أضلاع الصندوق الذي نعيش فيه... قصتي مع كتب صادق جلال العظم

الأحد 28 مارس 202110:50 ص
Read in English:

Breaking Out of the Box... My Syrian Story with the Books of Sadik Jalal al-Azm

"كطفل كبر في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، كنت محاطاً بخطاب الإذلال ومشاعر اليأس التي كانت تصبغ أحاديث أعمامي وأخوالي بعد هزيمة 1967، كان النقاش حول أسباب الهزيمة ومستقبل المنطقة برمّتها، الوضع الاقتصادي لسوريا والتحولات السياسية التي كانت تجري فيها كان لا يزال يحمل بعضاً من الأمل في التحرّر والتطور، حملت جزءاً منها حتى اليوم كتفاؤل اعتيادي بالغد.

كانت العودة إلى جذور الهوية الإسلامية والوعد الإلهي بالعدل كنوع من اشتراكية إسلامية تمثّل لمن حولي مشروعاً جديراً بالثقة وحتمي الحدوث، والأهم أنه منصف ويشترك مع حركات التحرر الاشتراكي بالكثير من الصفات، وبنفس الوقت لمع خطاب التحرر لبناء الاشتراكية على الطريقة السوفيتية في ليل الأمة المظلم.

بالنسبة لي، لم يكن نقد الفكر الديني مجرد محاولة متطرفة ضد الرقابة القمعية على الفكر، بل كان أيضاً فعل تحرر من العقائد جميعها، الدينية والإيديولوجية أيضاً، ولتقويض التسلسل الهرمي السياسي، الديني والاجتماعي.

في تلك الآونة، سادت الرؤية الخاصة بالعودة إلى الإسلام كنموذج لاستعادة الذات وبناء نظام حكم قوي يستعيد "أمجاد" الأمة، أما أنا فكنت أميل أكثر للآراء التي تمنح الإنسان حرية أكبر في التحكّم بمصيره، ومع ذلك بدا لي أن كلا المفهومين يحملان إشكالية وتناقضاً داخلياً، خصوصاً مع اجتياح التهم الجاهزة لكل من يقدم نقداً للمعتقدات الدينية كالخروج عن الملة، الكفر أو الإلحاد، أو على الجانب الآخر، الاتهام بالعمالة للـ "إمبريالية العالمية" و"التفكير البرجوازي العفن"، لقد كنا محاطين بتكفيريين على كلا الجانبين.

التهم جاهزة لكل من يقدم نقداً للمعتقدات الدينية كالخروج عن الملة، الكفر أو الإلحاد، أو على الجانب الآخر، الاتهام بالعمالة للـ "إمبريالية العالمية" و"التفكير البرجوازي العفن"، لقد كنا محاطين بتكفيريين على كلا الجانبين

قاومت على مر السنين هاتين النظرتين المختلفتين والمتنافستين على تفسير العالم، ولم تمنحني الكتب المتاحة في تلك الآونة الفرصة لترجيح كفة على أخرى، فبقيت حائراً ما بين "الإسلام هو الحل" و"دكتاتورية البروليتاريا"، وعكست هاتين النظرتين توجهات الكتب المتواجدة في مكتبات دمشق بشكل حصري استبدادي ودون أي تنوّع، بين "حوار مع صديقي الملحد" و"الاشتراكية العلمية".


الاختراق الأول لي عبر الكتب جاء بالصدفة. عندما كنت في السابعة عشر من عمري وخلال إحدى زياراتي إلى بيروت، وخلال تجولي في إحدى مكتبات شارع الحمرا، سألني صاحب المكتبة عن كتبي المفضلة، فأجبت، فأدخلني إلى قسم السياسة والفلسفة، ثم عاد لي بمجموعة من العناوين التي ينصح بها، ومن بينها كان كتاب صادق جلال العظم "نقد الفكر الديني".

رغم تحذير البائع بأنه ممنوع في سوريا ويمكن أن يعرضني لمساءلات، كنت مصرّاً على اقتنائه... قصتي مع كتاب نقد الفكر الديني لصادق جلال العظم 

لقد كنت مأسوراً بالعنوان تلقائياً، رغم تحذير البائع بأنه ممنوع في سوريا ويمكن أن يعرضني لمساءلات، كنت مصرّاً على اقتنائه، فقمت بتهريبه كما تهرّب الممنوعات، وشاركني رحلة نضوج فكري وعاطفي مازال مستمراً حتى اليوم.

بالنسبة لي، لم يكن نقد الفكر الديني مجرد محاولة متطرفة ضد الرقابة القمعية على الفكر، بل كان أيضاً فعل تحرر من العقائد جميعها، الدينية والإيديولوجية أيضاً، ولتقويض التسلسل الهرمي السياسي، الديني والاجتماعي.

لقد أعطاني المفاتيح الأولى لأرضية فكرية صلبة وشجاعة لنقد الخطابين السائدين آنذاك، بل وتجاوزهما أيضاً. الرائع في كتاب العظم هو قدرته على التسامي عن النقاشات السفسطائية والضغائن الصغيرة وحتى الفوضى في الخطاب الفكري السائد آنذاك، وتوفير إطار لإعادة النظر في التحديات التي تواجهنا كمجتمعات عربية: لقد أظهر لنا صادق عبر كتابه وبوضوح أضلاع الصندوق الذي نعيش فيه، وكانت عملية الخروج منه تقع على عاتقنا وحدنا.

اليوم، عندما ننظر إلى سوريا المنقسمة والمقسمة، بعد أكثر من عشر سنين من حرب مجنونة، أصبح من الضروري أن نعيد قراءة صادق جلال العظم، لنكتشف أننا نملك الشجاعة الفكرية رغم الصراخ والفوضى وألام الضحايا والدمار

اليوم، وعندما ننظر إلى سوريا المنقسمة والمقسمة، بعد أكثر من عشر سنين من حرب مجنونة، أصبح من الضروري أن نعيد قراءة صادق جلال العظم، لنكتشف وسط الصراخ والفوضى وألام الضحايا والدمار، الطريقة الشجاعة التي واجه بها صادق مشاكل عصره ليمنحنا هذا القدرة على ألا نكون محاصرين ورهائن لدى الخطابين، السياسي والديني، الحاليين، أن نمتلك الشجاعة الفكرية لمواجهتمها وتجاوزهما أيضًا. 


أعطاني صادق جلال العظم المفاتيح الأولى لأرضية فكرية صلبة وشجاعة لنقد الخطابين السائدين آنذاك، بل وتجاوزهما أيضاً

أعود إلى طفولتي، وبالتحديد في تموز عام 1969.

كانت أخبار هبوط المركبة الفضائية الأميركية أبولو على سطح القمر تملأ الصحف والتلفزيونات آنذاك، وكانت صور نيل آرمسترونغ وهو يخطو خطوات قصيرة وحذرة على الغبار القمري، تمثل قفزات في المصير الإنساني حول العالم، لكن في الوقت ذاته، كان أعمامي وأخوالي، بعد أكثر من سنتين على حرب حزيران 1967، مازالوا يختلفون على شكل الدولة الموعودة بعد الاستقلال الذي حصل منذ ما يزيد عن عشرين عاماً، هل يجب أن تكون إسلامية بالكامل، اشتراكية بالكامل، أم مزيجاً من هذا وذاك؟ هل ما حصل في 5 حزيران هزيمة أم نكسة؟


كان قطار العالم يسير مسرعاً باتجاه المستقبل الذي يمثّل الإنسان مركزه، بينما قطارنا يقف في المحطة، بارداً، صامتاً، عاجزاً عن الحراك لأن ركابه يصرخون في بعضهم البعض، يتبادلون تهم التخوين والعمالة والاستزلام، ولا أحد ينظر إلى المحرك

كان قطار العالم يسير مسرعاً باتجاه المستقبل الذي يمثّل الإنسان مركزه، بينما قطارنا يقف في المحطة، بارداً، صامتاً، عاجزاً عن الحراك لأن ركابه يصرخون في بعضهم البعض، يتبادلون تهم التخوين والعمالة والاستزلام، ولا أحد ينظر إلى المحرك."

كتبت القصة الذاتية أصلاً باللغة الانكليزية، نشير إلى أنّ مؤلفها فضّل أن تنشر دون اسمه. ترجمها إلى العربية م. دريوس، وفسرتها إبداعيًا سيمون سمير من فريق رصيف22. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard