أغلفة الكتب والذاكرة البصرية العربية الغنيّة

الثلاثاء 2 فبراير 202112:39 م

"أرشيف تصميم الغلاف العربي" مشروع أطلقه المصمّم والباحث المصري محمود الحسيني، لتوثيق تاريخ التصميم العربي، ومشاركة العالم سمات الثقافة العربية كما تعكسها أغلفة الكتب بدعم من المجلس العربي للعلوم الاجتماعيّة ACSS والصندوق العربي للثقافة والفنون AFAC ومؤسسة Barjeel ومؤسّسة "بروهيلفتيا كايرو". وهو مشروع يهدف لحفظ الذاكرة البصرية العربية، ويسعى لتحقيق فهم أعمق لدور التصميم في تشكيل الهوية وحفظها.

يأمل الحسيني من خلاله مشروعه هذا أن يوفّر نقطة مرجعية جديدة للمصممين العرب، تمكّنهم من النظر إلى تاريخهم والاستلهام منه. ويعتبر الحسيني أن "مشكلتنا كمصممين عرب أننا نفتقر لمعرفة متعمقة حول تاريخ التصميم ومراحله الرئيسية، فكل ما تعلّمناه وكل ما نعرفه عن مجال التصميم، للأسف، مبني على أصول غربية بحتة".

بدايات المشروع

بدأ اهتمام الباحث المصري محمود الحسيني بأغلفة الكتب كشغف شخصي خالص، وهو الذي لطالما لفتته أغلفة الكتب القديمة التي كان يجدها في الأسواق الشعبية المخصّصة لبيع الكتب، فكان يقتنيها لأهداف تجميعية شخصية. يقول الحسيني: "كنت أقتني الكتب التى تؤرخ لمختلف مراحل تطوّر عملية تصميم الغلاف، وأقوم بتصوير أغلفة الكتب القديمة لدعم قاعدة مصورة شخصية خاصة بي، نابعة من شغفي بمجال التصميم".

نجح محمود الحسيني وفريقه البحثي بتوثيق 3500 غلاف كتاب عربي، وقد اشتملت عمليات التوثيق التي قام بها الفريق على مسح ضوئي عالي الجودة لأغلفة الكتب، رافقه بحث وعرض لمعلومات توثيقية أخرى مرتبطة بالكتب الموثّقة

ولكن في العام الماضي، قرّر الحسينى تحويل شغفه بالاقتناء إلى مبادرة خاصة لأرشفة وتأريخ التطوّر الذي شهدته أغلفة الكتب العربية، في المرحلة الممتدة من منتصف ثلاثينيات القرن العشرين إلى منتصف تسعينياته. فتفرّغ بشكل تام لهذا المشروع، وشكّل فريق دعم من الباحثين المتطوعين، تألّف من: أميمة دجاني من فلسطين، ويمان طعمة من لبنان وكريم فؤاد من مصر وصوفيا علمي من المغرب.

أهداف المشروع

محمود الحسيني الحاصل على درجة الماجستير فى التصميم من جامعة لندن للفنون، يرى أن مشروعه الخاص يهدف لإنشاء أرشيف يُضيء على تاريخ التصميم العربي، ويجيب على أسئلة كثيرة لا يجد لها المصمّمون العرب أية إجابات. يقول الحسيني: "حاولت إلقاء نظرة على تاريخ تصميمنا، ولم أجد شيئاً. لذلك، قرّرت إنشاء أول أرشيف عام يخدم هذا المجال بالذات. ولأننا نفتقر إلى وجود أرشيفات مناسبة، فإن العديد من معارفنا غير متطورة، وتم استبدالها بالمعرفة الغربية باعتبارها الشكل الوحيد للمعرفة الموجود".

محمود الحسيني:"مشكلتنا كمصممين عرب أننا نفتقر لمعرفة متعمقة حول تاريخ التصميم ومراحله الرئيسية، فكل ما تعلّمناه وكل ما نعرفه عن مجال التصميم، للأسف، مبني على أصول غربية بحتة"

توثيق 3500 غلاف كتاب عربي

نجح الحسيني وفريقه البحثي إلى الآن بتوثيق 3500 غلاف كتاب عربي، وقد اشتملت عمليات التوثيق التي يقوم بها الفريق على مسح ضوئي عالي الجودة لأغلفة الكتب، رافقه بحث وعرض لمعلومات توثيقية أخرى مرتبطة بالكتب الموثّقة: من اسم المؤلف، إلى اسم مصمّم الغلاف، إلى مكان النشر وزمانه، وغيرها من المعلومات التي تهمّ الباحثين في مجال التصميم العربي.

يأمل الحسيني أن يُتوَّج مجهود فريقه البحثي بوضع كل أغلفة الكتب والمعلومات المرتبطة بها على موقع إلكتروني خاص في نهاية العام الحالي، يُتيحه بشكل مجاني لكل المهتمّين بأغلفة الكتب وتصاميمها.

مصادر أغلفة الكتب وطرق جمعها

وعن مصادر الأغلفة وطرق جمعها، يذكر الحسيني أنه يقوم مع فريقه البحثي، كلٌّ في البلد الذي يتواجد فيه، بجمع أغلفة الكتب من كل مكان ممكن: من دور النشر، مصممي الأغلفة، هواة الاقتناء، الأصدقاء، الأسواق الشعبية لبيع الكتب والمكتبات الشخصية لبعض الأفراد: "أينما نجد الكتب، نعمل على توثيقها"، يؤكّد الحسيني.


"القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ"

وعن تجربة الفريق في بيروت التي كان لها دور ريادي في مجال الطباعة والنشر، قال الحسيني: "للأسف، لم نستطع بعد أن نحقّق استفادة قصوى من تاريخ بيروت العريق في مجال الطباعة والنشر، وذلك بسبب الظروف الصعبة التي مرّ بها لبنان منذ انطلاق مشروعنا إلى اليوم. لكن عيننا ستبقى على بيروت، ومن المؤكّد أنه سيكون لهذه المدينة دور محوري في التأريخ للتصميم العربي، والمساهمة في فهمه بشكل أعمق".

"أرشيف تصميم الغلاف العربي" يهدف لحفظ الذاكرة البصرية العربية، ويسعى لتحقيق فهم أعمق لدور التصميم في تشكيل الهوية وحفظها

الملامح المشتركة للتصاميم العربية

سألنا الباحث محمود الحسيني عن الملامح المشتركة بين التصاميم العربية على اختلافها؛ وإن كان هناك ما يميّز مثلاً غلافات الكتب المطبوعة في الخمسينيات عن تلك المطبوعة في السبعينيات؟ فأجاب: "هناك الكثير من الأنماط التي تظهر أثناء قيامنا بجمع الكتب، لكن لا يمكننا بعد استخلاص ما يميّز حقبة زمنية معيّنة، كوننا في بدايات مراحل البحث والتجميع.

ولسبب بسيط آخر وهو أننا بحاجة لرؤية الصورة الكاملة للكتب المطبوعة في الخمسينيات مثلاً، لنستخلص منها السمات المشتركة لأغلفة الكتب في تلك المرحلة الزمنية، وهو ما ستتيحه بالتأكيد خاصيات البحث المتعدّدة في الموقع الإلكتروني الخاص بالمشروع الذي نعمل عليه".

 ومع ذلك، يضيف الحسيني، أنه لاحظ، وبشكل أوّلي، خصائص محددة تميّز العصور المختلفة وتختصّ بأنواع الكتب المختلفة، وحتى الموضوعات المختلفة التي تتناولها الكتب. فعلى سبيل المثال، لاحظ الحسيني أن "هناك استخداماً شائعاً وواضحاً للونيْ الأحمر والأسود مع أي شيء مرتبط بإسرائيل أو الحروب الإقليمية".

أغلفة اليوم مقارنة بالماضي

وعن رأيه في أغلفة كتب اليوم مقارنةً بأغلفة الكتب في الماضي، يؤكّد الحسيني أنه شخصياً، لا يرى أي شرارة في تصميمات الكتب الحالية ذات الأغلفة اللمّاعة التي يجدها في المكتبات الحديثة المكيّفة.

ولدى سؤاله عن أسباب التراجع في التصاميم، مع التطوّر الكبير الذي شهده مجال التصميم مؤخّراً، يذكر الحسيني أنه لم يلمس أيّ تطور في مجال التصميم العربي، وأن من أحد أهداف "أرشيف تصميم الغلاف العربي" أن يكون بمثابة مادّة تعليمية للمصمّمين، تجعلهم يستلهمون من التاريخ الغني للتصاميم العربية ويطوّرونها.

ويؤكّد الحسيني: "لا ندّعي حقوق التأليف والنشر لأي من التصميمات. هذا الحق محفوظ لكل دار نشر ومصمم عمل. لن ندعم نسخ هذه المواد لأي استخدام تجاري دون الحصول على حقوق التأليف والنشر بشكل قانوني".

المانيفستو The Manifesto

صدر حديثًا عن "أرشيف تصميم الغلاف العربي" بيانًا لخّص أهمّ أهداف ورؤى القائمين على هذا المشروع وتضمّن دعوة مفتوحة للمصمّمين والفنّانين وجامعي الأعمال الفنيّة والمؤسسات الثقافية للمشاركة  في "رحلة استعادة تاريخ التصميم العربيّ".

وقد ركّز البيان على نقاط عديدة أبرزها، أنّ هويّتنا العربية المُفترضة تغطّ في سباتٍ عميق، حتّى أنّ رحلتنا في السّعي لمعرفتها أصبحت غامضةً ومُشوّشة. ومرّة بعد أخرى، نجد أنفسنا مُكرهون على أن نشهد تشكّل هويّتنا من خلال المنظور الغربيّ لمجتمعاتنا وثقافتنا.

"ما هو لنا حتماً موجود، إننّا نعرفه، فقد اختبرناه ولمسناه وسمعنا عنه. إنّه ينادينا، حين نصغي جيّداً نسمع صراخه"

وأعلن القائمون على هذا المشروع أنّهم يسعون للوصول إلى وجودٍ يشبه حقيقتنا مؤكّدين أنّ "ما هو لنا حتماً موجود، إننّا نعرفه، فقد اختبرناه ولمسناه وسمعنا عنه. إنّه ينادينا، حين نصغي جيّداً نسمع صراخه. إنّه محجوبٌ عن الأعين في الغرف الباردة المغلقة، مُهملٌ أو صعب الوصول. بيننا وبينه جدران البيروقراطيّة، والعنصريّة، والهلع، والاضطهاد، والتزمّت، والطبقيّة، والرجعيّة، والارتياب، والنّفاق، والاستهلاكيّة وعدم الثّقة".

الخطوات المستقبلية

وعن تطلعاته لأخذ الأرشيف إلى ما هو أبعد من جمع صور الأغلفة، يذكر الحسيني أن فريق العمل على الأرشيف انشغل في الفترة الماضية فقط بالتجميع والتنظيم. "وبمجرد الانتهاء من ذلك، سننشر المزيد من المواد عبر الإنترنت، حتى يتمكن الأشخاص من الوصول إليها وإجراء المزيد من الدراسات. كما نأمل أن نطلق الموقع الإلكتروني الخاص بمشروعنا خلال هذا العام ليكون بمثابة مادة تعليمية للآخرين".

وفي حال تأمين المزيد من الدعم المادي للمشروع، يأمل الحسيني بإقامة سلسلة من المعارض في عدد من الدول، تتضمن صوراً عن أغلفة الكتب، بالإضافة إلى نسخ الكتب الأصلية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard