات خاصة، ويحوي صالة عرض فيديو ومكتبة تضمّ مؤلفاته وأشعاره. أما قاعة "الجليل" فهي عبارة عن مساحة داخلية توفرها المؤسسة لإقامة الأمسيات والمناقشات الأدبية من توقيع كتب وإشهارها.

داخل المتحف سنجد طاولة الزهر، وهي من المقتنيات المميزة التي كانت إحدى هوايات درويش، وأوحت له بقصيدة "لاعب النرد". سنجد الراديو الذي كان يستمع إليه خلال حصار بيروت، بطاقة هويته، نظّارته و آخر سترة ارتداها الشاعر موضوعة فوق الكرسي

أمّا الفضاء الخارجي، فيحتوي على مسرح يتَّسع لحوالي 500 شخص، ويحتوي على منصة وغرف خدمات متعددة الأغراض. أما الحديقة، فهي تحتوي على مساحات خضراء، وزهور وأشجار من الريف الفلسطيني، وممرات وجلسات ظليلة ومسطّحات مائية. يقصدها الزوار حتى في الأيام التي تخلو من أي مناسبة ثقافية؛ ليستمتعوا بنسائم القدس المحتلة التي تزحف إليها العين بشوق رغم أنها لا تبعد كثيراً عن رام الله.

آلاف الزوار مرّوا من هنا واصطدموا وجهاً لوجه بذكرى طيفه الراحل. ومما لا شكَّ فيه أنَّهم استشعروا قيمةً وجوديةً أو فنيةً أو حتى جمالية، تنبع من هذا التصميم الذي وضعه المهندس الفلسطيني جعفر طوقان، ابن الشاعر إبراهيم طوقان، فوق حوالي 9 دونمات، آخذاَ بعين الاعتبار تناسبه مع حاجة ذوي الإعاقة.

يقول أسامة طه لرصيف22: "زرته ثلاث مرات، وفي كلّ مرة أقف فيها أمام الضريح تنتابني مشاعر غريبة، مزيجٌ من الاحترام والهيبة. المتحف تحديداً من أكثر الأماكن التي ستعلق في ذهني. اكتشفت أنني لم أكن أعرف عن حياته إلا الشيء القليل". ويقول نديم عبد العزيز لرصيف22: "زرته مرّة واحدة خلال رحلتي المدرسية، أنا لا أحبّ القراءة ولم يسبق لي أن قرأت شيئاً للشاعر، لكنَّني أحببتُ الحديقة لأنها مصممة بشكل جميل".

هذه الألفة والرّهبة التي تخلقها المقتنيات

ستجد طاولة الزهر، وهي من المقتنيات المميزة التي كانت إحدى هوايات درويش، وأوحت له بآخر قصيدة كتبها "لاعب النرد". ستجد الراديو الذي كان يستمع إليه خلال حصار بيروت، بطاقة هويته ونظّارته. وستقرأ فوق مكتبه الخاصّ مخطوطات شعرية من خلال انعكاس الضوء على الزجاج. بالإضافة إلى وجود آخر سترة ارتداها الشاعر موضوعة فوق الكرسي؛ كدلالة على الغياب الذي لم يكتمل، أو للإيحاء بأنَّه لم يغادر على نحو كلي.

حقيبة السفر الأخيرة - تصوير جان دوست

وهذا ما أكَّد عليه سمير هلال، مدير عام مؤسسة محمود درويش، في حديثه مع رصيف22: "حصلنا على جزء من مقتنيات محمود درويش من منزله في عمان، وجزء آخر من بيته في رام الله. وأجزاء أخرى حصلنا عليها من أصدقائه الذين وضع مقتنياته عندهم وكانت عبارة عن أمانات. وطبعاً حصلنا على مقتنيات أخرى من عائلته وكانت هذه الأغراض ذات رموز دلالية معينة، علماً بأنَّ منزل العائلة موجود في قرية الجديدة/ المكر في الداخل الفلسطيني، والتي انتقلت إليها العائلة بعد أن هُجّرت من البروة".

ويضيف هلال: "من بين هذه المتعلقات الحقيبة التي تُركت فيها أغراضه لمدّة أربعين عاماً، احتفظت والدته بها ومنعت الناس من لمسها لإيمانها بأنَّ محمود سيعود لا محالة. كما حصلنا على بعض الجوائز التي تسلَّمها درويش في حياته. طاولة النرد مثلاً وبعض أقلام الحبر والطاولة التي كانت ترافقه إلى عدّة أماكن، وغيرها من الخصوصيات التي لازمت درويش في حياته".

مدير عام مؤسسة محمود درويش:" حصلنا على جزء من مقتنيات محمود درويش من منزله في عمان، ومن بينها الحقيبة التي تُركت فيها أغراضه لمدّة أربعين عاماً. احتفظت والدته بها ومنعت الناس من لمسها إيمانًا منها بأنَّ محمود سيعود لا محالة"

سيجد الزائر أيضاَ زاوية لأغلفة الكتب التي تُرجمت إلى لغات متعددة، منها ما تُرجم إلى 22 لغة. بالإضافة إلى المخطوطة الأصلية لوثيقة إعلان الاستقلال المكتوبة بخط يده. وهي لحظة مفصلية التحم فيها الشعري بالسياسي في تاريخ القضية الفلسطينية.

تقول ملاك يوسف لرصيف22: " اعتدت زيارة المتحف بين الفينة والأخرى. ما يجعل محمود درويش شاعراً بهذه المكانة هو نتاجه الأدبي الشعري، ومواكبته لأحداث فلسطين السياسية والتاريخية".

كما تُعرض على جانب آخر من المتحف الجوائز التي حاز عليها درويش، موضوعة داخل فجوات طينية صُنعت من تراب قريته البروة في شمال فلسطين وصُنعت على شكل بيوت قروية فلسطينية. وكان هذا التراب جُلب من قريته التي هُجّر منها طفلاً فغطّى جزءاَ من ضريحه.

تصوير جان دوست

جميع هذه المقتنيات والتفاصيل الحميمة تخلق علاقة ألفة ورهبة، في ذات الوقت، مع الزّائر. فنحن البشر تغرينا التفاصيل الشخصية لأشخاص رأينا فيهم أساطير ونجوماَ وشعراء كبار.

ولهذا السبب تسجّل متاحف المبدعين الكبار نجاحاَ كبيراَ في مدن العالم من حيث جذبها للزوّار الذين يشعرون فيها بأنّ هؤلاء لا يزالوا أحياء. يقول هيثم موقدي لرصيف22: "ثمّة شعورٌ رهيبٌ في أن تحوم في مكان له صلةٌ مباشرةٌ بالشاعر محمود درويش، خاصةً حين تستشعر جمالَ المكان ودقة التفاصيل، كأنَّك تعيش كلّ ما فات من حياته مرةً أخرى".

أما رامي عودة فيقول: "متعلقات درويش الشخصية تُعيدك إلى الزمن الماضي، كلّ شيء متقن وعجيب، تشعر بأنّك في حضرة شخص لا يزال حياَ. لم يُفسد الزمن أي شيء".

تصوير أحمد عودة

أيقنة الشاعر الكوني

هذه الأيقنة للشاعر الذي حمل اسمه شارعٌ ومدرسةٌ وجائزةٌ ومتحفٌ وقسمٌ في إحدى الجامعات الغربية تجعل منه أسطورة غير قابلة للنسيان ولا حتى الاستبدال. هل هي أشعاره، أم أساليبه الشعرية، أم استرجاعه للتاريخ بطريقة موازية هو ما عزز هذه الأيقنة؟ يقول الشاعر فارس سباعنة، الذي عمل لسنوات في المتحف، لرصيف22: "بدايةً لا بدَّ من السؤال: هل لشعب أن يعيش دون أسطورة؟ ضرورة وجود الثقافة المشتركة للمجتمعات، هي ضرورة وجود الرموز والأبطال والحكايات الأسطورية التي يتوحد حولها الناس.

هذا الاحتفاء يفتح أسئلةً حول منابعه؛ هل هي سياسية أم شعرية أم أنّها حاجة الشعب إلى رمز وطني؟

ويضيف: "وإذا كان السؤال حول استحقاق محمود درويش القيمي للدخول إلى العاطفة الشعبية دون غيره من الشعراء والمثقفين والمبدعين، فبالتأكيد ليس هو الوحيد الذي يستحق ذلك. فغسان كنفاني وناجي العلي وتوفيق زياد وآخرون هم فعلياً حاضرون في الثقافة العشبية والوطنية. وحكاياتهم شديدة الأهمية والرمزية في أبعادها الإنسانية التي تتجلّى في أدوارهم النضالية والسياسية".وعلى الرغم من تناقض ذلك مع سلامة المنطق وحقيقة الرواية قبل وقوعها في شباك الأسطورة، غير أن عملية الأسطرة، تاريخياَ، تجري نتيجة واقع سياسي وتاريخي، خصوصاَ في سياق حياة شعب يطالب بالمقاومة الثقافية أمام عمليات غزو ثقافية ممنهجة".

ويتابع: "لا شك بوجود أسباب سياسية لانتخاب درويش على عرش الرمز الثقافي الوطني، أستطيع أن أوجزها بالجهد الواعي الذي بذله الشاعر خلال حياته للتقدم المتوازن بين المؤسسة السياسية ممثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية، والحضور الثقافي من المحلي إلى العالمي.

فلا يخفى على أحد أن درويش كان يعمل بجدّ وذكاء على تحسين صيغة حضوره وغيابه. ومن خلال ملاحظاتي اليومية على النتائج المعنوية التي يخرج معها زوار المتحف، أستطيع أن أؤكد على أهمية هذا المشروع الذي يعبّر عن كبرياء الضحية، حين يقدم حكاية أحد ضحايا النكبة عام 1948 بعد أن صار نجماً عالمياً، ويعبّر عن اشتباك شديد الجدلية بين القيمة الثقافية والسياسية للشاعر".

"متعلقات درويش الشخصية تُعيدك إلى الزمن الماضي، كلّ شيء متقن وعجيب، تشعر بأنّك في حضرة شخص لا يزال حياَ. لم يُفسد الزمن أي شيء"

يرى سباعنة أنّ الزائر، إن سمع أو لم يسمع عن محمود درويش من قبل، سوف يخرج مع كتاب يحتوي على شعر حقيقي، كتب بلغة رفيعة وموسوعية، ولا شكّ أنّ ذلك سوف يخدم القضية الوطنية والأساسية، إذا اعتبره الزائر متحفاَ لشاعر فلسطيني، أو متحفاً لشاعر من فلسطين".

قال إلياس خوري في حوار معه عن مكانة درويش: "محمود درويش الشاعر لم يمت. فهو واحدٌ من أربعة ممن صاغوا اللغة الفلسطينية بعد النكبة (إميل حبيبي، إدوارد سعيد وغسان كنفاني) وبالتالي أعادوا صياغة هوية فلسطينية مفاجئة في إنسانيتها وفي تجاوزها للحدود. بدلاً من خروج لغة وهوية منغلقة على نفسها بعد النكبة، خرجت لغة وهوية منفتحة. كأنها تلخص صورة عن كل مآسي الإنسان في العالم".

ما يجعل محمود درويش شاعراً كونياً بالنسبة إلى سباعنة وخوري على السواء، هو شعره ولغته وخطابه الذي نجد فيه الأندلس والهنود الحمر والسود في جنوب أفريقيا، كما نجد فيه المثقف والفلاح والعامل، والأم والبيت والحياة اليومية أيضاً.

ما تقدِّمه المؤسسة للزائرين

أشار القائمون على المتحف إلى أنّ إقامته على هذه الفخامة جاء تكريماً للدور المميَز لدرويش، رائد الشعر الفلسطيني، في إثراء الحياة الثقافية. مؤكدين إلى أنَّ الهدف الأسمى للمتحف يسعى إلى إلقاء حزمة من الضوء على مسيرة الشاعر المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالرواية الفلسطينية، معبِّرةً عن مسيرة النضال الوطني منذ نكبة عام 1948 وصولاً إلى أفق التحرر الشعبي والسياسي.

يبقى السؤال هو حول المستقبل الذي تتطلّع إليه مؤسسة محمود درويش، ومؤسسات ثقافية أخرى في فلسطين، في ظلّ الواقع السياسي والاجتماعي الآخذ في الترهّل.

هذا ما أكَّد عليه قيس الرنتاوي مدير مؤسسة محمود درويش، في حديثه مع رصيف22: "محمود درويش هو عنوان ورمز للشعب الفلسطيني، وأهمية هذه المؤسسة تنبع بالدرجة الأولى من كونها تحمل اسم محمود درويش. كذلك فإنّ وجود ضريح الشاعر داخل المتحف يدفع الزوار إلى المجيء لزيارته، سواء كانوا من أبناء فلسطين أو من السياح والأجانب، بالإضافة إلى رؤساء دول وحمَلة حقائب سياسية ووزارية. طلبة مدارس وجامعات يأتون أيضاَ احتراماَ لهذا الشاعر الكوني الكبير".

الزيارات شبه يومية إلى المتحف، خاصّة في فصل الصيف، حيث تُعقد الأنشطة الثقافية. يقول الرنتاوي لرصيف22: "تعكف المؤسسة دائماً على تقديم أنشطة ثقافية وفكرية متنوعة، من عقد ندوات، إطلاق كتب، أمسيات حوارية، أمسيات فنّية، مهرجانات، وتستضيف المؤسسة مثقفين ضمن برنامج "مبدع في حضرة درويش ".كما تقدِّم جائزة محمود درويش السنوية التي يُعلن عنها في يوم ميلاده المتزامن مع يوم الثقافة الوطني في الثالث عشر من آذار/ مارس تشجيعاً للأدباء ودعماً للأدب، دون أن تقتصر على الساحة الفلسطينية فحسب، بل تشمل الأدباء من داخل الوطن وخارجه.

يبقى السؤال هو حول المستقبل الذي تتطلّع إليه مؤسسة ومتحف محمود درويش، ومؤسسات ثقافية أخرى في فلسطين، في ظلّ الواقع السياسي والاجتماعي الآخذ في الترهّل. الأمر الذي يحمّلها مسؤوليةً إضافية بالنهوض بالمشهد الثقافي وإغنائه. إذ أنّ مجرَّد حمل المؤسسة لاسم محمود درويش ليس كافياً ليعفيها من الدَّور الثقافي الكبير الذي يقع على كاهلها. الدور الذي يجعل من متاحفنا أمكنة نابضة بالحياة، ومن تراثنا مادّة للتفكّر والنقد والبناء. أما حضور درويش في هذا المكان فسيظلّ مثل غيابه، حاملاً لدلائل كثيرة أمام عيني المثقّف والسائح وابن فلسطين والإنسان الآتي من أي بلد أو عرق، وكلّ باحث في تراث فلسطين، وكلّ منقِّب في روح الإنسان المعاصر وهويته. ليكتشف أنه ما من شيء يموت بشكل كلي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard