قصة غاز غزّة... فتح وحماس تتشاجران ولكن الكرة في ملعب إسرائيل

الخميس 25 فبراير 202106:25 م

شهدت الأيام الماضية تراشقاً إعلامياً حاداً بين حركتي "فتح" و"حماس" الفلسطينيتين، إثر طلب وجّهه عضو المكتب السياسي لـ"حماس"، موسى أبو مرزوق، للسلطة الفلسطينية، للكشف عن تفاصيل الاتفاقية التي وقعتها مع الجانب المصري.

الاتفاقية المذكورة تخص التنقيب في حقل غاز واقع قبالة شاطئ قطاع غزة. وقال أبو مرزوق في تغريدة: "يجب أن تكون غزة حاضرة في أي تفاهمات حول حقول غاز شواطئها"، مضيفاً: "إذا كانت غزة مضطرة لاستيراد الغاز الطبيعي من الاحتلال لمحطة الكهرباء الوحيدة، فلا يجب أن نقف متفرجين، وثرواتنا الطبيعية تذهب بعيداً".

قابلت حركة "فتح" هذا الطلب بهجومٍ حادّ شنّته مجموعة من قياداتها، كان أبرزهم عضو اللجنة المركزية في الحركة حسين الشيخ الذي قال عبر تويتر بعد ساعات من تغريدة أبو مرزوق، إن "الاتفاقيات تتم بين دول، وفلسطين عضو في منتدى غاز المتوسط"، متابعاً: "الاتفاقيات توقّع مع دول سيد أبو مرزوق، وليس مع فصائل وتنظيمات".

وقال أيضاً مسؤول مكتب الإعلام في مفوضية التعبئة والتنظيم التابعة لـ"فتح" منير الجاغوب، في تصريح: "يا سيد أبو مرزوق من أضاع واستهان وهجّر الثروة الحقيقية، وهم الشباب، من قطاع غزة، ودفعهم للموت والانتحار على مدار سنوات طويلة، لا يجوز له اليوم الحديث حتى عن أنبوبة غاز في طريقها إلى فلسطين".

هذا التراشق أعاد إلى الواجهة من جديد قصة غاز غزة التي طُويت منذ سنوات طويلة بسبب الأحداث السياسية والميدانية التي تشهدها فلسطين. من جديد، فُتح النقاش الداخلي حول الغاز الذي يمتلكه الفلسطينيون، ويقع في حقل "غزة مارين" الذي يبعد 36 كيلومتراً غرب القطاع، في مياه المتوسط، وطُوّر جزئياً عام 2000 من طرف شركة الغاز البريطانية "بريتيش غاز"، ضمن اتفاقية وقّعتها السلطة الفلسطينية معها.

بداية القصّة وتعطّل التنقيب

وفق المعلومات المتوفرة، بدأت قصة "غاز غزة" حينما شرع المهندس الفلسطيني الراحل إسماعيل المسحال بالبحث عن الغاز، عام 1996. اكتشف حقولاً في عرض بحر غزة وقدّم خلاصة ما توصّل إليه إلى الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، فأعطاه الأخير موافقة فورية للتفاوض مع شركة "بريتيش غاز" البريطانية، من أجل التنقيب عن الغاز واستخراجه من الحقول التي تقع على عمق 600 متراً تحت البحر، ما يجعل استخراجه سهلاً وبتكلفة مالية غير مرتفعة.

وبحسب تحقيق سابق أجرته قناة الجزيرة القطرية حول موضوع غاز غزة، فإن فريقاً آخر تجاوز مهمة المهندس المسحال، وبدأ بجولة تفاوض موازية مع الشركة البريطانية، وتولى رئاسة الفريق الموازي مستشار الرئيس الفلسطيني الأسبق للشؤون الاقتصادية خالد سلام واتُّفق على شروط أخرى مخالفة للتي كان المسحال يفاوض عليها، وتمكن فريق سلام في تشرين الأول/ أكتوبر 1999 من توقيع اتفاقية مع شركة الغاز البريطانية.

وحددت الشركة البريطانية الكمية الموجودة من الغاز في بحر غزة بحوالي 1.5 تريليون قدم مكعب، أي ما يكفي قطاع غزة والضفة الغربية لمدة 15 عاماً، حسب معدلات الاستهلاك الحالية.

ونصت تلك الاتفاقية على أن تستحوذ الشركة البريطانية على 60% من عائدات الغاز، وتحصل شركة اتحاد المقاولين على 30%، أما حصة صندوق الاستثمار الفلسطيني فاقتصرت على 10% فقط.

ما أعاق التنفيذ هو اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، إذ بدأت إسرائيل بالتضييق على تواجد الفلسطينيين البحري، ومنعتهم من استكمال التنقيب عن الغاز، وأبقت الملف مغلقاً حتى هذا الوقت.

بحسب مراقبين، منحت السلطة الفلسطينية، في الاتفاقية، صلاحيات واسعة للمطورين من خلال الحق المنفرد والحصري في الاستكشاف والتنقيب وتسويق أي مصادر طبيعية للغاز والبترول في بحر غزة، كما أنها نصت على أن الفلسطينيين ملزمون بإبلاغ إسرائيل بأي عمليات اكتشاف أو إنتاج من الغاز في المناطق الفلسطينية.

"غاز غزّة منذ أن اكتُشف أصبح مثاراً للاهتمام المحلي والإسرائيلي والدولي، والسلطة الفلسطينية حاولت مع عدة أطراف الضغط على إسرائيل لكي تسمح بالتنقيب عنه، لكنّ الأخيرة كانت في كلّ مرة تعيق الأمر"

بعد تلك المحاولات، ودخول الفلسطينيين في معترك الانتفاضة وتعطّل عملية السلام وبعض الاتفاقيات الفلسطينية-الإسرائيلية، وبروز تحولات سياسية فلسطينية داخلية، إضافة إلى وفاة الرئيس السابق ياسر عرفات، وانتخاب محمود عباس خلفاً، وفوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية عام 2006، تعطّلت جهود التنقيب عن الغاز، وظل الملف مغلقاً من ناحية السلطة الفلسطينية حتى زار وزير الطاقة المصري طارق الملا الأراضي الفلسطينية قبل عدة أيام، ووقع على اتفاقية للتنقيب عن غاز غزة، دون الإفصاح عن تفاصيلها.

مخالفة إسرائيلية للقانون والاتفاقيات

يقول عميد كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية في جامعة الأزهر في غزة الدكتور سمير أبو مدللة إن "الاتفاق الجديد مع الشركة المصرية خطوة في الاتجاه الصحيح، ويقطع الطريق على استمرار إسرائيل في سرقة الغاز، حسبما تشير بعض التقارير، لكنّه يحتاج إلى توضيح أكثر لمعرفة نصيب كل جهة من الغاز".

ويشير في حديثه لرصيف22 إلى أن "التقديرات الأولية تقول إن حصة الفلسطينيين من الغاز ممكن أن تصل لحوالي ثمانية مليار دولار، وهذا من شأنه أن يساعد السلطة الفلسطينية في سد العجز في الموازنة ويساعد في سد احتياجات غزة والضفة من الغاز"، مضيفاً أن "مثل هكذا مبلغ لو استُثمر بصورة صحيحة، سيساهم في إحداث نهضة اقتصادية محلية عبر عشرات المشاريع التي يمكن إنشاؤها للتخلص من مشاكل البطالة والفقر".

"السلطة الفلسطينية منذ نشأتها تعتمد على المساعدات وهِبات المانحين، وهذا الأمر يجعلها مرهونةً لاشتراطاتهم، واستخراج الغاز وغيره من الموارد الطبيعية مثل المعادن والنفط التي كشفت تقارير عن وجوده في الضفة الغربية، ممكن أن يحررها من تلك القيود والاشتراطات، الأمر الذي من شأنه أن يزيد من قوة حضورها السياسي والاقتصادي الدولي"، وفقاً للمتحدث نفسه.

ويضيف أبو مدللة: "هنالك تقديرات للبنك الدولي تشير إلى أن الموارد الطبيعية الموجود في ‘مناطق سي’ في الضفة الغربية، ستدرّ إذا ما استُغلّت على السلطة حوالي أربعة مليارات دولار سنوياً، لكنّ إسرائيل بحكم الاستيطان والقوة تمنع ذلك".

ويشرح أن "تجاوز ذلك يتطلب نضالاً قانونياً وسياسياً من السلطة، لأن الممارسات الإسرائيلية تتناقض مع قرارات وقوانين الشرعية الدولية، لا سيما العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية الذي يكفل للأفراد والجماعات الاستفادة من الموارد الطبيعية الموجودة في أماكن عيشهم".

"من حق جميع المواطنين الاطّلاع على كل ما ورد من بنود في اتفاقية التنقيب عن الغاز بين السلطة الفلسطينية ومصر، بشكلٍ فوري وعاجل، لأن الأمر يتعلق بثروات طبيعية، هي ملك لجميع أبناء الشعب الفلسطيني"

ويشدد أبو مدللة على أن اتفاق الفلسطينيين السياسي مع إسرائيل عام 1993، "أضر بالحقوق الفلسطينية، ولم يعطِ الفلسطينيين سيطرة على مواردهم الطبيعية أو المعابر والبحر والجو، وشرّع وجود عدد من الملاحق والمراحل الانتقالية التي استغلتها إسرائيل للتنصل أكثر من مسؤولياتها".

ويرتبط الفلسطينيون مع إسرائيل اقتصادياً، بموجب اتفاقية باريس الاقتصادية، التي وقعها الطرفان عام 1994، وجعلت من الاقتصاد الفلسطيني تابعاً للاقتصاد الإسرائيلي، بحسب أبو مدللة الذي يضيف أن "الاتفاقية في كثير من بنودها تحرم الفلسطينيين من أي مشاريع إنتاجية أو تنموية أو استراتيجية، وتحرمهم من الاستفادة من مقدراتهم الطبيعية، إضافة إلى كونها تعطي الجانب الإسرائيلي سيطرةً مطلقة على الأرض الفلسطينية براً وبحراً وجواً".

وتنص الاتفاقية أيضاً على أن الشروع في مشاريع للتنقيب عن الموارد والثروات الطبيعية ضمن فريق مشترك للطاقة يضم ممثلين عن الجانبين.

الأطماع الإسرائيلية بالغاز

يقول الكاتب والمحلل السياسي هاني العقاد إن "إسرائيل لا تريد أن تعطي الفلسطينيين أي حق في استثمار ثرواتهم الطبيعية، بمختلف أشكالها، لأن ذلك من عوامل السيادة، وهي لا ترغب يإعطاء السيادة للفلسطينيين"، مضيفاً لرصيف22 أنها "تتطلع فقط إلى أن تبقى الجهة الوحيدة التي لها حق الهيمنة على الأرض والبحر والجو، وتتحكم بمصير السكان في مختلف الشؤون الحياتية".

ويشير إلى أن "غاز غزة منذ أن اكتُشف أصبح مثاراً للاهتمام المحلي والإسرائيلي والدولي، والسلطة حاولت مع عدة أطراف الضغط على إسرائيل لكي تسمح بالتنقيب عنه، لكنّ الأخيرة كانت في كلّ مرة تعيق الأمر، وذلك لوجود أطماع ورغبة لديها في أن تكون هي المستفيد الأكبر من ذلك الغاز"، موضحاً أن "السياسة الإسرائيلية في هذا الملف تتعامل على أنها قوة احتلال ولها السيطرة على جميع الموارد، على الرغم من أن القوانين الدولية تعطي الفلسطينيين حق الانتفاع من ذلك الغاز".

وبخصوص الاتفاق المصري الفلسطيني الذي جرى مؤخراً، يرى العقاد أنه "جاء بمباركة إسرائيلية، وما يعزز تلك الفكرة أن وزير الطاقة المصري زار إسرائيل والتقى بمسؤولين فيها، قبل أن يتوجه إلى رام الله ويلتقي بالرئيس محمود عباس ومسؤولين آخرين، ويوقع معهم اتفاقية الغاز"، مبيّناً أن "إسرائيل ممكن أن تسمح بعمليات التنقيب طالما ضمنت حصتها من ذلك الغاز الذي تفيد تقارير كثيرة بأنها استرسلت في سرقة أجزاء كبيرة منه خلال السنوات الماضية، بشكلٍ سري".

وبحسب تحقيق قناة الجزيرة، جففت إسرائيل عام 2012 حقل "ماري بي" الموجود على الحدود البحرية لقطاع غزة بعدما استخرجت جميع كميات الغاز الموجودة فيه وتقدر بـ1.5 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي.

وذكر التحقيق كيف أن السلطات الإسرائيلية أعادت بيع ذلك الغاز المستخرج للفلسطينيين مرةً أخرى مقابل مبالغ مالية طائلة، في استيلاء واضح على مقدراتهم الطبيعية.

ويقول العقاد: "الأيام القادمة كفيلة بتقديم مزيد من التفاصيل لنا، مع اتضاح أكثر لطبيعة الاتفاقية الفلسطينية المصرية، لكنّ الأمر المؤكد أن الرضا الإسرائيلي عنها عالٍ بشكل مبدئي".

وكشفت وكالة "رويترز" أن اتفاقية الغاز الأخيرة تتضمّن خطة تنص على توصيل الغاز الطبيعي من حقل لوثيان الذي تديره شركة شيفرون، في المياه العميقة في شرق البحر المتوسط، عبر خط أنابيب قائم إلى إسرائيل ومنها إلى قطاع غزة، عن طريق وصلة جديدة مقترحة.

وقال مسؤولون لرويترز إن هذا الترتيب الذي لم تُستكمَل تفاصيله بعد يقضي بأن تموّل قطر الجزء المقترح مدّه في إسرائيل من خط الأنابيب، ويمول الاتحاد الأوروبي الجزء الواقع في القطاع.

وفي ما يتعلق بالتجاذب الإعلامي الأخير الذي دار بين قيادات من حركتي فتح وحماس حول ملف الغاز، يشدد العقّاد على أن "حركة حماس لا يجوز لها بأي شكل من الأشكال طلب أن تكون طرفاً في أي اتفاق من هذا النوع، لأنها لا تمثل الفلسطينيين قانونياً أو واقعياً ولا حتى حكومياً"، مضيفاً في الوقت ذاته أن "من حق جميع المواطنين الاطّلاع على كل ما ورد في الاتفاقية من بنود بشكلٍ فوري وعاجل، لأن الأمر يتعلق بثروات طبيعية، هي ملك لجميع أبناء الشعب الفلسطيني".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard