في ذكرى مسيرات العودة... سيرة الدم الذي جفّ على سياج غزّة

الاثنين 29 مارس 202110:55 ص

"كان يوم ذكرى النكبة، 15 أيار/ مايو. كان الجو حاراً مغبراً، والرصاص ينغرس في كل شيء والدم يتدفق من كل جسد حولي. كنت أتقدّم صوب السلك الفاصل، شرق قطاع غزة، تظللني والبقية الهتافات العالية. فجأة، التَوَت قدمي تحتي، وبدت الدنيا في عينيّ ضباباً، وغفوت في غيمة من دخان قنابل الغاز. بعد وقتٍ قصير، أو طويل، لا أذكر، استيقظت على سرير في المستشفى، وقدمي ملفوفة بالشاش والجبس".

هكذا، يتذكّر الشاب يحيى أبو لوز لحظات الإصابة التي غيّرت مجرى حياته، على حد قوله. في ذلك اليوم من عام 2018، قتلت إسرائيل 59 فلسطينياً، وأصابت 2770 آخرين، خلال قمعها لمسيرة تطالب بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم المنتزَعة منهم.

وخرجت تلك المسيرة بدعوة من "اللجنة التنسيقية العليا لمسيرات العودة"، في سياق مسيرات بدأت في 30 آذار/ مارس 2018، في الذكرى الـ42 ليوم الأرض الفلسطيني، واستمرّت نحو سنتين، وكانت تتضمّن حرقاً لإطارات مطاطية ورشقاً للجنود الإسرائيليين بالحجارة وإطلاق طائرات ورقية موصولة بمواد حارقة فوق مستوطنات غلاف غزة لتهوي وتحرق مساحات من المحاصيل الزراعية، كما كانت تشهد أحياناً محاولات لاقتحام السياج الحدودي.

الآن، يعيش الشاب (25 عاماً) مع قصور في عظم قدمه اليمنى، بسبب إصابته بطلقة قناص إسرائيلي متفجرة في قدمه. بات عاجزاً عن القيام بكثيرٍ من الأعمال التي كانت تشكّل مصدر رزقه، في البناء والعتالة، ما اضطرّه لفتح بسطة لبيع السجائر في سوق في شمال القطاع.

يتجاوز الحديث عن حالته الخاصة، ويقول: "أتذكر كيف كانت الأجواء في مسيرات العودة وكسر الحصار. كان هناك محرك وطني يدفعنا إلى التضحية، لكنّي أرى الآن أن نهايتها لم تكن كما يجب، أو كما افترضنا. صحيح أن المسيرة مع الاحتلال طويلة ونحن مَن يدفع فاتورة الدم فيها، لكن أتساءل عن جدوى ذلك، فقد دفعنا ثمناً مخيفاً من الشهداء الذين قضوا والجرحى والمبتورة أطرافهم، ولكن بلا مُنجز حقيقي على الأرض".

قبل الإصابة، يحكي أبو لوز لرصيف22، كان يحصل من عمله على أجرة يومية تقارب الـ45 شيقلاً (نحو 15 دولاراً)، لكنه حالياً بالكاد يحصل على 15 شيقلاً (نحو خمسة دولارات). وكان يخطط للزواج ويمضي حياته بمعيشة "على قد الحال"، لكن "الآن اختلفت كل الأمور"، خصوصاً أنه لم يتلقَّ سوى "مساعدات متفرقة للجرحى"، ولم يخصَّص له راتب شهري من أي من "الجهات المعنية".

في بيت حانون، شمال القطاع، لا يزال وضع محمد الكفارنة على حاله منذ أول يوم في المسيرات. "كلها ألم"، حد وصفه. فمحمد البالغ من العمر 35 عاماً كان قد تعرّض لإصابةٍ برصاصة قناص إسرائيلي في أول يوم انطلقت فيه المسيرات، وبات يحمل إعاقة دائمة في قدمه اليسرى.

أعجزت الإصابة، رغم رحلة طويلة ومؤلمة في العلاج، الكفارنة عن أداء عمله، ما أدى إلى تدهور الوضع الاقتصادي لأسرته المكوّنة من زوجة وثلاثة أطفال، وأفضى في النهاية إلى الطلاق.

يقول لرصيف22: "لم أعد قادراً على إعالة أحد، بالكاد أحصّل لقمة أولادي. لا مساعدات، ولا راتب يُصرف لنا. شاركنا في المسيرات بدافع وطني، لكن يبدو أن ذلك لا يعني شيئاً للمسؤولين".

وبحسب وزارة الصحة في غزة، قتل الجيش الإسرائيلي 316 فلسطينياً، بينهم 62 طفلاً، منذ بدء المسيرات وحتى الثالث من كانون الأول/ ديسمبر 2019، بالإضافة إلى إصابة أكثر من 35 ألف شخص، نصفهم تقريباً في الأطراف السفلية.

ونهاية عام 2019، قررت الهيئة القائمة على المسيرات تعليق إقامتها لمدة ثلاثة أشهر، وتحويلها إلى غير دورية بدلاً من أسبوعية، قبل أن تقرر منتصف عام 2020 إلغاءها عقب تفشي فيروس كورونا.

جدل منجزات المسيرات

خلال الفترة التي امتدت لقرابة عامين (2018 -2020)، ورغم قمعها بعنفٍ مفرط، شكّلت المسيرات على الحدود حالة ضغطٍ مؤثرة، أفضت إلى عقد تفاهمات بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل بوساطة مصرية وقطرية وأممية.

شكلت تلك التفاهمات ما يشبه ميزاناً لحالة الميدان مع إسرائيل، وحكمت حالة التوتر الميداني بين فصائل المقاومة وإسرائيل، طوال فترة المسيرات حتى الآن. وكان أبرزها الاتفاق على زيادة مساحة الصيد في بحر قطاع غزة إلى 15 ميلاً، بعد أن كانت محصورة بما بين ثلاثة وتسعة أميال، بالإضافة إلى تقليص عدد المواد المصنّفة "ثنائية الاستخدام"، والتي تمنع إسرائيل دخولها إلى غزة منذ أكثر من 14 عاماً، بنسبة 30%، وفتح معبر كرم أبو سالم التجاري الذي تتحكم به إسرائيل، إلى جانب منحة الـ100 دولار شهرياً التي تقدّمها قطر للأسر الفقيرة، وكذلك، تسريع برامج التشغيل عبر مشاريع المؤسسات الدولية في القطاع، والتحرك في ملف مد خط غاز طبيعي لمحطة توليد الكهرباء في القطاع لتعزيز إنتاجيتها، بدعم قطري-أوروبي.

"شعبنا الفلسطيني تعوّد أن يقدّم تضحيات كبيرة، فيما تعودت القيادات السياسية أن تدير الصراع بطريقة خاطئة تؤدي إلى نتائج عكسية، وفي المحصلة نجد أن الاحتلال هو مَن يضع شروطه على الفلسطينيين"

أثارت هذه التفاهمات عدة تساؤلات في الشارع عن جدواها وعن هل تستحق سقوط القتلى والجرحى الذين أصيبوا في المسيرات، خصوصاً أن إسرائيل حوّلت المكاسب المحققة إلى أداة ابتزاز إضافية في وجه قطاع غزة، عبر السماح تارة بفتح المعابر وتوسعة مساحة الصيد وإدخال المنحة المالية، ومنعها تارةً أخرى.

واليوم، بعد ثلاثة أعوام على انطلاق المسيرات، غدت منحة الـ100 دولار القطرية تقريباً مكسب المسيرات الوحيد.

يرى الكاتب والمحلل طلال عوكل أن المسيرات شكلت حالة إبداع فلسطيني حقيقية، وهي "تجربة جداً مهمة في إطار أشكال الصراع مع الاحتلال، بغض النظر عن كيف انطلقت وكيف انتهت بطريقة استخدامية، فقد قدّمت تجربة جداً مهمة".

ويضيف لرصيف22 أن أحد أسباب التعثر كان عدم نجاح تعميم الفكرة في كل الميادين التي تحتضن وجوداً فلسطينياً خارج غزة، فـ"صحيح أن الهدف كان كسر الحصار بالدرجة الأولى، وأن عنوان اللاجئين كان عنواناً نظرياً، لكن المسيرات كانت فكرة يمكن أن تولّد حالة ضغط مختلفة في المرحلة التي تعيشها القضية (الفلسطينية)".

"شاركنا في المسيرات بدافعٍ وطني، لكن يبدو أن ذلك لا يعني شيئاً للمسؤولين"

برأيه، "صحيح أن كسر الحصار عن قطاع غزة لم يتم، بكل المحاولات التي جرت، لكن المسيرات، بالشكل الذي كانت عليه، كانت أمام سؤال حقيقي: هل يمكن الاستمرار في هذه المسيرات بنفس فاتورة الدم إلى أن تذعن إسرائيل؟ هذا كان الأمر يحتاج إلى وضع فلسطيني مختلف، وتصعيد محسوب بكل الخيارات الممكنة، وليس فقط في قطاع غزة؟".

لذلك، يتابع، "كان القبول بوصول المسيرات إلى نهاية مشابهة والقبول بالمنجزات التي تمثلت بتحريك طفيف للحصار".

بحسب تقييمه للأمور، "في النهاية، لم نكن أمام تجربة حققت أهدافها، رغم الفاتورة القاسية، لكن هذا هو الصراع مع إسرائيل والاحتلال: لا يمكن أن تُحسَب نهايته، أو نتائجه، وهو مسار حافل بالدم، لذا هناك مشكلة كبيرة، حين نضع حجم التضحية مقابل المنجزات، خصوصاً مع الفارق العظيم في القدرات مع المحتل، والذي يجب ألا يثني الفلسطيني عن مسيرة كفاحه".

في قراءة أخرى، يرى الكاتب محمد أبو مهادي أن المسيرات فشلت في تحقيق أي من أهدافها التي انطلقت لأجلها. يقول لرصيف22: "شعبنا الفلسطيني تعوّد أن يقدّم تضحيات كبيرة، فيما تعودت القيادات السياسية أن تدير الصراع بطريقة خاطئة تؤدي إلى نتائج عكسية، وفي المحصلة نجد أن الاحتلال هو مَن يضع شروطه على الفلسطينيين".

ويضيف أن "المسيرات انتهت بحلول جزئية لأغراض معيشية في غزة. لدينا شعب يقدّم نماذج رائعة في الصمود والبطولة، وقيادة تحترف تفتيت هذه النضالات من خلال اتفاقيات سياسية، تطورت لاحقاً لتصبح اتفاقيات ذات طبع أمني ومعيشي فقط. هذه القيادات يجب أن تحاسَب، ويجب أن يسائلهم الناس، وهناك فرصة قادمة للناس من أجل المساءلة، عبر الانتخابات".

حفظ دم الناس كان ممكناً أيضاً

في الحديث عن منجزات المسيرات، يعتبر البعض أنها لم تكن لتحدث لولا فاتورة الدم التي دفعتها غزة. وفي وقتٍ سابق، كان المتحدث باسم حركة حماس حازم قاسم قد قال "إن قطاع غزة عاش عقاباً جماعيّاً تحت وطأة الحصار الإسرائيلي، وجاءت مسيرات العودة وكسر الحصار في البعد السياسي لتثبيت الحقوق الفلسطينية، على مستوى الأرض والإنسان والمقدسات لمواجهة صفقة القرن بكل قوة".

واعتبر أن المسيرات "خلخلت الحصار المفروض، وأن الاحتلال ما كان ليوافق على المشاريع والخطوات اللاحقة "لولا التضحيات التي بذلها الشعب الفلسطيني من شهداء وجرحى وحالة نضالية كبيرة، ممثلة بمسيرات العودة، تجاه مطلب إنساني طبيعي".

ولكن آخرين يحاججون بأن حفظ دم المتظاهرين وتفادي التكلفة البشرية الضخمة كان خياراً ممكناً إلى حد ما. صحيح أن إسرائيل تقتل لأجل القتل، وبلا دواعٍ أو مبررات، لكن كثيرين من أبناء غزة يقولون "كان يجب أن نكون أكثر حرصاً على دمنا"، وأن "نبحث عن خيارات تبعدنا عن الفاتورة الضخمة".

وهكذا خيارات ممكنة، إذ كانت المسيرات تشهد أياماً دون ضحايا أو إصابات، ولكن بحسب البعض، "جرى استخدام دم الناس كورقة ضغطٍ لتحقيق مُنجزٍ غير متكافئ مع الفاتورة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard