الغربة في الأغاني... قصصنا بين التراث والاشتباك مع الواقع

السبت 27 فبراير 202110:34 ص

"إن المدن قد فرّقتك

إن السفن حين رست قد أرشدتك

مثل الدميم يحب حلوة

مثل السجين ببعلبك".

عبد الله المينياوي.                  

عشر سنين مضت على الثورة المصرية وما تلاها من ثورات وحروب في مختلف البلدان العربية، تفاقمت صعوبات الحياة في مدننا وقرانا، ما دفع العديد إلى المغادرة واللجوء إلى مختلف المدن الأوروبية. وجد العديد من الشباب الذين وُلِدوا وتربّوا في العالم العربي وعايشوا مشاكله، أنفسهم في غربة حديثة، ظهرت آثارها على النتاج الموسيقي العربي في أوروبا، والذي أصبح عاملاً مهماً للتعبير عن مشاعر وآلام الغربة، ووسيلة للحفاظ على شعور مشترك بالهوية والانتماء.

شكّلت الحرب في سورية وما تلاها من موجات لجوء الى أوروبا، منعطفاً أساسياً في الحركة الموسيقية العربية في أوروبا، مع وصول عدد متزايد من موسيقيّين/ات ومغنيّين/ات سوريين/ات، تعلّموا بالمعاهد الموسيقية السورية أو تشرّبوا التقاليد الموسيقية المشرقية، كالإنشاد والتجويد والذكر الصوفي والموشحات والأدوار التراثية والتراتيل الدينية.

ارتباط هذا الجيل ببلده الأم والإحساس المشترك بالغربة، رغم التجارب والظروف المختلفة، ولّدا نتاجاً موسيقياً معاصراً، يشبه أكثر فأكثر الشباب العربي المتنوّع الموجود في أوروبا، خصوصاً في ظل مواجهة خطر الغياب والاختفاء والنزوح من المنزل ومن التاريخ، الذي زاد الحاجة إلى سرد الذات ونشر القصص الشخصية. 

تشكّل مختلف هذه الإنتاجات الموسيقية وغيرها أعمالاً ترصد وتخلق وتسترجع القصص الشخصية التي تميّز الأفراد.

فهذه الموسيقا المعاصرة والتي ترتكز في أغلبها على اللغة العربية واللهجة المشرقية، تتنوّع بين الهيب هوب والبوب والتكنو (إلكتروني) والتراثي التقليدي والموسيقى المشرقية، أو المزج بين الأنواع المختلفة. مقاربة هذه التجارب الموسيقية المختلفة يشكّل وسيلة لفهم كيفية استخدام الموسيقى اليوم لتحديد مواقعنا الشخصية المشتتّة، وبعض مفاهيمنا وتعريفنا لأنفسنا عبرها وعلاقاتنا بالماضي والحاضر. إذ غالباً ما ترتبط هوية المغترب واللاجئ بعلاقة معقدة مع الماضي والحاضر، والمنازل السابقة والحالية، والعلاقات المتشابكة التي تختلف، ضمن وعبر، مجتمعات الشتات المختلفة.

أزمة الموسيقي ما بين مكان الولادة ومكان اللجوء

في فيديو "كواليس بو كلثوم"، يعبّر الرابر والكاتب والمنتج السوري "بو كلثوم" بوضوح عن حال اللاجئ بشكل عام في أوروبا والموسيقي اللاجئ بشكل خاص. ويقول: "أنا هون مو بو كلثوم. أنا رقم، أنا لاجئ".

بدأ بو كلثوم بكتابة أغاني الراب منذ كان في سوريا، حيث غنّى عن أحوال الناس والشارع ومشاكلهم بالالتفاف على المواضيع السياسية. وصحيح أنه اشتهر بأغانيه عن الحرب في سوريا والأزمات في الوطن العربي، إلا أنه ومنذ غادر سوريا (2013) ولجأ الى أمستردام (2016)، بعد ترحال دام عدة سنوات، أصبحت الغربة من أهم الإشكاليات التي يتناولها في أغانيه، والتي أصبحت اليوم من أكثر الأغاني التي تعبّر عن حال الشباب العربي في أوروبا، خصوصاً أن الموسيقيين والمصوّرين والممثلين المشاركين في إنتاجها، هم شباب وشابات من بلدان عربية مختلفة، هاجروا مؤخراً الى أوروبا.

مع ذلك، يواجه بو كلثوم إشكالية الجمهور الذي يتوجه إليه، فجمهوره ليس هنا، بل "في بلادنا، على أرض الوطن"، على حد تعبيره. إذ غالباً ما يواجه الموسيقي أو المغني العربي في أوروبا، انقطاعه عن المجتمع المحيط به، خصوصاً إذا كان يغني بالعربي: "كوكب آخر، رفقاتك مو حوليك، جماعتك مو حوليك [...] في أزمة هوية، في أزمة شغل، أزمة وين أنا بدي روح بمشروعي الموسيقي هلق". إذ يبقى الفصل الجسدي والنفسي عن البلاد والأهل والمحيط أقسى ما يعانيه الموسيقي وجمهوره، مع ما يولده من شرخ في الهوية وصعوبة في العمل وإيجاد طريقه والحصول على تمويل ودعم.

رغم هذا الواقع الصعب -أو بسببه- فقد كانت حفلة بو كلثوم، في شباط/ فبراير من العام الماضي، من أهم الحفلات العربية في برلين. فالجمهور العربي المحب للراب والهيب الهوب في المدينة كبير ومتنوّع، وأغاني بو كلثوم تخطّت الجمهور السوري ولامست مُشتَّتين عرب من أماكن مختلفة، رأوا تماثلاً مع أغانيه، ووجدوا فيها ما يعبّر عنهم من غربة وألم وغضب واشتياق. 

ارتباط هذا الجيل ببلده الأم والإحساس المشترك بالغربة، رغم التجارب والظروف المختلفة، ولّدا نتاجاً موسيقياً معاصراً، يشبه أكثر فأكثر الشباب العربي المتنوّع الموجود في أوروبا، خصوصاً في ظل مواجهة خطر الغياب والاختفاء والنزوح من المنزل ومن التاريخ

بو كلثوم وصعوبة الغربة في الحياة اليومية

تبقى أغاني بو كلثوم مثل "ترحال" (2017) و"جوّانا" (2019) وغيرها، من أصدق وأجمل من عبّر عن واقع الغربة واللجوء والمشاكل اليومية التي يعيشها المغترب واللاجئ. فهي بمجملها أغانٍ حزينة، غاضبة أحياناً، تلمس أوجاع الغربة والقصص الخاصة ببو كلثوم وبنا، تتناول بجمالية عالية ألم الترحال وقبوله، الجروح التي تتركها بلادنا وقسوتها علينا، إلى جانب الغربة والبحث اللامنتهي عن البيت والوطن. 

يتكلم بو كلثوم عن هجرة اللاجئين إلى أوروبا، والذل في المخيمات والاستعباد بـ"وينّا". ويلامس تفاصيل دقيقة من صعوبة الحياة اليومية في الغربة، كالطقس والغيم في أغنية "ليل" (2018) التي تتناول حلم الوصول إلى أوروبا والصدمة بغربتها وطقسها، وأزمة الهوية التي يواجهها المهاجرون واللاجئون الذين يفتقدون الشمس ودفء البلاد، ويعانون من الوحدة ومن مشكلة عدم معرفة اللغة.


من أهم ما ميّز السرديات الفردية التي ارتبطت تاريخياً بالغربة، هي صورة الأم التي لم تكن غائبة عن أغاني بو كلثوم، فأغنية "ممنون" (2020) وضعت بالواجهة موقع الأم وفقدانها بعد الهجرة والغربة. عبر العودة إلى أول ذاكرة للطفل، وعلى نغمات الصناديق الموسيقية المخصصة للأطفال، يحاول بو كلثوم استحضار ذكريات الطفولة ومهد الأم. الاستعانة بالتهويدات الشامية الفولكلورية، إلى جانب تجويد بعض الأبيات تعيد المستمع إلى الماضي، إلى مدينته أو قريته، وتلمس جانباً مهماً عنده، إذ تذكّره بعالم موسيقي وشخصي مألوف وحميمي، فقده مع الوقت وبعد الغربة، لكنّه ما زال يشكّل أساس تكوينه وهويّته: بيته الأول وحضن أمه.

 فقدان الأم والمدينة... الأم في الغربة

ليس بو كلثوم الوحيد الذي أعاد صورة الأم إلى القصص الشخصية في الأغاني. فالمغنية الدمشقية، لين أديب، استعادت الأم في ألبوم "يمّا" (2018). لين أديب هي مغنية سولو مقيمة في باريس، تجمع ما بين الجاز والتراتيل البيزنطية والأغاني التراثية، واستعمال الحنجرة كآلة موسيقية. ألبوم "يمّا" هو بحدّ ذاته مناجاة للأم احتفالاً بالحزن بعد الخسارة المزدوجة للمغنية: الخسارة الشخصية (موت الحبيب) والخسارة العامة (فقدان الوطن). وبالنسبة للين فهذا المزج بين الموسيقى الحديثة والتراثية هو نتاج طبيعي لـماضيها الشخصي، ونشأتها في بلاد ذاخرة بتراث متنوّع. 

تأتي لين أديب من محيط ثقافي واجتماعي مختلف عن بو كلثوم، وظروف مغادرتها البلاد مختلفة تماماً. وإن كان بو كلثوم غارقاً في سرد مشاكل الغربة وصعوبتها، تحافظ لين أديب على الصور النمطية للمدينة: الأم والاشتياق لها ولناسها والحنين الى الماضي قبل الأزمات. ففي أغنية "حمام" (2016)، مع فرقة سوريانا للموسيقي باسل رجوب، تستعيد لين أديب أغاني تراثية شامية. وعلى خطى غناء الأسلاف، تناجي الحمام بصوتها المشحون بالحزن والمحمّل بالتقاليد الموسيقية المشرقية لجلب أخبار الأهل وناسها، وتستعيد صور تقليدية غنية بالذكريات عن الوطن، ككأس الشاي، صور من الحياة اليومية والحنين الى الماضي، داعيةً الشام لأن تنهض من جديد.


الأغاني التي نتذكّرها: العودة إلى التقاليد المشرقية

هذه العودة إلى أغاني الفلكلور والمخزون التراثي الموسيقي ليست غريبة أو جديدة. يعتبر العديد من الموسيقيين أن العودة الى التراث المخزّن بذاكرتنا هو أفضل تعبير عن قصص البلاد والأهل والأصحاب التي نفتقدها بالغربة. وتجربة المغنية السورية بسمة جبر، وعازف العود عروة صالح، في ألبوم "الأغاني التي نتذكرها" (2020) خير مثال على ذلك. يهدف الفنّانان عبر هذا التعاون للمزج بين الحداثة والتراث السوري، بين أغان تراثية سورية ومعاصرة.

يصفان محاولتهما كـ "تأدية للتراث كما يسمعانه ويفهمانه"، وهي استعادة لذكرياتهما وسط عالمهما وواقعهما الجديد في النمسا، فالألبوم هو "عبارة عن بعض الصور الممزقة أو المتناثرة" التي يريدان جمعها لخلق تجربة موسيقية جديدة، تتأرجح ما بين الماضي والحاضر، بين البلد الأم وبلد الاغتراب، وتمزج الأنغام الشرقية والروك والموسيقى الأفريقية.

تشكّل استعادة التراث والأغاني الفولكلورية وسيلة للعديد لإعادة نسج الماضي وتَذكّر الوطن وقصصه والهروب من الواقع أحياناً. هي وسيلة تمكّن الفنان وجمهوره من التواصل مع الوطن، التلاقي مع الآخر ومداواة حنينه الى البلاد. فالغناء والتعبير باللغة الأم عن قصصنا الشخصية، يسمح بخلق أماكن تشبه المنازل التي غادرناها، وتسمح بالحصول على دقائق من التميّز واسترجاع الهوية في الغربة. 

لكّن هذه العودة إلى التراث قد تسعى أحياناً لبناء مشروع موسيقي جديد، يتمرّد على واقع الموسيقا في البلد الأم والوضع العام هناك، مثل مشروع الموسيقي السوري وائل القاق، المقيم في باريس.


يعتمد القاق على دمج الأغاني والإيقاعات الشعبية في بلاد الشام مع موسيقى إلكترونية مختلفة (ما يسمّيه "إلكترو شعبي") للحفاظ على الذاكرة السورية والتصويب على الثقافة السورية، كألبومه الأخير "لايف 2020"، حيث يشارك القاق موسيقا تحكي عن قصصه الشخصية. أما ألبوم "نشامى" (2012)، فيسعى الى توثيق الموسيقى الشعبية التي ظهرت في هتافات المظاهرات السورية بهدف فهم سر الحماس في هذه الأغاني.

إن العودة إلى أغاني الفلكلور والمخزون التراثي الموسيقي ليست غريبة أو جديدة. يعتبر العديد من الموسيقيين أن العودة الى التراث المخزّن بذاكرتنا هو أفضل تعبير عن قصص البلاد والأهل والأصحاب التي نفتقدها بالغربة

خاتمة

تشكّل مختلف هذه الإنتاجات الموسيقية وغيرها أعمالاً ترصد وتخلق وتسترجع القصص الشخصية التي تميّز الأفراد. قد يجد البعض ضالته في الحنين والصور الرومانسية للبلاد وتاريخها وناسها، وقصص الحب والفراق التي غالباً ما تستعيدها أغاني التراث المحدّثة، بينما يتوّجه آخرون نحو موسيقى وكلمات جديدة، تعيد شبكهم مع واقعهم وعالمهم هنا وهناك. في كلا الحالتين، يحاول المستمع عبر هذه الإنتاجات النظر في أنقاض الماضي والحرائق التي لا تزال مشتعلة في بلادنا، بحثاً عن أجزاء يسعى لإنقاذها وأخرى يريد تركها. وتصبح هذه الإنتاجات وسيلة للتواصل مع البلاد أو للنظر إلى قصص الآخرين، وللبحث عن قصص قد نظهر فيها أو قد نلجأ إليها لبناء مكان يشبه ذاك الذي تركناه أكثر فأكثر. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard