"مسرح جريمة" داعش بحق التاريخ… افتتاح متحف الموصل يقترب

الأربعاء 3 مارس 202102:05 م

برغم مرور ست سنوات على الواقعة، لم تغب مشاهد تدمير مقاتلي داعش للتماثيل والآثار القديمة وسط قاعات عرض متحف الموصل عن الأذهان.


الآن، وتزامناً مع مرور ستة أعوام على الهجوم الوحشي للتنظيم الإرهابي عام 2014، تجري عمليات إصلاح متحف الموصل على قدم وساق وسط توقعات بافتتاحه عام 2023 أو عام 2024.


ومتحف الموصل هو ثاني أكبر وأهم المتاحف في العراق بعد متحف العاصمة بغداد، وكان قد أُسس للمرة الأولى عام 1952، قبل أن يشاد المبنى الموجود حالياً عام 1972. يضم المتحف أقساماً (قاعات عرض) للآثار الآشورية والإسلامية وغيرها.


دمار رهيب

فيما قد يظن البعض أن ثماني سنوات - ست سنوات سابقة وسنتان مقبلتان - مدة طويلة على إعادة ترميم الموقع الأثري الثمين، إلا أن حجم الدمار الذي خلفه داعش كان رهيباً. يكفي لاستيعاب ذلك استرجاع مشهد أفراد التنظيم وهم يحملون منشاراً كهربائياً ومطارق، وينهالون بها على الآثار تكسيراً وتفتيتاً. 

قد يظن البعض أن ثماني سنوات فترة طويلة لإصلاح متحف لكن تذكروا كيف وقف مقاتلو داعش بالآلات الكهربائية والمطارق يهشّمون بها التماثيل خلافاً لما نهبوه وأحرقوه! 

لم يتم حصر الضرر الذي لحق بمحتويات المتحف إلا قبل مرور عامين كاملين على استعادة العراق السيطرة على الموصل عام 2017. في نهاية المطاف، ما دمّره داعش في دقائق من هجومه الهمجي على المتحف تطلب أعواماً لإصلاحه. ساهم الإغلاق على إثر جائحة الفيروس التاجي في تعطيل سير أعمال الترميم أيضاً.


سيطر داعش على ثلث مساحة العراق بين عامي 2014 و2017، بما في ذلك مدينة الموصل. وضمّت مناطق سيطرة التنظيم في البلاد 1800 موقع أثري، من جملة 12 ألف موقع.


من الكنوز الأثرية التي تضررت في متحف الموصل المنحوتاتُ الآشورية التاريخية التي فتتها أعضاء التنظيم إلى قطع صغيرة، في ما يعتقد بأنه كان جزءاً من عملية "محو التراث الثقافي لأمم ما قبل الإسلام". وصفت الأمم المتحدة الاعتداء آنذاك بأنه "جريمة حرب".


في تصريح لموقع "آرت نت نيوز" المتخصص، قال ريتشارد كورين، السفير المتجول لمؤسسة سميثسونيان الأمريكية للتاريخ والفنون والثقافة، ومقرها واشنطن: "أتذكر المرة الأولى التي وصلت فيها هناك (المتحف). كان (الموقع) ساحة حرب تماماً". كان كورين من أوائل الذين زاروا المتحف عقب استعادته من قبضة داعش.


علاوةً على القطع الأثرية المفقودة والمنهوبة، أُحرق نحو 25000 مجلد من مكتبة المتحف وتعرض المبنى نفسه لأضرار جسيمة، أبرزها حفرة بطول 18 قدماً في أرض القاعة الآشورية بسبب انفجار قنبلة.


انضمت سميثسونيان إلى جهود إعادة إحياء المتحف العراقي ضمن اتحاد دولي تشكّل في حزيران/ يونيو عام 2018 لحصر الأضرار التي لحقت بالمتحف وإجراء إصلاحات طارئة والقيام بأعمال الحفظ الشاملة تمهيداً لإعادة افتتاحه للجمهور.


تعاون دولي لوقف "كارثة ثقافية"

كان الإسراع بمحاولة إصلاح ما فعله داعش بالمتحف يمثل مخاطرة إذ لا تزال هنالك تكهنات بوجود بقايا أو خلايا نائمة للتنظيم بالقرب منه. أقر كورين بأنه وفريق منظمته كانا على علم بذلك وخضعا لتدريب على الكمائن والتفجيرات الوهمية وما قد يتعرضان له في العراق.

كان داعش يهدف إلى "محو التراث الثقافي لأمم ما قبل الإسلام" حين بطش بمتحف الموصل. قريباً، سيكون المتحف قادراً على استقبال ضيوفه وتذكيرهم بأصولهم والأمم التي سكنت العراق قبلهم

وأوضح: "إنه مكان خطير"، مبرزاً أن العمل "ليس ما تتوقعه عادةً كأهل متاحف".


كانت المنظمات الدولية المشاركة في جهود إعادة إحياء المتحف تتفهم المخاطر جيداً لكنها تعي أيضاً ضرورة إعادة بنائه. يشارك في العملية حالياً، إلى جانب مجلس الدولة العراقي للآثار والتراث ومؤسسة سميثسونيان، متحف اللوفر في باريس والصندوق العالمي للآثار والتراث والتحالف الدولي لحماية التراث في مناطق النزاع.





قال كورين: "كانت هذه كارثة ثقافية هائلة في منطقة من العالم تعتبر أحد مصادر الحضارة لكل من الشرق والغرب"، مستدركاً بالقول إن "داعش فعل ما لم يفعله لأن المتحف أو المواقع الثقافية الأخرى لم يكن لها أي أهمية عسكرية... داعش كان يدمر البنية التحتية المدنية، ويسلب الناس أسلوب حياتهم".


قبل أعمال الترميم، تم توثيق الأضرار وجمع الأدلة على جرائم التنظيم مثل طلقات الرصاص الفارغة ومقاطع الفيديو المعروضة لأعمال التدمير. قال كورين عن ذلك متحسراً: "فقط تخيل أنك تدخل إلى متحف وتنظر إليه كمسرح جريمة".


حتى الآن، يصعب تقييم وضع المقتنيات الأثرية التي كانت بالمتحف قبل وصول داعش. ليس واضحاً تماماً ما الذي تم تدميره أو نهبه بالضبط، لا سيما أن بعض العاملين بالمواقع الأثرية حملوا جزءاً من المقتنيات وهربوها خشيةً عليها من نهب التنظيم أو تدميره.


ونبّه كورين: "قام الموظفون بإزالة الأشياء. لقد نقلوا أغراضاً عبر النهر إلى (محافظة) نينوى. هناك، كانت القطع الأثرية تخضع لظروف حفظ أقل من المطلوب، لكنها نجت من بطش داعش".


ساعد ذلك على بقاء المتحف سليماً من الناحية الهيكلية. وقد استعاد الصندوق العالمي للآثار والتراث حديثاً الخطط الأصلية للمبنى الرئيسي للمساهمة في عملية إعادة البناء. سيتم أيضاً إصلاح الجدران والأرضيات والسقف، مع بناء مختبر ترميم لمعالجة المنحوتات والأشياء التالفة.


وعن موعد افتتاح المتحف، أعرب كورين عن أمله في أن يستقبل المبنى الرئيسي للمتحف الضيوف مرة أخرى عام 2023 أو عام 2024، مضيفاً "عملية الاستعادة ليست مجرد عملية هيكلية، وهذا ما تعنيه مثل هذه المؤسسات من حيث المعرفة والتاريخ والفن والثقافة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard