صادق جلال العظم... الحبّ ضد الدونكيخوتيّة

الأحد 28 مارس 202111:19 ص

اتُهم صادق جلال العظم، حين نشر كتاب "في الحب والحب العذري" عام 1968، بأنه لم يتناول حياته الشخصية وتجاربه الغرامية، ردّ حينها: "لا يبدو لي أن تجاربي العاطفية الشخصية بهذه الأهمية لتستحق إقحامها على انتباه القارئ"، هناك سخرية دفينة وعلنية في ردود العظم على طفولية "النقد" الذي وُجِّه له.

هذه السخرية نراها أحياناً أثناء بنائه موضوعته الفلسفية ونقاشه لها في الكتاب السابق. هو عقلاني، ينفي بحسم ويقبل بحسم، ويتهكّم في بعض الأحيان، خصوصاً أنه يناقش موضوعاً عصيّاً على التعريف الدقيق، الحب: "أطياف من المشاعر والأحاسيس والانفعالات المتقاربة المتشابهة المترابطة ترابطاً عضوياً في النفس الإنسانية".

لن نحاول أن نقدّم مراجعة للكتاب، لكن سنشير إلى النماذج التي يقدمها العظم عن "المُحبّ"، وتصوّراته عن الموضوعة البشرية "المُحبّة" وبنائها النفسي ضمن التراث الأدبي والنقدي، خصوصاً أنه يمتلك تصوراً عن الحب بوصفه أسمى من الجسدي، حباً يتجاوز الذات دون إفنائها أو تكبيلها.

إشكالية اللا اكتمال

تمتلك الموضوعة البشرية نقصاً أزلياً يحرك قلقاً يدفعها للبحث عن الاكتمال العاطفي أو الجسدي، هذه النزعة للامتلاء والانغلاق، واحد من أعراضها هو "الحب"، ليس ذلك الجنسي الشبقي الآني، بل الحب كمحرك للذات نحو "آخر"، يحاول خلق وهم الإشباع. يظهر الحب قلقاً وبحثاً عن مجهول لا نعرف شكله، هو سعي وظيفي بهدف الاتمام، المحبّ لا يبحث عن "قرين-double" بل "آخر-other"، يلبي احتياجات الذات.

بصورة أدق، يخاطب نقصانها بوهم خصائص الاكتمال فيه، وهنا يظهر تأثير الحب، الذي إن اشتدت أوهامه يهدد وعي الأنا بالعالم، فالعاشق حسب العظم، لا يرى سوى موضوع حبّه ويتجاوزه جنسياً: "أي أنه يكتسب نوعاً من المناعة ضد غيرها من النساء".

يقسّم صادق العظم محركات الحب الديناميكية إلى عاملين: الاستمرار في الزمن وشدة العواطف، ضمن ما يسميه مفارقة الحب، وكل واحدة من هذه المحركات تقدم لنا نموذجاً يطغى واحدهما على الآخر دون أن يجتمعا

بعيداً عن تفريق العظم وتعريفاته التي تفصل الحب عن الشبق، الشهوة والرغبة، هذه "المناعة" الذاتية تقسم الموجودات أنطولوجياً، إلى "محبوبة" وآخرين، وهنا تحتار الذات، وقد ترى نفسها آخرين أيضاً، اختلفت أعراضهم بسبب تحديقة المحبوبة التي قد لا تعلم نفسها أنها محبوبة، وهنا يمكن أن نفهم "العمى" الذي يوصف به الحب، هو ليس فقط يعمي عن حقيقة المحبوبة، بل أيضاً "عمه" عن إدراك الآخرين والسياق الذي يظهر فيه "الحب" وأسبابه الموضوعية.

إثر هذا العمى والعمه، يتحول بناء المحبوب إلى جهد سردي ومتخيّل "لا يتناسب تناسباً معقولاً أو موزوناً مع محاسن المحبوب وفضائله ومفاتنه"، وهنا يظهر النقصان مرة أخرى، الذي يبني الموضوعة الخارجية ويعبئها من المخيلة، ويكسبها خصائص متغيرة، تتناسب مع احتياجات الذات نفسها، سواء كانت مُحبة أو شبقية.

يقسم العظم محركات الحب الديناميكية إلى عاملين: الاستمرار في الزمن وشدة العواطف، ضمن ما يسميه مفارقة الحب، وكل واحدة من هذه المحركات تقدم لنا نموذجاً يطغى واحدهما على الآخر دون أن يجتمعا، فالاستمرار في الزمن والحس بالاستقرار الذي يلي نشوة الحب بداية، يتحول إثره العشيقان إلى زوج وزوجة، في حين أن الرهان على الثانية، أي شدة العواطف، تحول العشيق إلى دونجوان، والمعشوقة إلى غرض متغير بحسب ما يشتهيه المحب الشغوف، الذي لا يبحث عن الاستقرار بل عن المغامرة المتجددة.

الدونجوان ضد الزوج

يقدم لنا العظم نموذجين لعاطفة الحب، تتحول الأنا إثرهما في علاقتها مع الآخر ومع ذاتها، وتكمن المفارقة بين النموذجين "الدونجوان" و"الزوج"، أنه لا يمكن تحقيق الاثنين معاً، فالنموذج المتمثل بالدونجوان، يبحث إثره العشيق عن مغامرة. هو مندفع نحو موضوع حبّه المتغير دوماً، كونه يريد الحفاظ على الاشتداد، فينتقل بين عشيقة وأخرى.

هو ضد الامتداد في الزمن ويهزأ من المؤسسة الاجتماعية التي تنفيه بدورها وتحاربه. هو غاو متمرّن ومخطط محنك، موضوعة تسلم بالنقصان، تربيه وتدلـله، وتعلم أن لا يقين ولا اكتمال. هو باحث عن حب مجهول لا يقين لديه بالامتلاء، لأنه مدرك لذاته وتراجيديتها نوعاً ما، خصوصاً أن مصائر الدونجوان دوماً تنتهي بكونه وحيداً. وعلى النقيض، هناك نموذج الزوج والزوجة القانعين بالاستقرار، اللذين تتحول حياتهما إلى روتين يومي، يدركان وهم الاكتمال وحقيقة النقصان، مع ذلك يسلمان بالأمر الواقع، يحلمان بمغامرة عابرة لكنها تبقى طيّ المخيلة، وهنا تظهر المفارقة، سواء لدى الدونجوان أو الزوج المطيع، أن الاستدامة في الزمن ضد الشدة، تنفي أحداهما الأخرى.

يقدم لنا العظم نموذجين لعاطفة الحب، تتحول الأنا إثرهما في علاقتها مع الآخر ومع ذاتها، وتكمن المفارقة بين النموذجين "الدونجوان" و"الزوج"، أنه لا يمكن تحقيق الاثنين معاً

هناك نهايات حتمية يقدّمها العظم للنموذجين، هو يستند إلى التراث العربي والأوربي، وينتقد القيود الموضوعة على الجسد وطبيعة مؤسسة الزواج بصورة لاذعة، ينتقد التفسيرات المرتبطة بهذه الظواهر والآراء الرجعية، كآراء العقاد، لكنه يرسم حدود الموضوعة ضمن الأدب، مسلماً بالتطابق بين النموذجين، ويصف المتوكل بالماجن، ويقتبس من ابن حزم الأندلسي وابن الجوزية دون مساءلة الأيديولوجيا.

هي دلائل نعم، لكنه لا يسائل السياسات وراءها، بل يقول في الرد على منتقديه إنه يرى الشعر والثقافة العربية كلاً متصلاً، هذا الاتصال لا ينفي طبيعة التأليف في كل عصر. هي منتجات شعبية وأعمال أدبيّة وأخرى تعليميّة، لكنها تقدم مُتخيّلاً عن صورة الحبيب.

هي ليست حكايات تاريخية، بل تراث شعري تحضر فيه المخيلة بأقصى أشكالها، وهذا ما نكتشفه لاحقاً حين يقدم للحب العذري وطبيعة هذا المفهوم، وهنا يظهر التبسيط الذي يعمل ضمنه العظم، هو يترك النماذج تصف ذاتها، لكنه لا يسائل كيفية تشكلها تاريخياً، الانتقال بين مراحل التاريخ والتسليم بمرجع على حساب آخر، خصوصاً أنه لا يضبط المرحلة الزمنية.

مصير الدونجوان هو الجحيم...

لا يظهر الدنجوان ثائراً من وجهة نظر العظم، بل معطوب نفسياً، ذو مشكلات، لا يرى فيها متخيلاً أدبياً عن العمل ضد المؤسسة الزوجية والاجتماعية، خصوصاً أنه يستثني اللذة بداية بحثه، ويرى أن الحب طاقة ذات أثر نفسي، هي تحررية شريطة أن تتحرر من موضوعها ذاته، الأهم أنه يقتبس من دونجوان موليير، الذي ظهر ضمن شروط قاسية، وضعتها الأكاديمية الفرنسية على موليير تحديداً الذي أراد محاربتها، فمصير دونجوان هو الجحيم، حيث تبتلعه الأرض لينال عقابه.

الحبيب العذري: ثائر ثم مريض

يقدم العظم صورة المحب العذري بوصفها أسلوباً لتجاوز أطروحة "مفارقة الحب"، فالمحب العذري هو المغرق في شغفه، الناسف سطوة الزمن عبر خلق العراقيل الذاتية والموضوعية أمام الوصال مع حبيبته، هو يحنّ للموت بوصفه فراقاً أزلياً، يشبب بالنساء ويرفض الزواج واللقاء لغاية "مَرَضية" في نفسه، هو المتهكّم من الزواج واللعوب أمام الناس.

الفضائحية المستخدمة في حالات الحب العذري هدفها منع الوصال أصلاً، فمَرَضية العذري أنه يراهن على اللا اكتمال، لا يريد الزمن أن يمتدّ ولا الشدّة أن تتلاشى. هو تدليل للمغامرة ومحاباة للممنوع، لأن هدف هذا الحب هو ألا يتحقق، وهذا ما يصفه العظم بالمَرَضي. الكلمة التي تبدو قاسية نوعاً ما، خصوصاً أننا نتعامل مع نماذج أدبية، وهنا يرى العظم أن العاشق العذري يحب حبه ذاته، موضوع عشقه هو معاناته ذاتها ورحلته في العشق، فأناه هي محرّك هذا العشق ولذته، حتى العطاء في سبيل الحب العذري هو وهمي، في سبيل نشوة التضحية وألمها. هو مازوخي يتلذذ بأذى نفسه.

الأهم أن المحب العذري عاشق دونكيشوتي، يعيش حبه في حلمه ويعيد تعريف الواقع بناء على شهواته، يفضل المرأة الخجولة المختفية الجاهلة على العارفة اللعوب التي تكشف حقيقته وتنفيه، وتحرج كبرياءه إن طالبته بواجباته، هو يريد دمية لا يريد شخصاً حياً، لذلك هو غير سوي.

شعريات النقصان والتلاشي

يتهم العظم الحبيب العذري بالنفاق، النرجسية، المرضية، الدونكيشوتية والفضائحية. هو منحط في لحظة ما، لكن هذه الأوصاف الحاسمة ينتقل فيها العظم بين التبرير النفسي وذاك الاجتماعي، لكن كلمة مَرَضَي ذاتها دون معنى، خصوصاً أن العاشق العذري، إن سلّمنا بكلام العظم عن رفضه لـ"مفارقة الحب"، هو الأشد شجاعة، هو ذات تؤمن بنقصها وتدركه، وتمعن في الحفر عميقاً حد الاختفاء.

يتهم العظم الحبيب العذري بالنفاق والنرجسية والمرضية والدونكيشوتية

يعيب العظم على العذري علاقته مع السلطة الاجتماعية وخياراته الشخصية، علماً أنه يحب الحب ذاته، يتمسّك بالعاطفة متحدياً حتى الرغبة بالاستمرار في الزمن و تقلّبات الشدة، هو مؤمن من وجهة النظر هذه بأن لا خلاص من "جهاده" ضد الاكتمال، مسلّم بالنقصان، لكن الأحكام النفسية التي يطلقها العظم والصفات والتفضيلات والسخرية تظهر قاسية، خصوصاً فيما يتعلق بخيار المحب العذري للنساء المستضعفات.

الأهم، العاشق العذري واع بذاته، شهواته متغيّرة لكنها لا تحيده عن العشيقة التي لا يمكن له نوالها. هذا الوعي والاختلاف بين الشهوة العابرة والحب المستحيل، يجعل العشيق العذري مغامراً ولو كان دونكيشوتياً. هناك وعي ذاتي ومخاطرة، خوضها ذاته هو ما يحوي المتعة التي تحاك الحكايات حولها، وهنا يمكن النظر إلى الحب العذري نفسه بوصفه محركاً أدبياً، الحبيب فيه موضوعة تولّد الشعر وتفتح المخيلة، أما القراءة النفسية والحرفية للأخبار الأدبية، فتنفي مفاهيم اللعب والتسلية والمخيلة الشعرية والحكاية الشعبية.

استحالة الحب بين العشاق العذريين، تعكس استحالة حب الذات التي تدرك نقصانها، هي تبذل وتبذل كي تحافظ على ديناميكيّة بقائها، هي تحتاج موضوعاً خارجياً ولو مستحيلاً في سبيل استمرارها في الزمن، لا كـ"عشيق/ عشيقة"، بل كفرد استعراضي، وهنا أزمة العاشق العذري إن أردنا مخالفة العظم، هو يبحث عن العلني والفضائحي، كي يبقى أسير الألسنة والحكايات، لا كرهاً في ذاته، بل إمعاناً في الظهور، لكونه هو نفسه موضوع عشق لمجاهيل لا يعرفهم، يرددون حكاياته وأخباره.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard