دون طناني... عن الحفر في الذات وملامسة أسرار الخلود

الأربعاء 14 أبريل 202110:03 ص

في محاولة لتعريف الجمال بعبارات ملموسة، يقول شيلر إن "الشيء الجميل ليس مجرد حياة ولا هو مجرد شكل، وإنما شكلٌ حيّ"، والشكل الحي مرادف لما تنجزه Don Tanani عبر اشتغال فكري ويدوي، يدمج التراث المحلي وسمات التصميم العصري، إذ لا تُعد علامة تجارية أو غاليري للديزاين بقدر ما هي حركة فكرية وفنية متمردة ومضادة للاتجاهات المادية البراغماتية السائدة في التصميم.

نقرأ في بيانها الافتتاحي: "علينا أن نستعيد التاريخ... حضارة تتقن الفن والتصميم لا يمكن أن تندثر. لدينا ما نحتاجه هنا في مصر؛ المكان الذي بدأ فيه كل شيء".

وقد اجتمعت شركة التصميم الداخلي المصرية Living In Interiors التي تأسست عام 1992 على يد أشرف الطناني، مع مصنّع الأخشابAr – Co لإطلاق روية جديدة للأثاث المعاصر، من خلال العمل مع المصممة المصرية لينا العرابي.

 Don Tanani  لا تُعد علامة تجارية أو غاليري للتصميم بقدر ما هي حركة فنية متمردة ومضادة للاتجاهات السائدة في التصميم. نقرأ في بيانها الافتتاحي: "علينا أن نستعيد التاريخ... حضارة تتقن الفن. لدينا ما نحتاجه هنا في مصر؛ المكان الذي بدأ فيه كل شيء"

بعد عامين من التجهيز، تطلق مجموعتها الأولى تحت عنوان duality (ثنائية) لتقوّض النظريات حول ماهية التصميم وأهدافه، ففي عصر يتم فيه نسخ الأفكار وتكرارها في جميع أنحاء العالم بشكل "فيروسي"، تقدّم دون طناني تصاميم ذات أبعاد شكلية وجمالية مخالفة ومثيرة، تجمع فيها عناصر ومرجعيات مستوحاة في الغالب من الثقافة الشعبية والتراث المصري القديم.

الشكل يتبع العاطفة

صحيح أن الإنتاج المتسلسل والمولع بإضفاء "روح" التكرار في التصميم، أثبت جدواه وفعاليته في الرد على احتياجات الناس، وانحصر دور المصمم في إيجاد طرق مُثلى لتنظيم عملية تكرار العناصر الإنشائية بصورة آلية، والعمل على تطويع مهام التقييس Standardization ووسائل الإنتاج الصناعي الكمي، لكن هذه المجموعة الافتتاحية تتجه نحو تحطيم وهدم المألوف في تصميم الأثاث، تفكيك الكل المترابط وإعادة تشكيله مرة أخرى بصورة حرة وغير آلية، تمنح المصّمم حرية التعبير والتشكيل للأشياء الاستخدامية.

تقول لينا العرابي لرصيف 22: "كان التحدي الأكبر بالنسبة لي هو الحصول على القدر الكافي من الحرية، لأن التصميم عادة ما يرتبط بقيود ومتطلبات. لكن لحسن الحظ، مع توجيه لطيف من دون طناني، تمكنا من إيجاد طريقنا إلى هذه المجموعة".

مجموعة لا تهمل الجوانب الوظيفية في التصميم لكنها تنتصر لروحية الأشياء وتوظف المواضيع المأخوذة من التراث من أجل الإشباع الحسي والإثارة استناداً إلى مبدأ "الشكل يتبع العاطفة والمتعة النفسية الجمالية".  فمنذ بداية مسيرتها تؤمن العرابي بأن "الأشياء التي نراها ونستخدمها كل يوم لها تأثير عميق في حياتنا، علاقتنا بها تتجاوز الشكل والوظيفة، ثمة أيضاً العاطفة والانفعال والسعادة التي يجلبها لنا المنتج الجيد، وثمة الحكاية التي علينا أن نحكيها".

في البدء كانت الحكاية

الحكاية منطلق لبناء عالم بصري كامل، تشظت خلف إيقاعات وتكوينات نجدها في مجموعة Duality (ثنائية) التي تبدو منجزة بهدوء شديد، لا يحيلنا التأمل فيها إلى خلاصات قطعية بقدر ما يضعنا أمام المزيد من الأسئلة.

فحين نجد منضدة تحمل اسم Nebu & Kem، علينا أن نعود إلى الحكاية وأن نبحث في مفردات الحضارة المصرية القديمة لنعرف أن "نيبو" هو رمز الذهب، الذي اعتبره المصريون القدماء معدناً سماوياً غير قابل للتدمير وارتبط بعقيدة الخلود، فقد كان يشار إلى الإله رع إله الشمس باسم "جبل الذهب"، أما "كيم" فتعني اللون الأسود، وهو لون الطمي الذي يخلّفه غمر النيل ولون أوزيريس، إله الموتى.

تصاميم مخالفة ومثيرة مستوحاة من الثقافة الشعبية والتراث المصري القديم... 

تلفتنا حركة المنضدة التي تبدو منقسمة إلى قطعتين: واحدة منحوتة من خشب البلوط الطبيعي وأخرى من البلوط المُعالج حرارياً المكسو بالطلاء الأزرق الكامد. النور والظلام هنا توأمان، كلاهما ندُّ مساوٍ للآخر وكلاهما ملتحم في صراع أبديّ مع الآخر، يلتفّ حوله في دورة أبدية.

لا ثرثرة مجانية في هذا المشروع البصري. الانضباط الأسلوبي ممزوج برغبة الفنانة في ترك هذه التكوينات في نوع من المينيمالية التي لا تلغي الحركة. مقعد Ouroboros (وهو من بين القطع المفضلة لديها) مصنوع هو الآخر من خشب البلوط، يدور حول نفسه كالثعبان في انسيابية مفرطة.

ما يصلنا هو تعبير مكثف عن عناق بين شخصين، جسدين متصلين في حركتين متناظرتين، حيث الانحناءات والخطوط الخارجية تسمح للمشاهد بالتقاط سريع لمزاج المجموعة ككل، وكأن الفنانة قد اختارت أن تنطلق من مقولة "كل شيء في سيلان دائم، لا شيء يبقى جامداً".

وتضبط المصممة بقية أعمالها وفق ثيمة "الثنائية" التي نجدها أيضاً في خزانة ISFET ذات مظهر ملتو يجمع بين ليونة المنحنيات وحدّة الزوايا. إلى جانبها نقيضتها MAAT، وهي رفّ حائط يتخذ شكل جناحين يلتقيان في حركة أثيرية، نُحتا على الطريقة المصرية القديمة التي تجعل الموتيفات تتدفق على الجانبين مثل الريش.

وهنا نعود إلى الحكاية مجدداً، إلى إحالات خارج حقل الرؤية: إذ تعني كلمة "إسفت" بالمصرية القديمة الظلم أو الفوضى، تقابلها "ماعت" التي تعني النظام الكوني أو التوازن. ووفقاً للمعتقدات المصرية القديمة يُكوّن كل من إسفت وماعت ثنائية متكاملة ومعضلة في نفس الوقت، حيث لا يمكن لأحدهما التواجد بدون الآخر.

وفي حين يتم تجسيد إسفت على شكل ثعبان، تأخذ ماعت هيئة امرأة شابة بجناحين أو بريشة على رأسها. ويُذكر في كتاب الموتى عند قدماء المصريين أنه يوم الحساب في العالم الآخر، يُوضع قلب الميت على الميزان في كفة وتوضع ريشة الإلهة ماعت في الكفة الأخرى، فإذا رجحت كفة الريشة يدخل الفردوس، وإذا رجحت كفة القلب يذهب إلى الفناء.

التمرد على الكيتش

لا تخفي لينا العرابي ما يشعر به المصمم المعاصر من تغريب وضياع، تقول: "تراثنا الثقافي غني بشكل لا يُصدّق، عمره آلاف السنين لكننا نحس بأننا مجرد سياح كلما اقتربنا منه".

وحين عادت العرابي إلى مصر عام 2009 بعدما أنهت دراستها في بريطانيا، وجدت أن أغلب المنتجات التي تدّعي الاستلهام من التراث، مُغرقة في الكيتش البرّاق، ولا تتماشى مع الطابع الحديث للمنازل، لذلك ارتكزت تجربتها على خطوط بحثية جديدة كي لا تنجز شكلاً نمطياً له مرجعيات في الذاكرة.

التأسيس المشاغب لتكوينات لا تنتصر فيها التقنية على المعنى هو جزء من لعبتها في تحويل الشكل من مجرد حرفة، لكونه سلسلة من الوثائق التي تحيلنا إلى الميثولوجيا. وفي هذه المجموعة يغريها كائن أسطوري مُلغّز هو الثعبان، رمز التجدد والانبعاث، الذي وإن كان تجسيداً للشر والفوضى عند قدماء المصريين، إلا أنه جزء لا غنى عنه من النظام الكوني.

الثعبان " آبيب" على سبيل المثال، الذي يُعرف أيضاً ب"أبوفيس" هو خصم إله الشمس رع الذي يأخذ مركبه السماوي كل ليلة ويخوض ضده معركته اليومية كي تشرق الشمس في اليوم التالي وتستمر الحياة.

صورة هذا الأفعوان الضخم وهو يلتف حول نفسه عدة مرات في الرسومات على جدران المعابد استلهمتها الفنانة في أغلب تصاميمها ذات الالتواءات والتموجات، بما فيها طاولة APEP الخشبية المطعمة بعظام الإبل التي تخلق تبايناً بين الأشكال النافرة والمحفورة.

لا يأخذ تعامل العرابي مع مفهوم الاختزال بعداً كلاسيكياً عرفناه في النحت التقليدي، لأنه هنا لا يطال فقط ما هو زائد عن الكتلة بل الكتلة نفسها. هي مرحلة متقدمة وقاسية لإقصاء الشكل بمعناه الطبيعي، وتقديم اقتراح بصري يندمج فيه المفهوم الإنشائي في اللغة الهندسية باللغة المفهومية conceptual.

تنقلب المصممة الشابة على البنى البصرية التقليدية عبر سبر الحركة الداخلية للشكل وقدرته على بناء علاقة مع الفضاء المحيط به لإدراك علاقته بمحيطه. تقول: "أخلق إنشاءات حيوية تقدم شيئاً لمن يشاهدها أو يستخدمها. هي ليست قطعاً جامدة بقدر ما هي روح تستكشف وتغيّر الفضاء الذي تتواجد فيه"

الشرق هاجس والغرب تحدٍّ

يأتي التنوع والغنى الشكلي والإيقاعي لهذه التكوينات من دمج الأخشاب الطبيعية وتقنيات قشرة الخشب والخامات الحيوانية مثل عظام الإبل. وقد استُخدم هذا التطعيم والتكسية والنقوش الزخرفية بالحفر في الحضارة المصرية القديمة لإنتاج قطع جميلة من الأثاث والصناديق والعلب.

تنقلب المصممة لينا العرابي على البنى البصرية التقليدية، وتقول: "أخلق إنشاءات حيوية تقدم شيئاً لمن يشاهدها أو يستخدمها. هي ليست قطعاً جامدة بقدر ما هي روح تستكشف وتغيّر الفضاء الذي تتواجد فيه"

مقبرة توت عنخ أمون احتوت على مثل هذه القطع التي تدل على مهارة الصنّاع، ونخص بالذكر صندوقاً خشبياً مطعماً بمستطيلات صغيرة من العاج والأبنوس قدرت بـ33 ألف قطعة، ما يشهد بكفاءة النجارين الذين مدحتهم النصوص القديمة: "لا نهاية لعمل النجار/ يتعب أكثر مما تحتمل يداه/ وفي الليل يضيء الشموع ليكمل عمله".

أتقن المصريون فن الزخرفة بالعاج والأحجار الكريمة والزجاج ومعجون الألوان، وكانت الأخشاب الرخيصة تدهن بطبقة من الورنيش تعطيها مظهراً أكثر فخامة وتُزين بالذهب أو الفضة. أما النقش بالحفر والتفريغ الذي ينطوي على عمل فتحات عديدة تتخذ شكلاً زخرفياً، فقد كان أسلوباً رائجاً، اعتمدته لينا العرابي في قطعة MAAT.

لذلك لا تبدو تجربة دون طناني مجرد فكرة جميلة بقدر ما هي قيمة بحثية تأتي من الميل الدائم للاستفادة من التراث، واستخدام معطياته بطريقة مُلهمة تُمرّر أيضاً تحفيزات حول مفاهيم مُلّحة في واقعنا الراهن مثل: الهوية، مقومات التصميم في المجتمع العربي وقدرته على التعايش مع ما يفرزه العالم من تقنيات وأفكار.

وتبدو لينا العرابي متفائلة بهذا الخصوص: "يتلقى سوق التصميم المصري الكثير من الاهتمام مؤخراً وأصبح الناس أكثر انفتاحاً على المنتجات المحلية، يبحثون عن طرق جديدة للتعبير عن هويتهم. لدينا تركة مهولة ستمكننا من تطوير مشاريع استثنائية".

مغازلة الخلود

سيبدو عنوان Duality (ثنائية) عميقاً ومثالياً حين نلقي نظرة متمهلة على كل الأعمال، لكننا سنعود مراراً إلى مانيفستو دون طناني الذي يضفي هالة قدسية على قطع الأثاث، واصفاً إياها بأنها "تُخلّد اللحظة". نقرأ: "في مصر القديمة تعتبر الأشياء صورة حية لصاحبها، تحافظ على شكلها ووجودها في العالم الآخر".

نعرف أن أنواع الأثاث المصري القديم تختلف باختلاف وظيفته وغرضه؛ سواء كان أثاثاً دنيوياً، كالأسرّة ومساند الرأس والكراسي والأرائك والمناضد والخزانات، أو جنزياً، كالأسرة الجنزية والتوابيت والصناديق التي تحوي أنبوباً من الكحل ومشطاً عاجياً وخُفّين، ترافق المتوفي في العالم الآخر.

"لتأخذ مكانك في سيد الحياة (التابوت)/وتدفن في مقبرة صخرية بالغرب/ولتصبح روحاً حية/الخبز والماء والهواء رهن إشارتك/ولتعبر في المركب دون أن تُعاق/وليحدث أن تحيا من جديد"

ويعيدنا التركيز على مفردة "الخلود" هنا إلى الاستخدام الطقوسي لهذه الأشياء وإلى متون التجلي والتراتيل المقدسة التي تخاطب الموتى بالتمنيات لهم بالصحة في رحلتهم الأبدية:

لتأخذ مكانك في سيد الحياة (التابوت)

وتدفن في مقبرة صخرية بالغرب

ولتصبح روحاً حية

الخبز والماء والهواء رهن إشارتك

ولتعبر في المركب دون أن تُعاق

وليحدث أن تحيا من جديد

وروحك إلهية مع المتجلين

ولتخرج كل يوم

ولتعد كل مساء

وسيشعل المرء لك شعلة

في الليل، حتى يشرق ضوء

الشمس على صدرك

ويقول لك المرء "مرحبا مرحبا"

في منزلك، منزل الأحياء.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard