"المغتربون يضلّلوننا"... عادوا من الخارج إلى غزّة وبدأوا من الصفر

الأربعاء 31 مارس 202106:27 م

غادر قطاع غزة الشاب عمر سليم (25 عاماً)  في أيلول\ سبتمبر 2017 ، متجهاً إلى أبو ظبي، بعدما فشل في الحصول على فرصة عمل محلية تمكنه من أن يعيش حياة كريمة.

بعد محاولات حثيثة استمرت عدة أشهر تمكن سليم، وهو حامل لشهادة الثانوية العامة، من الحصول على فيزا عمل في دولة الإمارات، وقد استجابت أمه لطلبه ببيع بعض مصاغها لأجل توفير تكاليف السفر. وصل إلى هناك، غير أنه اصطدم بالتكلفة الباهظة لاستئجار السكن، فضلاً عن الحاجة إلى ضرورة استصدار رخصة قيادة. إذ ذاك اضطر إلى تغيير وجهته، منتقلاً بعد مضي شهرين من أبو ظبي إلى إسطنبول، حيث وجهة العمالة الفلسطينية والمحطة الأولى التي تسبق الهجرة إلى أوروبا.

"المسألة لم تكن بهذه السهولة".

"المسألة لم تكن بهذه السهولة، لكني فعلت ذلك تحت وطأة البحث عن عمل"، يقول سليم.

وأضاف سليم، وهو من سكان مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة: "حقاً وقعت في كارثة، تفاجأت بحجم التضليل الذي يمارسه المغتربون الشباب هناك، لأني بالكاد استطعت استئجار سرير في مسكن يضم ثلاث غرف وفي كل غرفة يقيم خمسة أشخاص بقيمة إيجار يومي توازي قيمة الأجرة التي يمكنك الحصول عليها".

في بداية الأمر، أنكر سليم على نفسه الفشل، في محاولةٍ منه للتأقلم مع الواقع الجديد، وقد أمضى على هذا النحو عاماً كاملاً، إلى أن وصل إلى قناعة كاملة باستحالة البقاء في هذه البلد، الذي يتجاوز عدد المهاجرين إليه من الفلسطينيين حوالى عشرين ألفاً، حسب إحصاءات الجالية الفلسطينية في تركيا.

الخوف من وصمة الفشل

يقول سليم: "لأنني متصالح مع ذاتي، رفضت القبول بفكرة التعايش مع واقع الدخل المادي المتردي، والذي يمكنني الحصول عليه في بلدي وبين أهلي، دون تحمل أعباء الغربة. الشباب هنا أغلبهم يرفض العودة خشية من وصمه بالفاشل، وأنا فضلت هذا الوصف على أن يضيع عمري هناك".

عاد سليم إلى بلده، ولمهام عمله السابق كنادل في أحد المطاعم الساحلية في مدينة غزة، وبأجر يومي 10 دولارات، وبعد عامين تمكن من الارتباط بإحدى فتيات عائلته.

"حقاً وقعت في كارثة، تفاجأت بحجم التضليل الذي يمارسه المغتربون الشباب هناك، لأني بالكاد استطعت استئجار سرير في مسكن يضم ثلاث غرف وفي كل غرفة يقيم خمسة أشخاص"

عن وضعه داخل غزة، يقول: "صحيح أن الدخل اليومي محدود وهو أقل من الحد الأدنى للأجور الذي ينص عليه القانون الفلسطيني، غير أني أتطلع للحصول على فرصة عمل أفضل وبأجر مقبول، وإلى أن يتحقق هذا الأمر فأنا على الأقل لا أعيش تحت وطأة تأنيب الضمير كغيري من الشباب المغتربين".

لا تتوفر أرقام دقيقة حول الشباب الذين هاجروا القطاع خلال عام 2020، الذي انتشرت فيه جائحة كورونا، علماً أن نسبة الفقر بلغت 85% فيما البطالة تجاوزت 65% بفعل إجراءات الإغلاق للحد من انتشار الفيروس، وفقاً لإحصاءات اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار.

على خطٍ موازٍ، وفي خضم تدهور الأوضاع الاقتصادية، عاد رأفت سالم هو وأسرته المكونة من خمسة أفراد من تركيا، بعد غربة استمرت عامين، حاول خلالهما إيجاد عمل في مجال التصوير الفوتوغرافي، غير أن جميع المجالات التي عمل بها لم تكن تتوافق مع طموحه أو تلبي حاجة أسرته المادية.

"الحياة في تركيا ليست سهلة على الإطلاق".

يقول سالم: "الحياة في تركيا ليست سهلة على الإطلاق ولا حتى في أماكن أخرى من العالم، خضت وأسرتي مجازفة كبرى عندما فقدت الأمل في تحسين الوضع الاقتصادي وهاجرنا إلى إسطنبول، لكن الظروف والتحديات كانت كبيرة، فالدخل بالكاد يكفي لاستئجار مسكن، فضلاً عن احتياجات الأطفال للالتحاق بالمدارس الخاصة، وتعقيدات تعلم اللغة التركية، والمصروفات الإضافية. كل ذلك كان عائقاً أمام استمرار الاغتراب".

ويشير الشاب الثلاثيني القاطن في شمال قطاع غزة إلى أن "حظوظ العمل في الخارج قليلة جداً، خصوصاً أن أوروبا أصبحت مزدحمة باللاجئين من الأقطار العربية الأخرى كسوريا واليمن وغيرهما من الدول التي تعاني نزاعات".

ويضيف محاولاً شرح الظروف التي منعته من مغادرة تركيا إلى أي مكان في العالم دون الرجوع إلى القطاع: "لم يكن سهلاً الوصول إلى أوروبا والحصول على فرصة عمل. فلا شيء مضمون، كما أن الأمر ينطوي على مخاطرة كبرى، خصوصاً مسألة التهريب عبر البحر، ولا أعتقد أن هناك ضرورة تستوجب المخاطرة في حياة أطفالي، لذا عدت إلى غزة".

ويذكر أن الظروف الاقتصادية البائسة التي فرضتها جائحة كورونا على العمالة العربية في تركيا كانت الدافع الأساسي وراء فكرة العودة إلى الوطن، والبدء من الصفر بإنشاء استديو للتصوير الفوتوغرافي، رافضاً وصف تجربته بالفاشلة، "فهذه أقدار ونحن لابد وأن نسلم بها" كما قال.

"حظوظ العمل في الخارج قليلة جداً، خصوصاً أن أوروبا أصبحت مزدحمة باللاجئين من الأقطار العربية الأخرى كسوريا واليمن وغيرهما من الدول التي تعاني نزاعات"

ويكمل سالم: "البدء من نقطة الصفر مجدداً ليس سهلاً، خصوصاً في ظل الحصار وتضخم الفقر والبطالة، لكن من المهم دائماً الإيمان بأن الإنسان عليه أن يسعى ويجتهد، ولست يائساً بالمطلق، فلم يسبق أن مات أحد جوعاً في غزة رغم كارثية واقعها".

الحياة خارج القطاع

شادي علي (40 عاماً)، هو الآخر فضل العودة إلى قطاع غزة، بعد قضاء 11 عاماً في الجزائر. وقال إنه ذهب إلى هناك بدافع التعليم، وقد حصل على شهادة بكالوريوس في القانون عام 2007، غير أنه منذ ذلك الوقت يعمل في مجال التجارة وبيع السلع.

وأشار إلى أنه بفعل تأثر عمله وانخفاض مستوى دخله قبل نحو خمس سنوات، أعاد النظر في استمرار بقائه على هذا النحو في الجزائر، وقرر العودة إلى غزة.

ابتسم على مضضٍ، وهو يجيب عن سؤال يفاضل بين غزة والجزائر، قائلاً: "بكل تأكيد الحياة خارج غزة تختلف كلياً على كافة المستويات وهي أفضل على المستوى المادي بالنسبة للكثير من الناس، غير أن الحياة أعطتني فرصة أفضل هنا رغم الحصار والاحتلال".

ويتابع: "بعد عودتي تمكنت من الحصول على رخصة مزاولة مهنة المحاماة، ومن افتتاح مكتب، ولدي دخل مناسب، وهذا ما دفعني للارتباط بعدما كانت الفكرة مرفوضة بالنسبة لي، والآن لدي حياة مستقرة، وأفضل كثيراً مما هو عليه الحال خارج غزة".

تعظيم الحياة بشكل عام خارج أسوار القطاع.

ويوضح أنه يلحظ تكوين صورة مغلوطة لدى الكثير من الشبان في غزة، تتمثل في تعظيم الحياة بشكل عام خارج أسوار القطاع، وتخيل أن المغتربين في أوروبا مثلاً يحصلون على المال أو الإقامة والجنسيات دون كد أو تعب وإهدار الكثير من سنوات العمر.

ويزيد علي: "لا بد أن يعي الشباب أن الحياة ليست وردية خارج هذا البلد، وأن القيمة المالية للسفر بحد ذاتها، تمكن أي شاب من البدء بمشروع صغير يدر عليه دخلاً ولو بسيطاً يسد احتياجاته، غير أنه من الواضح أن هناك جهات معينة (مجهولة) تدفع بالشباب نحو الهجرة".

في سياق متصل، وضع الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر مجموعة من العوامل لنجاح أي من المشاريع الفردية الناشئة في بيئة قطاع غزة، وبخاصة المشاريع التي يقودها الشباب، الذين عادوا من الهجرة تحت وطأة انعدام فرص العمل، على رأس تلك العوامل: الإعفاء الضريبي، وتسهيل عملها من قبل الحكومة، عدا ضرورة إبعاد المال التنظيمي (مشاريع التنظيمات والأحزاب) عن مزاحمة هذه المشاريع الصغيرة.

وأشار أبو قمر إلى ضرورة توفير التسهيلات الائتمانية، سواءً لتوسيع المشاريع الفردية أو لإقامة مشاريع جديدة، معبراً عن امتعاضه من السياسات الحكومية المتبعة تجاه تمويل المشاريع الصغيرة، والتي تقيد أصحاب المشاريع بكفلاء، ونسب عالية من الفوائد.

ويلفت أبو قمر النظر إلى ضرورة سعي الشباب العائد من الهجرة نحو المشاريع الإنتاجية والصناعية أكثر من الالتفات للمشاريع الاستهلاكية، فضلاً عن ضرورة التوجه للعمل الرقمي (العمل عن بعد)، يقول: "فرص العمل في التصميم والإنتاج المرئي وغيرها، جميعها فرص لا تعتمد على الإقامة في موقع جغرافي معين، وفي نفس الوقت توفر مصدر دخل مميزاً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard